04 - 04 - 2026

يحيى قلاش.. ذاكرة نقابة الصحفيين وضميرها الحي

يحيى قلاش.. ذاكرة نقابة الصحفيين وضميرها الحي

يُعد الكاتب الصحفي يحيى قلاش واحدًا من أبرز رموز العمل النقابي في مصر، ومن الأسماء التي ارتبطت بتاريخ نقابة الصحفيين في محطات مفصلية وحاسمة. ابن محافظة المنوفية، والناصري العتيد المنتمي إلى جيل السبعينيات، حمل على عاتقه همّ المهنة والدفاع عن استقلالها، فكان نموذجًا للنقابي الذي لا يساوم على المبادئ، ولا ينحني أمام الضغوط.

شغل قلاش عضوية مجلس نقابة الصحفيين لعدة دورات، كما تولى منصب السكرتير العام، قبل أن يُنتخب نقيبًا للصحفيين في واحدة من أصعب الفترات التي مرت بها النقابة. وخلال فترة توليه منصب النقيب، واجه تحديات جسيمة، أبرزها أزمة اقتحام نقابة الصحفيين من قبل قوات وزارة الداخلية، وهي الواقعة التي شكلت لحظة فارقة في تاريخ النقابة، وأظهرت معدن الرجل وقدرته على الصمود والثبات في مواجهة الضغوط.

“سيادة النقيب”، كما أحب أن أناديه، ليس مجرد نقابي تقليدي، بل هو رجل من الزمن الجميل، يحمل في داخله قيمًا أصيلة لم تتغير رغم تغير الزمن. لا يعرف النفاق، ومتسق تمامًا مع ذاته وأفكاره، واضح في مواقفه، صادق في كلماته، وهو ما أكسبه احترام زملائه، حتى من يختلفون معه في الرأي.

ورغم تجاوزه السبعين من عمره، لا يزال يحيى قلاش حاضرًا بقوة في المشهد النقابي، مهتمًا بقضايا الصحفيين، ومتابعًا لتحديات المهنة التي تتجدد يومًا بعد يوم. لم يتخلَّ يومًا عن دوره، ولم ينكفئ، بل ظل وفيًا للنقابة، حريصًا على الدفاع عن حقوق أبنائها، ومؤمنًا بأن العمل النقابي رسالة لا تنتهي.

ما يميز قلاش أيضًا بساطته الشديدة وتواضعه اللافت. أتذكر أنني التقيته ذات مرة في سيارة ميكروباص على خط فيصل – رمسيس، متجهًا إلى مقر نقابة الصحفيين قبل ثورة يناير، في مشهد يعكس طبيعة هذا الرجل الذي لم تغره المناصب، ولم تغيّره الأضواء. والتقيته مرة أخرى في مترو الأنفاق، يتحرك كأي مواطن عادي، رغم قدرته على امتلاك سيارة خاصة، لكنه اختار أن يظل قريبًا من الناس، يعيش حياتهم اليومية بكل تفاصيلها.

لا يرتدي الكرافت، ويفضل الزي الأنيق البسيط، في انعكاس واضح لشخصيته المتزنة البعيدة عن التكلف. هو رشيق في أفكاره، سلس في مناقشاته، يمتلك قدرة على الإقناع دون تعالٍ، وخفيف الظل في حضوره، ما يجعل الجلوس معه تجربة ممتعة ومثرية في آن واحد.

وفي الوقت ذاته، هو حاسم وحازم في قراراته، لا يقبل الوساطة أو المحسوبية، ويؤمن بأن الرجل المناسب يجب أن يكون في المكان المناسب، بعيدًا عن المجاملات أو الحسابات الضيقة. تلك الصرامة المهنية لم تكن يومًا قسوة، بل كانت تعبيرًا عن احترامه للمهنة وإيمانه بضرورة الحفاظ على معاييرها.

يحمل يحيى قلاش نصيبًا من اسمه، فهو “يحيى” المتواضع، الذي يبعث الحياة في كل موقع يتواجد فيه، ويمنح الأمل لمن حوله بإمكانية التمسك بالمبادئ في زمن صعب. هو نموذج نادر لرجل جمع بين الفكر والممارسة، بين البساطة والصلابة، وبين الحلم والواقع.

ختامًا، في زمن تتبدل فيه القيم سريعًا، يظل يحيى قلاش شاهدًا على زمن آخر، زمن كانت فيه الكلمة موقفًا، والنقابة حصنًا، والنقيب صوتًا حرًا لا يُكسر. لذلك، لم يكن غريبًا أن يستحق عن جدارة أن يكون ذاكرة النقابة وضميرها الحي .
----------------------------
بقلم: إبراهيم خالد


مقالات اخرى للكاتب

يحيى قلاش.. ذاكرة نقابة الصحفيين وضميرها الحي