في كل مرة تشتعل فيها نيران الصراع في الشرق الأوسط، تعود نفس القاعدة غير المعلنة إلى الواجهة: من يموّل الحرب لا يكون بالضرورة من يخوضها، بل من يخشى تداعياتها. ومع التصعيد الأخير واحتمالات اتساع المواجهة مع إيران، تبرز تسريبات وتصريحات تشير إلى أن دونالد ترامب يسعى لتحميل دول الخليج فاتورة المواجهة، التي يُقال إنها بلغت نحو 1.3 مليار دولار في اليوم الواحد فقط وكان مخططا ان تستمر الحرب لمدة ٤٥ يوما اى مايقارب اجمالى ٦٠ مليار دولار .
هذه المعادلة تطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام تحالف أمني أم علاقة تعاقدية تُدار بمنطق "الدفع مقابل الحماية"؟
أولاً: أمن مُؤجَّر لا تحالف دائم
السياسة التي يتبناها ترامب ليست جديدة، بل تعكس فلسفة أعلنها بوضوح منذ ولايته الأولى: الحلفاء يجب أن يدفعوا مقابل الحماية الأمريكية. لكن تطبيق هذا المبدأ في منطقة ملتهبة كالخليج يحمل مخاطر استراتيجية، إذ يحوّل مفهوم الأمن الجماعي إلى خدمة مدفوعة، ويضع الدول أمام معادلة قاسية: إما الدفع أو مواجهة المخاطر منفردة.
والمفارقة أن دول الخليج، رغم إنفاقها الضخم على التسليح، وجدت نفسها في لحظات سابقة - خصوصًا خلال استهداف منشآت حيوية - تتعامل مع التهديدات بشكل منفرد، في ظل غياب ردع أمريكي مباشر. هذا يطرح تساؤلًا حول جدوى "المظلة الأمنية" إذا كانت لا تُفعّل إلا بشروط مالية.
ثانيًا: الحرب من أجل من؟
لا يمكن فصل هذا التصعيد عن البعد الإسرائيلي في المعادلة. فالدعم الأمريكي غير المحدود لـ إسرائيل يجعل أي مواجهة مع إيران تبدو - في نظر كثيرين - مرتبطة بأمن إسرائيل بالدرجة الأولى، وليس فقط بالمصالح الأمريكية أو الخليجية.
إذا صح هذا التصور، فإن مطالبة دول الخليج بتحمّل التكلفة تبدو وكأنها تحميل لأطراف إقليمية كلفة صراع لم يكن قرارها بالكامل، بل فُرض عليها بحكم التوازنات الدولية.
ثالثًا: الاقتصاد في مواجهة السياسة
فاتورة يوم واحد - إن صحت - تُعد رقمًا صادمًا، خاصة في ظل ضغوط اقتصادية عالمية وتحديات داخلية تواجهها معظم الدول. دفع مثل هذه التكاليف لا يعني فقط استنزاف الموارد، بل قد ينعكس على خطط التنمية، ويزيد من حساسية الشارع تجاه أي التزامات خارجية.
كما أن ربط الأمن بالدفع المالي المباشر يفتح الباب لمساومات سياسية قد لا تكون في صالح الاستقرار طويل الأمد.
رابعًا: دروس لا يجب تجاهلها
الأزمة الحالية - بصرف النظر عن مسارها - تحمل عدة رسائل يجب التوقف أمامها بجدية:
تنويع التحالفات ضرورة لا رفاهية: الاعتماد الكامل على قوة واحدة يضع الدول في موقف تفاوضي ضعيف.
بناء قدرات ردع ذاتية: الأمن الحقيقي يبدأ من الداخل، لا من العقود الخارجية فقط.
الفصل بين المصالح الوطنية وصراعات الآخرين: ليس كل صراع إقليمي يستوجب الانخراط أو التمويل.
إعادة تعريف مفهوم الشراكة: الشراكة الحقيقية تقوم على المصالح المتبادلة، لا على الفواتير.
ختامًا
ما يطرحه ترامب - سواء كتكتيك تفاوضي أو توجه استراتيجي - يعكس تحولًا في طبيعة العلاقات الدولية، من تحالفات قائمة على الالتزامات السياسية إلى صفقات قائمة على الحسابات المالية.
لكن السؤال الأهم يظل قائمًا: هل تقبل دول المنطقة أن تكون ممولًا دائمًا لصراعات لا تملك قرارها، أم أن اللحظة الراهنة تفرض مراجعة شاملة لقواعد اللعبة؟
الإجابة لن تحدد فقط شكل العلاقة مع واشنطن، بل قد ترسم ملامح توازن جديد في الشرق الأوسط لسنوات قادمة ، علما بأن المتحدثة باسم البيت الأبيض قد أعلنت أن الرئيس ترامب ينوى مطالبة دول الخليج بتحمل تكاليف الحرب .
---------------------------------------
بقلم: كامل السيد






