تطل علينا ذكرى "يوم الأرض" هذا العام، لا كمجرد محطة تاريخية تُستعاد فيها ذكريات عام 1976، بل كمرآة عاكسة لواقع جيوسياسي شديد التعقيد والقتامة.
إنها ذكرى تأتي ملطخة بغبار حرب طاحنة أعادت رسم ملامح المنطقة، حيث تتقاطع فيها رمزية التشبث بالأرض مع قسوة القيود الحديثة، في مشهد عالمي يبدو وكأنه ينزلق نحو حرب عالمية غير معلنة، تُديرها نخب سياسية من غرفها المحصنة، بينما تدفع الشعوب وحدها فاتورة الدم والدمار.
من مصادرة الأرض إلى محاصرة الإنسان
لم تعد معركة الأرض تقتصر على الجغرافيا وحدها، بل امتدت لتطال جسد وروح الإنسان المعلق بها ، ففي التزامن مع هذه الذكرى تبرز قضية الأسرى كجرح مفتوح يتسع يوماً بعد يوم. فلم تعد السجون مجرد جدران للعزل، بل تحولت في ظل التشريعات المتطرفة والسياسات الاستثنائية إلى ساحة حرب أخرى.
القوانين التي تُسن أو يُلوّح بها من تشديد العزل الممنهج إلى النقاشات العبثية حول إعدام الأسرى أو مصادرة أموال عائلاتهم ليست مجرد إجراءات أمنية، بل هي محاولة سياسية لكسر الإرادة وتصفية القضية ديموغرافياً ومعنوياً، وتحويل الأسير من صاحب قضية إلى مجرد ورقة ضغط في بازار التفاوض الإقليمي.
الأقصى ؛ السيادة تحت حراب الإغلاق
وفي قلب هذه الجغرافيا النازفة، يقف المسجد الأقصى محاصراً ، إن القيود المفروضة على بواباته، والحواجز التي تخنق شوارع القدس العتيقة، تتجاوز مفهوم "الإجراءات الأمنية المؤقتة" إنها في جوهرها تفريغ للمكان من هويته ومحاولة لفرض سيادة الأمر الواقع بقوة السلاح. الإغلاق الكامل للأقصى في وجه المصلين، والذي مر بمراحل عديدة عبر السنوات الماضية من تحديد أعمار من يحق لهم الصلاة، واشكال اخرى ما هو إلا إستكمال لمعركة يوم الأرض؛ فالأرض التي صودرت أطرافها بالأمس، يُصادر قلبها الروحي اليوم تحت ذريعة أمن لا يجلب إلا مزيداً من الانفجار.
"التاريخ يُكتب اليوم بمداد من المفارقات ؛ قادة يحركون جيوشاً واقتصادات عبر شاشات مضيئة، وشعوب تبحث عن مأوى بين الركام."
العالم على صفيح ساخن ؛ القادة يقررون، والشعوب تدفع الثمن
لا يمكن قراءة المشهد الفلسطيني بمعزل عن حالة التشظي العالمي. نحن نعيش في ظل إرهاصات "حرب عالمية" من نوع جديد؛ حرب مجزأة الساحات، لكنها موحدة النتائج.
من الشرق الأوسط إلى شرق أوروبا، تتخذ النخب الحاكمة قراراتها بناءً على خرائط النفوذ، وأمن الطاقة، والتحالفات الاستراتيجية، غير آبهة بالثمن البشري.
في هذا العالم تبدو المعادلة شديدة الوضوح والقسوة ، الزعماء يقررون متى تبدأ الحرب وكيف تُدار خطوطها الحمراء، بينما تُترك الشعوب لتواجه الموت العبثي، والتهجير القسري، والمجاعات المصطنعة. الخيام التي تغص بالنازحين، والطوابير الطويلة بحثاً عن فتات الخبز، والمدن التي سويت بالأرض، هي النتائج المباشرة لقرارات اتُخذت في قاعات مكيفة لا يصلها دوي المدافع.
إن تزامن ذكرى يوم الأرض مع قسوة قوانين الأسرى وحصار الأقصى، وسط عالم تحكمه لغة النار والتوازنات الباردة، يضعنا أمام حقيقة لا تقبل المواربة. الأزمات لم تعد شأناً محلياً، بل هي انعكاس لخلل أخلاقي وسياسي في النظام العالمي بأسره. وفي انتظار أن تسترد الشعوب حقها في تقرير مصيرها وحماية أرضها ومقدساتها، سيبقى التاريخ يسجل أن الأرض لا تنسى من تمسك بها، وأن فواتير الدم التي تدفعها الشعوب اليوم، ستكون هي ذاتها المعاول التي ستهدم يوماً ما غرف صناعة القرار التي استهانت بها.
---------------------------------
بقلم: حاتم نظمي






