06 - 04 - 2026

"حكاية نرجس": لوحة درامية متكاملة ترسم وجع الأمومة

يأتي مسلسل “حكاية نرجس” كعمل درامي متكامل العناصر، لا يعتمد فقط على حبكة إنسانية مؤثرة، بل يقدم تجربة فنية ثرية تتضافر فيها عناصر التمثيل، والتأليف، والإخراج، وحتى الموسيقى التصويرية (تيتر المسلسل)، لتشكل في النهاية ما يشبه “معرض لوحات” نابض بالمشاعر.

منذ اللحظة الأولى، ينجح العمل في جذب المشاهد إلى عالمه، حيث تتجسد معاناة الأمومة والحرمان منها عبر أداء استثنائي تقوده ريهام عبد الغفور في دور “نرجس”. قدمت ريهام شخصية مركبة، مليئة بالتناقضات الإنسانية، واستطاعت أن تنقل ببراعة تفاصيل الألم الداخلي، والاشتياق، والانكسار، دون افتعال.

ويقف إلى جانبها حمزة العيلي في دور “عوني”، مقدما أداء متزنا وعميقا، يعكس صراعات الرجل في مواجهة واقع معقد. كما يضيف تامر نبيل في دور “سعد” .

ولا يمكن إغفال بقية طاقم العمل، حيث يقدم أحمد عزمي (جمال)، وعارفة عبد الرسول في دور “أم جمال” وكذلك تبرز سماح أنور في دور “أم نرجس”، بأداء قوي يعكس صلابة الأم المصرية.

ويكمل هذا النسيج الفني حضور مجدي السباعي (أبو نرجس)، ودينا ماهر (نوال)، وبسنت أبوالباشا (هدي)، إلى جانب الشاب المواهب يوسف رأفت (يوسف)، ورندا إبراهيم ).

ورغم صغر مساحة بعض الأدوار، إلا أن تأثيرها كان عميقًا، خاصة مشهد رندا إبراهيم الصامت بعد فقدان ابنها. ذلك المشهد تحديدًا يعد من أقوى لحظات العمل، حيث استطاعت من خلال تعبيرات وجهها فقط، دون كلمات، أن تنقل وجعًا إنسانيًا خالصًا، وتجسد ألم كل أم فقدت طفلها. وعندما تأتي “نرجس” لتقديم المال لها، يتحول المشهد إلى لحظة صادمة من الصدق، تكشف أن بعض الآلام لا تُواسى، ولا تقاس بأي مقابل مادي.

“حكاية نرجس” تجربة شعورية كاملة، تنجح في أن تضع المشاهد أمام مرآة إنسانية قاسية، لكنها حقيقية. عمل يثبت أن الدراما حين تُصنع بصدق، يمكن أن تتحول إلى فن يدرَس، لا يشاهَد فقط

حكاية “نرجس” تعكس معاناة كثير من النساء اللواتي حرمن من نعمة الأمومة، سواء لعدم الإنجاب أو لظروف لم تسمح لهن بالزواج. 

أعرف هذا الشعور جيدا، فقد عشته بنفسي. تزوجت لمدة ثماني سنوات دون وجود أي مانع طبي واضح للإنجاب، لكن إرادة الله كانت فوق كل شيء. ومع ذلك، كنت مؤمنة دائما أن الله لا يختار لنا إلا الخير، حتى وإن بدا الأمر عكس ذلك في لحظاته الأولى.

كنا على وشك اتخاذ خطوة التبني، خطوة لم تكن بديلا عن الأمومة بقدر ما كانت طريقا مختلفا إليها، لكن القدر كان له رأي آخر. في عام 2004، فقدت زوجي وأنا في التاسعة والعشرين من عمري. رحيله لم يكن مجرد فقد شريك حياة، بل كان انكسارا لحلم كنت أتشبث به.

ورغم الألم، لم تختفِ فكرة التبني من داخلي. ظل الدعاء رفيقي، وذات يوم، في السابع والعشرين من شعبان، شعرت وكأن السماء مفتوحة. دعوت الله من أعماقي أن يرزقني طفلا أحتضنه، أعيش معه تفاصيل الأمومة التي طال انتظارها.

كنت أزور دور الأيتام باستمرار، أحيانا للمشاركة في عروض مسرحية، وأحيانا أخرى بدافع إنساني. إلى أن جاءت تلك المكالمة التي غيرت كل شيء: طفلة رضيعة، عمرها عشرة أشهر، وُجدت أمام أحد الملاجئ.

لا أستطيع وصف شعوري في تلك اللحظة. لم أفكر في شكلها أو ملامحها، بل قلت في نفسي: “حتى لو لم تكن جميلة، سأحبها كما هي”. لكن المفاجأة أنها كانت في غاية الجمال. قررت أن أسميها “مريم”، تيمنا بالسورة الوحيدة في القرآن التي تحمل اسم امرأة (سورة مريم).

ارتبطت بها ارتباطًا يفوق الوصف، شعرت أنها ابنتي بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لكن الواقع القانوني كان عائقا، فلم يكن بإمكاني تسجيلها باسمي، إذ يتطلب الأمر وجود أب أو أحد من عائلته. ورغم ذلك، عشت معها تفاصيل الأمومة بكل صدق.

مرت خمسة أشهر، ثم جاءت المكالمة التي لم أكن مستعدة لها. طُلب مني أن أعيد الطفلة. كانت أمها البيولوجية قد تركتها نتيجة خلافات مع زوجها، ثم عادت تطالب بها.

في تلك اللحظة، شعرت وكأنني أتلقى “شهادة وفاة” جديدة، ليست لطفلة، بل لحلم عشته بكل جوارحي. كان الفراق أقسى مما عشته بعد وفاة زوجي. عدت إلى منزلي فارغة، مثقلة بحزن لا يوصف.

تجاوزت تلك المرحلة ببطء، بالعمل، وبالمسرح، وبمحاولات مستمرة للتماسك. وفي عام 2007، ارتبطت بزوجي الحالي، الذي كنت أعرفه منذ عام 1993 دون أن يجمعنا أي تفكير في الارتباط من قبل. جمعتنا الظروف، أنا أرملة، وهو كان يعاني من تجربة زواج لم تكلل بالإنجاب.

شاء القدر أن نتزوج، وأن يرزقنا الله بطفلين، وكأن الحياة قررت أخيرا أن تعوضني عن كل ما فقدته. لكن تظل هناك أسئلة مؤلمة تفرض نفسها. أتذكر حادثة وقعت في أوائل الألفينات، حين ادعت سيدة مصرية تعيش في الولايات المتحدة أنها حامل،ولم يعلم زوجها بهذا الآمر  ثم خطفت طفلا حديث الولادة من مصر ابن بواب عمارتها  وسافرت به. لاحقا، تم استرجاع الطفل إلى أسرته الحقيقية، وسط مشهد مؤثر لاستقباله في مطار القاهرة ، ورغم أنه لم يستمر معها شهور ولكن كان صدمة لها وتعرضت لانهيار عصبي وعرضوا بعض الصور للابن والام في أمريكا.

أتساءل: ماذا لو كبر هذا الطفل وعرف قصته؟ ماذا لو أدرك أنه كان على وشك أن يعيش حياة مختلفة تماما؟ هل كان سيتقبل حقيقته؟ أم كان سيشعر بالصراع بين ما كان يمكن أن يكون، وما هو كائن بالفعل؟

قصة نرجس في أحد الأعمال الدرامية تطرح بعدا آخر، حيث تواجه فكرة التبني بالرفض، ليس لغياب القدرة على الحب، بل بسبب النظرة الاجتماعية، وتعقيدات الواقع، وأحيانا بسبب الشكوك المرتبطة بدور الأيتام.

فالحقيقة المؤلمة أن بعض هذه الدور لا تخلو من مشكلات، سواء من حيث الإهمال أو الاستغلال، بل وتحويل الأطفال أحيانا إلى ملفات تدار بمنطق إداري أو ربحي، بعيدا عن إنسانيتهم واحتياجاتهم الحقيقية في النهاية، تبقى الأمومة ليست مجرد علاقة بيولوجية، بل تجربة إنسانية عميقة، قائمة على الحب والرعاية والانتماء. قد تأتي بطرق تقليدية، وقد تطرق أبوابا أخرى غير متوقعة، لكنها في كل الأحوال تظل أحد أنقى أشكال العطاء الإنساني.
-------------------------------------
إيمان عبدالعال النقادي