04 - 04 - 2026

التداعيات المحتملة للغزو البري الأمريكي للجزر الايرانية

التداعيات المحتملة للغزو البري الأمريكي للجزر الايرانية

ربما لم يعد متوافرا لدى الأمريكيين أي خيار آخر لحسم هذه الحرب، سوى الغزو البري. فقد طالت الحرب بأكثر كثيرا مما كان مخططا لها. حيث كان من المقرر ألا تستغرق أكثر من أربعة أيام الى أسبوع. على أساس سيناريوهات تقوم على انهيار الدولة والجيش وتحطيم البرنامجين: النووي والصاروخي، بمجرد قتل المرشد والصف الأول من القيادة الإيرانية، وهو ما كان مفترضا أن يحرك الشعب الإيراني ضد النظام، فيكتمل مشهد هزيمة ايران وسقوطها. ولكن كل هذه السيناريوهات ثبت فشلها على نحو ذريع، كما هو واضح. وصمدت ايران وأخذت تشن ضربات مؤلمة وبالغة التأثير على الوجود الأمريكي في الخليج وعلى قلب اسرائيل. وإذا استمرت الحرب على هذه الوتيرة القائمة الآن فان الوضع ينذر بهزيمة كارثية لأمريكا وإسرائيل، وسيكون لهذه الهزيمة تداعيات استراتيجية ووجودية قاسية على كلتا الدولتين المعتديتين.

لذلك فان أمريكا مضطرة للبحث عن "صورة نصر"، من أي نوع، ومهما كانت التكلفة. حتى تستطيع الحفاظ على ما تبقى من هيبة ووضعية القوة الكبرى العالمية قادرة على تحقيق الردع أنى وأينما أرادت. وربما يخايل المخطط الأمريكي أن صورة النصر تلك يمكن تحقيقها عبر الحرب البرية. وهو على أي حال مضطر الى اتخاذ هذا القرار، لأنه ببساطة لا يمتلك بدائل أخرى. 

وتشير التحشيدات الأمريكية، التي يتم الإعلان عنها تباعا، الى أن معركة الغزو البري قد أوشكت. والهدف هو الاستيلاء على جزيرة "هرمز" في مدخل الخليج، وجزيرة "خرج"، في شمال الخليج. بالإضافة إلى الجزر الثلاثة: "طنب الكبرى" و"طنب الصغرى" و"أبو موسى"، جنوب شرق الخليج، بالقرب من مضيق هرمز. (وهذه الجزر الثلاثة الأخيرة تسيطر عليها ايران منذ عام 1971، وقت وجود الشاه على رأس الحكم، وتطالب الامارات العربية المتحدة بها بوصفها جزرا إماراتية محتلة). وأضافت جريدة (وول ستريت جورنال) الأمريكية، أن الهدف الحقيقي لهذا الغزو هو القيام بالسيطرة على 440 كيلوجرام من اليورانيوم، أو إفسادها، بما لا يجعلها صالحة للاستخدام. للحيلولة دون تمكن ايران من صنع قنبلة نوووية. ويبدو أن الدوائر الغربية تمتلك من المعلومات ما يجعل عملية الغزو محتمة، من حيث اقتراب ايران من تصنيع قنبلة نووية. وهو الأمر الذي حدا بوزير الدفاع الإيطالي للتصريح بما يوحي باحتمال توصل إيران لإنتاج هذا السلاح.

ولتحقيق هذه الأهداف قامت السلطات الأمريكية باستدعاء 17,500 جندي من قواعدها في الولايات المتحدة، بالإضافة الى حوالي 50 ألف جندي موجودين بالفعل بالقرب من الشرق الأوسط، وقد تم نقلهم من القواعد الموجودة في كل من اليابان وكوريا الجنوبية. وأظن أن الغزو سيبدأ باستهداف مركز للتحصينات القائمة على هذه الجزر وكل الدفاعات القائمة على البر الايراني التي يمكنها تعطيل عملية الغزو. وهو ما يعني تحطيم كامل القوة الإيرانية قبل البدء بهذه العملية. ولذلك فإنني أرجح أن تكون الضربات الأمريكية دموية وعنيفة للغاية. وربما يتم استخدام أسلحة غير تقليدية، مثل قنابل اليورانيوم المنضب أو قنابل نووية تكتيكية. وهذا الأمر ليس جديدا على مسلك الولايات المتحدة، فقد استخدمت هذه الأسلحة في الحرب على العراق عام 2003. 

وهناك احتمال باشتراك قوات خليجية وغربية في هذه الحرب. وحينئذ ستتحول إلى حرب إقليمية كبرى وربما عالمية، لأن أطرافا كثيرة يهمها عدم هزيمة ايران تم الحديث عنها في مقالات سابقة. 

وتقديري أن عملية الغزو البري ستنتهي بكارثة للقوات الأمريكية ومن معها، لأسباب تتعلق بعدم كفاية أعداد الجنود المهاجمين قياسا بالقوة النارية من الجيش الإيراني الذي أعلن عن تجنيد مليون جندي. وأن المدافع المتمترس على أرضه يكون دائما أقوى من المهاجم، خاصة مع الجيولوجيا المعقدة للأراضي الإيرانية. والخبرات والمعنويات التي يتمتع بها الجيش الإيراني صاحب الخبرات القتالية المتراكمة. فضلا عن الدعم الذي يمكن أن يحصل عليه هذا الجيش من العراق وباكستان والشيشان.. الخ. وكل الجماعات الداعمة لإيران في هذه البلدان أعلنت استعدادها للانخراط في القتال. فضلا عن حلفاء إيران الدوليين الذين سيعملون على استغلال الفراغ الذي سينجم عن سحب القوات الأمريكية وتوجيهها إلى الشرق الأوسط، مما سيزيد من الحرج العسكري لأمريكا على صعيد انتشارها في العالم وبخاصة في شرق آسيا. فلقد قامت الصين، مؤخرا، من زيادة تعبئتها العسكرية بالقرب من محيط ملقا، وفي منطقة بحر الصين الجنوبي، وربما تقوم باجتياح تايوان. كما أن روسيا قد تقوم باجتياح أوكرانيا وجمهوريات البلطيق. 

إن الجهد الأمريكي الأساسي يتركز، بشكل عام، على محاولة السيطرة على مناطق الثروات الطبيعية والممرات المائية، والمواقع الاستراتيجية الحاكمة بالقرب من هذه الممرات. لذلك أعلن الرئيس الأمريكي نيته في الاستيلاء على كوبا، وقناة بنما، وممر "ملقا" بالقرب من بحر الصين الجنوبي، ومضيق هرمز، ومضيق باب المندب. وهذا الأخير سيتم التحكم فيه عن طريق القاعدة الإسرائيلية في صوماليلاند والقاعدة الأمريكية في جيبوتي. وهذا يعني أن على أمريكا الاستعداد لمواجهة مفتوحة مع الصين نظرا لوجود قواعد صينية في معظم هذه المواقع. فضلا عن التواجد العسكري المصري والسعودي في منطقة البحر الأحمر. فإذا اقتربت الحرب من باب المندب والبحر الأحمر فقد لا تجد مصر مناصا من الانخراط فيها. 

إن كل هذا يعني أن الوضع في منطقتنا يتدحرج نحو مزيد من التعقيد والتأزم، وربما يصل إلى مرحلة من الانفجار العسكري. فهل من كابح لهذا العتو الأمريكي؟؟
---------------------------------
بقلم: د. صلاح السروي

مقالات اخرى للكاتب

التداعيات المحتملة للغزو البري الأمريكي للجزر الايرانية