07 - 04 - 2026

"كو فاديس 1951".. من نيرون إلى ترامب

"كو فاديس" (Quo Vadis) كلمة لاتينية تعني "الوضع الراهن"، و"كو فاديس" هو اسم فيلم أمريكي أنتج عام 1951 يتناول جانبا من فترة حكم الإمبراطور الروماني نيرو (أو نيرون) المضطربة. حكم نيرون الإمبراطورية الرومانية 14 عامًا بين عامي 54 و68، حين انتهت حياته وحكمه بعد أن انتحر لتجنب القتل على أيدي الجمهور الغاضب الذي خرج في ثورة شعبية على حكم خامس وآخر أباطرة الروم من سلالة يوليوكلود التي أسسها الإمبراطور أوغسطس عام 27 قبل الميلاد، وكان عمره يزيد قليلًا عن الثلاثين عامًا. واشتهر نيرون بأنه الإمبراطور الذي أحرق روما عام 64 ميلادية.

على الرغم من الفروق الكبيرة بين العصر الذي عاش فيه نيرون، وبين العصر الحالي، إلا أن هناك وجوها للشبه بين نيرون، كما جرى تصويره في فيلم "كو فاديس"، وبين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي تتملكه شهوة السلطة ويحلم بأن ينصب نفسه إمبراطورا وملكا يتربع على عرش الولايات المتحدة والعالم. قد يكون وجه الشبه الرئيسي بين الشخصيتين هو الإعجاب المرضي بالذات، ورسم صورة عن الذات غير حقيقية. فقد سيطر على نيرون وهم أنه عبقري لا يوجد مثله ومغنى وعازف على القيثارة وسائق عربة حربية. وهي تصورات مغايرة تماما لحقيقته. ويسيطر على ترامب، لاسيما في فترة ولاية الثانية وهم أنه "صانع للسلام"، وكأنه صدق الأكذوبة التي روجها أثناء إدارة سلفه الديمقراطي جو بايدن، وتحديدًا بعد اندلاع حرب أوكرانيا في فبراير عام 2022، إذ راح يروج أن فترة ولايته الأولى لم تشهد حروبًا وأن هذه الحرب ما كانت لتندلع لو أنه رئيس الولايات المتحدة، وأنه القادر على وقف الحروب، التي أضيفت إليها حرب غزة التي اندلعت في السابع من أكتوبر عام 2023. وأسس ترامب حملته الانتخابية على زعم أنه الوحيد القادر على إنهاء الحربين، وهو ادعاء يكذبه واقع استمرار الحربين ونشوب حروب أخرى، كانت طرفًا فيها، أخطرها الحرب التي تورط فيها ضد إيران. 

وبينما زعم ترامب أنه أنهى سبعة حروب مشتعلة في العالم، فإن الاتفاق الذي فرضه على لبنان وعلى غزة لم ينه فعليا الحرب، إذ واصلت إسرائيل عدوانها على القطاع الذي استهدف المدنيين أكثر من استهداف حماس، وعلى جنوب لبنان الذي استهدف بالأساس مقاتلي حزب الله، ولم يتوقف عدوانها على سوريا رغم الإطاحة بنظام بشار الأسد، وشنت اعتداءات على اليمن بزعم التصدي للحوثيين الذين يشنون هجمات بالصواريخ والمسيرات تستهدفها، علاوة على استهداف سفنها الحربية وسفن الدول التي تدعمها في الحرب، لاسيما السفن الأمريكية والبريطانية عند باب المندب، وفي البحر الأحمر. بل وسعت عدوانها ليشمل إيران في يونيو 2025، في حرب استمرت 12 يومًا، وتدخلت الولايات المتحدة بتوجيه ضربة قوية لمنشآت نووية ليعلن بعدها انتهاء الحرب. وانتهت محاولات التوصل إلى اتفاق حول البرنامج النووي الإيراني إلى تجدد الحرب التي تشنها هي وإسرائيل على إيران في 28 فبراير، والتي لا تزال مشتعلة وقد تتوسع إلى حرب إقليمية ممتدة، وربما حرب عالمية، مع فقدان ترامب القدرة على فرض إملاءاته على إيران. 

بين العربدة والقرصنة

وجه الشبه الثاني بين نيرون وترامب هو ميلهما للمجون والعربدة. هذا الميل كان سمة أساسية لكثير من أباطرة روما، وهو موثق من قبل المؤرخين والدارسين لتاريخ الإمبراطورية الرومانية، خصوصًا قبل تحولها إلى الإمبراطورية الرومانية "المقدسة" مع اعتناق الأباطرة للمسيحية. في المقابل لا يوجد توثيق لهذا الميل لدى ترامب إلا من خلال تعليقات له يتفاخر فيها بنزواته، وأيضًا من خلال تقارير إعلامية منذ ترشحه لانتخابات الرئاسة الأمريكية في عام 2015، لاسيما التقارير التي ربطت بينه وبين جزيرة إبستين. واللافت في الأمر هو استغلال هذا الميل للمجون والعربدة لتوجيه قرارات نيرون وترامب لتحقيق أطماع سياسية تسعى إليها أطراف أخرى. فقد تلاعب المتنافسون على السلطة في الإمبراطورية الرومانية بأهواء نيرون ومن سبقه من أباطرة لحسم صراعاتهم ولإزاحة منافسين يقفون في وجه طموحاتهم. يصاحب هذا الميل للمجون، نزوع لانتهاك القانون وارتكاب جرائم أخرى لا ترتبط مباشرة بالصراع على السلطة. يذكر المؤرخون أن نيرون، إمعانًا في الانغماس في حياة المجون والعربدة، وانتهاك القانون الروماني، كان يتنكر بعد حفلات الليل الماجنة في زي العبيد وينزل إلى الطرقات في روما يسرق ويمارس أعمال قطع طرق. ونرى اليوم ترامب وهو يلتف على القانون والدستور الأمريكيين وعلى القانون الدولي وعلى الأمم المتحدة، ويعلن صراحة أن الاستيلاء على النفط هدف رئيسي لمغامراته العسكرية في فنزويلا وفي إيران، وأن مطامعه تمتد من الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية إلى أوروبا، على النحو الذي يظهر من خلال مطالبته بضم جزيرة جرينلاند، وعرضه للسيطرة على موارد في أوكرانيا مقابل دعمها لإنهاء الحرب مع روسيا.

وجه الشبه الثالث بين نيرون وترامب هو السعي للتخلص من المعارضين، بالطبع هناك اختلاف في الأسلوب باختلاف العصر وظروفه وملابسات صعودهما للسلطة. ففي روما القديمة كان وصول الأباطرة إلى العرش يحدث، غالبًا، عن طريق الاغتيالات السياسية وكان التخلص من المعارضين يتم عن طريق المؤامرات والدسائس، كما كانت الاغتيالات آلية أساسية للاحتفاظ بالسلطة إلى حد أنها أصبحت سمة أساسية للحكم في كثير من فترات التاريخ الروماني. وكان التغيير يتم من خلال ثورات شعبية وتدخل قادة الجيوش. وعلى الرغم من أن الانتخابات هي الآلية الرئيسية للوصول إلى رئاسة الولايات المتحدة، إلا أن هناك الكثير من التقارير المتواترة منذ انتخابات عام 2015، تشير إلى أن هذه الآلية عرضة للتلاعب والتوجيه، من قبل أطراف خارج الولايات المتحدة وداخلها، إلى جانب الدعاية الانتخابية للتأثير على الناخبين واستغلال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها قطاعات عريضة من الجمهور الأمريكي، وتوظيف التوجهات الأيديولوجية لدى هذه القطاعات بالترويج لشعارات حول قوة أمريكا أو اللعب على التناقضات العرقية والثقافية، والتركيز على الإحساس بالتهديد والخطر لاستنفار المشاعر الوطنية المتطرفة، أو توظيف المعتقدات الدينية لتحقيق غايات سياسية. ولا يتورع الزعماء السياسيون عن نشر الأكاذيب والأساطير في سبيل احتفاظهم بالسلطة. 

ثمة جانب جديد كشف عنه سعي ترامب للسلطة الدائمة، خصوصًا في فترة ولايته الثانية، تمثل هذا الجانب في الالتفاف على القيود التي يفرضها الدستور الأمريكي والمؤسسات الأمريكية والإعلام، واستغلال الأزمات الدولية والإقليمية لبناء تحالفات عالمية وإقليمية مع زعماء سياسيين وقادة دول مستبدين يواجهون وضعا هشًا ومماثلًا، على النحو الذي تبرزه خطة السلام في غزة وما أطلق عليه مجلس السلام العالمي، الذي قوبل بمعارضة حتى من قبل أقرب حلفائه في أوروبا، إلى جانب معارضة روسيا والصين. ليس واضحا بعد شكل الترتيبات التي قد تسفر عنها المواجهة العسكرية مع إيران، لكن من الواضح أن الحلفاء الأوروبيين يميلون إلى حرمانه من الدعم الذي يحتاجه لتحقيق نصر حاسم على الجمهورية الإسلامية، لأنهم يدركون أن مثل هذا النصر الحاسم قد يعزز مكانته ويمكنه من تصعيد الضغط عليهم لتحقيق أهدافه في أوروبا وفي مناطق أخرى من العالم، ولسنا في حاجة للحديث عن مصلحة روسيا والصين في حرمانه من هذا الانتصار وفرض إرادته على إيران. هذا الوضع كان سببًا رئيسيا في تعديل الأهداف التي تسعى واشنطن وتل أبيب إلى تحقيقها من الحرب مع إيران دون إغفال حقيقة عدم تطابق أهداف الدولتين من الحرب.  

لكن تجدر الإشارة أيضًا إلى الطموحات الشخصية الخاصة لكل من ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والتي قد تساعدنا على تفسير تلك العلاقة القوية التي تربط بينهما. لقد اكتسبت هذه العلاقة مظاهر تتجاوز حدود العلاقة الخاصة التي تربط بين الولايات المتحدة وإسرائيل. من الواضح أننا لسنا هنا بصدد علاقة استراتيجية خاصة بين الدولتين، وإنما أصبحنا بصدد علاقة تربط بين زعيمين سياسيين يواجهان مأزقا سياسيا، بسبب محاكمتهما في انتهاكات ارتكبها كل منهما للقانون في بلده، ولا مخرج لهما إلا بالتحصن بمنصبيهما في مواجهة التحقيقات الجنائية والأحكام القضائية الصادرة ضدهما، والأخطر أنه مع إحكام الخناق عليهما داخليًا لم يعد أمامهما سوى الانخراط في سلسلة من المناورات والمغامرات الخارجية لتأمين سلطتيهما في مواجهة مؤسسات تنفيذ القانون الوطنية وفي مواجهة آليات العدالة الدولة، وهذا الوضع لا ينتج سوى المزيد من العنف في الداخل والخارج، واتساع دائرة الضحايا الذين يدفعون الثمن. 

صناعة تاريخ أم إعادة إنتاج للأسطورة

من يشاهد فيلم "كو فاديس"، الذي أُنتِج عام 1951، وهو فيلم ملحمي، ويُعد من كلاسيكيات السينما الأمريكية، سيلاحظ أن نيرون، كان يراوده حلم روما جديدة، وأنه وضع مجسما للمدينة التي يحلم بها، وأن طريقه لتجسيد هذا الحلم هو حرق روما القديمة، الأمر الذي دفعه لارتكاب جريمته الأشهر على الإطلاق في عام 64، أي بعد عشرة أعوام من تنصيبه إمبراطورا، وقبل أربعة أعوام من نهاية حياته وحكمه. ويصور الفيلم الحريق الذي استمر أسبوعًا، والذي ينبئنا المؤرخون بأنه بدأ من القاعدة الخشبية للسيرك الكبير لتمتد النيران لتلتهم عشرة أحياء من أحياء المدينة الأربعة عشر. وتذكر كتب التاريخ أن نيرون كان يجلس في برج مرتفع يتسلى بمنظر الحريق وبيده آلة الطرب يغنى أشعار هوميروس التي يصف فيها حريق طروادة، ليغطي على صراخ آلاف الضحايا من سكان روما، حين كانت النيران تتصاعد والأجساد تحترق. وكان لا بد من العثور على كبش فداء يتهمه بارتكاب الحريق، وسرعان ما تراجع عن اتهام اليهود، لأنهم كانوا تحت حماية إحدى زوجاته، ليتهم المسيحيين إذ كانت أعدادهم التي تتزايد مصدر إزعاج له ومصدر تهديد لسلطته، فاتخذ من ذلك الاتهام ذريعة لاضطهاد المسيحيين وسفك دمائهم أو حرقهم بالنيران أمام أهل روما وفي جميع أنحاء الإمبراطورية، في محاولة لمنع انتشار الدين الجديد بين رعايا الإمبراطورية. 

ومع استمرار الاضطهاد الدموي للمسيحيين الذي استمر أربع سنوات، ذاقوا خلالها أصناف التعذيب الوحشي، اتسعت دائرة الاغتيالات وبحور الدماء التي أراقها "نيرون" غير آبه بأحد، لتطول دائرته المقربة، فالطغاة يتوجسون غالبًا من الدائرة القريبة منهم مع توسع المعارضة لحكمهم، لأنهم يعلمون أن سقوطهم مؤكد وأنه سيكون على يد أحد الخلصاء المقربين، وبالتالي، فإن بطشهم يطول أقرب المقربين، وهو ما حدث مع نيرون الذي قتل قائد جيشه الأمين وأصدقاءه وأقاربه وضباطه، وصولا إلى معلمه سينيك، إلى أن وضع مجلس الشيوخ حدا لجرائمه عندما أعلن في عام 68، أن نيرون أصبح "عدو الشعب" وأقنعته زوجته لأن يموت منتحراً أفضل من الموت على أيدي الحشود الثائرة التي تقترب من القصر، ويسقط القيصر ويصعد القيصر الجديد، وعلى الرغم من العبر في قصة نيرون، فإنها لا تفيد القياصرة الجدد قديمًا وحديثًا. وعلى الرغم من أن الديمقراطية وفرت آليات تمنع هذا الشكل من الانفراد بالسلطة، إلا أنها عرضة كذلك لأن تستغل من خلال الترويج لأسطورة يشترك فيها الطاغية وسندته.

الأسطورة المعاصرة التي تستغل إحساس بعض القطاعات في أمريكا بالتراجع عنوانها الشعار الذي رفع ترامب "لنجعل أمريكا عظيمة من جديد" والذي اختصارا بحركة "ماجا" (MAGA)، وهذه الدعوة تقوم على إحساس زائف بالقوة، وتصور أنه يمكن لأمريكا أن تحقق ما تريد بفضل تفوقها العسكري الساحق، الذي يسعى نتنياهو إلى تضخيمه واستغلاله في عملية هروبه للأمام منذ أكتوبر 2023، بمواصلة الحرب وتوسيع نطاقها في مقامرة كبرى يستغل فيها حالة الضعف التي يعاني منها المحيط الإقليمي المباشر على ما يبدو من أجل التوسع ومراكمة قدر من القوة العسكرية التي تمكنه مع ترويع الدول المجاورة مستعينا بالقوة الأمريكية، جريا وراء أسطورة إسرائيل الكبرى، مستفيدًا من رواج هذه الفكرة لدى قطاعات واسعة من شعوب المنطقة والعالم، انطلاقا من تفسيرات منحرفة لنصوص دينية يجري توظيفها بما يخدم فكرة سيطرة إسرائيل على المشرق العربي، والعمل على إزاحة القوى المناوئة لهذه السيطرة. الحلم ذاته راود أدولف هتلر في عام 1939، وشجعته الانتصارات السريعة والخاطفة التي حققها في تشيكوسلوفاكيا وبولندا ووسط أوروبا وغربا فرنسا وتحالفه مع الحكومات الفاشية في إيطاليا وإسبانيا، في التمادي إلى أن سقط في ستالينجراد. 

ومثل نيرون الذي انتحر مخلفاً وراءه حالة من الإفلاس نتيجة البذخ الشديد والفوضى الناجمة عن الحروب الأهلية والخارجية التي أشعلتها سياساته، وما أدت إليه من تدهور للوضع الاقتصادي والسياسي، حينما تتوقف آلة الحرب على إيران، ستصحو إسرائيل وأمريكا على واقع جديد في المنطقة، يتعين فيه على حكوماتها أن تكافح من أجل إعادة إعمار ما هدمته الحرب، في وقت كان العالم يكافح فيه من أجل تدبير الموارد اللازمة لإعادة إعمار ما هدمته حرب غزة وتوابعها، وما هدمته حروب أهلية لم تتوقف بعد في السودان واليمن وسوريا، فيما يطل شبح الحرب الأهلية في بلدان أخرى. ومثل الممثل الفاشل والمهرج الذي كان يتوسل للجمهور ليصفق له، يبحث ترامب عن صورة انتصار زائف، لن ينالها، وستلاحقه صورة الهزيمة والعار التي تؤرقه الآن وتدفعه إلى الجنون إلى حد التهديد بفتح أبواب الجحيم غير واع إلى أن نيران هذا الجحيم ستلتهمه هو وربيبه الذي يتغنى منذ عامين بنصر زائف تكذبه مشاهد الدمار التي يراها بأم عينيه. 

هذا هو الوضع الراهن الذي سيفيق عليه ترامب ونتنياهو بعدما يمنعهما استنزاف قوتهما العسكرية من الاستمرار في القتال ويدركان أن الجغرافيا وإرادة الشعوب أقوى من أن تهزم بالسلاح مهما بلغت قدرته التدميرية، وأن الأرض تحارب دوما مع أصحابها وتقهر الغزاة والمحتلين.
-------------------------------
بقلم: أشرف راضي

مقالات اخرى للكاتب