ثمة مفارقة عجيبة في طبيعة الأمل؛ فهو أشد ما يحتاجه الإنسان في لحظات انكساره، وأعسر ما يجده حين تتوالى عليه التجارب وتتراكم خيباتها. فالأرض التي أجدبت مرات لا تقبل البذرة بسهولة، والنفس التي أُثقلت بالإخفاقات تتحول شيئًا فشيئًا إلى ركام صامت، يرى العالم من حوله يمضي قُدُمًا بينما تظل هي واقفة، يدوي في أذنها صفير قطار العمر وهو يبتعد.
وتزداد هذه المعضلة تعقيدًا حين ننقلها من فضاء الفرد إلى رحاب المؤسسة. فحين تضيق الاستثمارات، وتتراجع العوائد، وتتوتر بيئات العمل، وتتأخر القرارات أو يكتنفها الغموض، ينسحب التفاؤل هادئًا من قلوب العاملين فيتراجع معه الأداء وتخبو الهمم. ولهذا يظل إبقاء جذوة الأمل متقدة في نفوس الناس واحدًا من أصعب تحديات القيادة وأكثرها أثرًا، لأن الثقة لا تُبنى بالخطب الرنانة، بل بالاعتراف الصادق بالأخطاء وتصحيح المسارات بشجاعة وشفافية.
في مطلع الألفية الثالثة، كانت "ليجو LEGO" على شفير الانهيار؛ تراجعت مبيعاتها بنحو 30% في غضون عامين فحسب، وبلغت ديونها 800 مليون دولار، فيما كانت تخسر ما يزيد على مليون دولار يوميًا. والأشد إيلامًا من الأرقام أن الشركة كانت قد فقدت بوصلتها؛ إذ راحت في لهفتها لمواكبة الموضات تطلق حدائق ترفيهية وألعابًا إلكترونية وخطوطًا للملابس.
كانت الشركة تُحسن الجري في كل اتجاه، لكنها نسيت طريقها الأصلي، لتجد نفسها وقد أنهت عام 2003 بانخفاض في صافي المبيعات بلغ 26% وخسائر تجاوزت 300 مليون دولار.
في هذا المناخ القاتم، جاء يورجن كنودستورب، ليتولى قيادة الشركة، ويخلص إلى نتيجة هامة بعد مقابلات عديدة مع الموظفين والعملاء مفادها أن الشركة فقدت خيط حكايتها الذي يميزها، حين خلطت بين النمو المتسارع والنجاح الحقيقي، وأضاعت رسالتها الجوهرية في اللعب الإبداعي.
من هنا كرس كنودستورب جهوده في تلبية ما يحبه الناس في ليجو، فأعاد الشركة إلى مسار اللعب الإبداعي وتحرير الخيال، واتخذ قرارات جريئة بتخفيض تشكيلة المنتجات والتخلي عن عشرات الآلاف من القطع وإغلاق الفروع الخاسرة، كما بث الروح في موظفي الشركة ودمج المصممين مع العملاء، من أطفالٍ وشباب، يستمعون لأفكارهم، وأحلامهم، ويحولونها إلى منتجات حقيقية، حتى أنه ذهب لأبعد من ذلك، حين أطلق منصة إلكترونية تتيح لأي شخص اقتراح تصميم جديد، فإن نال عشرة آلاف صوتًا تحوّل إلى منتج فعلي يحصل صاحبه على حصة من عائداته.
كان المعنى العميق هنا أن الشركة لم تكتفِ بإعادة اكتشاف وتوظيف موظفيها، بل أعادت توظيف مجتمعها كله "موظفون وعملاء" وجعلت منهم شركاء في الإبداع، لترتفع المبيعات لما يقارب تسعة أضعاف، وتتربع ليجو على قمة الشركات الأكثر ربحية في عالم الألعاب.
أعادتني تلك القصة الملهمة إلى تلك الحكاية القديمة عن سباق الأرنب والسلحفاة التي نحفظها عن ظهر قلب، لكننا نعرف منها فصلًا واحدًا فحسب مفاده أن الأرنب المغرور نام على وسادة ثقته بنفسه، بينما مضت السلحفاة المثابرة بخطوها الوئيد حتى اقتنصت الفوز. لكن القصة لا تنتهي هنا. طلب الأرنب جولة ثانية فكسبها، فاستدركت السلحفاة الحكيمة، واقترحت مسارًا ثالثًا يقطعه نهر، فوجد الأرنب نفسه عاجزًا أمام الماء، بينما عبرته السلحفاة بثقة وفازت من جديد.
وحين جلس الاثنان معًا في ليلة هادئة، أدركا الحقيقة التي كان السباق يُخفيها طوال الوقت؛ أن كل منهما يحتاج الآخر. فاتفقا على أن يحمل الأرنب السلحفاة على ظهره عبر اليابسة بسرعته، وتحمله هي على ظهرها عبر الماء بثباتها، فوصلا معًا إلى ما عجزا عن بلوغه منفردَين.
وهذا ما فعله كنودستورب في ليجو، فبدلًا من أن يتصارع المصممون المبدعون مع المحللين الماليين، أو يتنافس الموظفون القدامى مع المستشارين الخارجيين، جمعهم على ظهر قارب واحد، كلٌّ منهم يُسهم بما يُتقنه في الموضع الذي يُحسنه.
في معترك الأزمات التي نواجهها حاليًا، لا نحتاج إلى سرعة الأرنب فقط ووقوفه عاجزًا أمام عوائق الطبيعة، ولا إلى ثبات السلحفاة الذي قد يفسده بطء القرار؛ بل نحتاج إلى نموذج الأرنب - السلحفاة وإدراك الجميع أن النجاح ليس فيمن يصل أولًا، بل فيمن يكمل نفسه بالآخرين ويبني جسرًا يعبر عليه الجميع، عندها نكون قد اتخذنا القرار الصحيح.
---------------------------------------
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط
[email protected]






