بداية؛ سيادة الرئيس، لا يطمح جل المعارضين في منصب؛ وإنما يريدون الخير للبلاد جميعها؛ حاكما ومحكوما؛ ولقد أمر الله من هو خير منا جميعا بالاستماع لمن هم دونه قدرا ومنزلة؛ فقال لنبيه "وشاروهم في الأمر"؛ ووصف الصالجين من عباده بأن "أمرهم شورى بينهم"
وفي سبيل انجاح ذاته ودعوته؛ استعان النبي في مسيرته بأهل الكفاءة؛ ولو كان كافرا؛ وطلب العون من أهل المروءة؛ ولو كان على غير رسالته.
فتحكي لنا كتب التاريخ، أن النبي استعان في رحلة الهجرة من مكة إلى المدينة بدليل مشرك، هو عبد الله بن أريقط الليثي (أو ابن أرقط)، خبير الطرق ومسارب الصحراء، والأكفأ في مجاله.
كما طلب النبي وهو في أضعف حالاته البشرية، جوار المطعم بن عدي؛ كي يدخل مكة في حمايته بعد خروجه لرحلة قصيرة؛ دعا فيها أهل الطائف للإسلام فآذوه وضربوه وردوه على عقبيه.
لم يسمح سادة قريش بدخوله مكة تحت جوارهم؛ لكن المطعم بن عدي أجاره؛ وخرج متسلحا مع ابنائه؛ كي يحموا النبي؛ حتى يدخل بينه آمنا مطمئنا؛ وطاف بالبيت تحت حماية المطعم وأبنائه.
وفي أقوال الراجحين على مر التاريخ ما يدعونا للإستماع؛ فيقول الإمام على كرم الله وجهه: "من شاور الرجال شاركها في عقولها؛ ومن أعجب برأيه ذل؛ ومن استغني بعقله ضل."
استمع إلينا يا سيادة الرئيس؛ فلربما يأتي الربيع، والعام عام جوع؛ فيكون في وجهة نظر المعارض انقاذ للبلاد والعباد.
لقد ضرب الله لنا مثلا بنبيه يوسف عليه السلام وعزيز مصر؛ فقد سجنه الحاكم واتهمه في شرفه؛ لكنه لم يستنكف أن يستعين به بعد إخراجه من السجن؛ بعدما تيقن من كفاءته.
طلب يوسف استوزاره مقدما مصوغات تعيينه" إني حفيظ عليم" فقبلها الحاكم ولم يتردد.
رسائل سامية، في تلك القصة؛ حتى لمعارضي الحاكم ولو كانوا سجناء عصره؛ ألا وهي "العفو الشامل" من جانبهم؛ بعدما كان العفو من جانب الحاكم أولا.
سعى يوسف للمصالحة وهو مظلوم؛ فطلب وساطة من توسم فيه خيرا؛ فقال للوسيط" إذكرني عند ربك" لكن الوسيط نسي؛ حتى احتاج الحاكم ليوسف؛ فتدخلت الأقدار؛ ليصبح كلاهما في خدمة الآخر.
لم يحمل يوسف حقدا في قلبه على من اتهمه في شرفه؛ بل تعاون مخلصا لإنقاذ العزيز والبلاد من المجاعة؛ لم يمكر به أو يستغل منصبه للإطاحة بالحاكم. ولم ينتهز فرصة؛ أن البلاد في مجاعة؛ فيؤلب الناس على الحاكم الذي ظلمه، وحبسه، واتهمه في شرفه.
تسامح الطرفان برقي مدهش؛ ولعل في تلك القصة، وهي أحسن القصص؛ السبب الكامن لتسمية حاكم مصر بـ "العزيز"؛ فقد أعز الله به البلاد؛ فأخرجها من مجاعتها؛ استمع لمعارضيه؛ واستعان بأهل الكفاءة، ولو كانوا حصومه؛ فأعزه الله، وأعز به البلاد.
من رسائل تلك القصة البهية؛ أن معارض الحاكم، ولو كان سجينا مظلوما؛ فله أن يطلب العفو، ويسعى جاهدا إليه، ويطلب منصبا يرى نفسه أهلا له انقاذا للبلاد وخدمة للناس..
فقد طلب يوسف الوزارة التي تشبه وزارة المالية؛ فأخلص العطاء، والخدمة؛ دون ضغائن تجاه الحاكم عن فترة سجنه؛ تسامح وعفا وأصلح؛ فكان أجره على الله، أن يصلح عمله.
لم ينشغل يوسف حين أسند الأمر إليه بالثارات، والانتقام ممن ظلمه؛ وإنما تفرغ بالكلية لإنجاح نفسه أولا؛ وأنقاذ البلاد والحاكم من ثورة الجوعي.
اسمح لنا يا سيادة الرئيس أن نختلف معك، ونكون آمنين في بيوتنا، ووظائفنا ومناصبنا؛ فربما تحتاج النصيحة فتطلبها ممن هم دونك، فيخشون الحديث بصراحة قد تغضبك؛ فيخيل إليهم أن ثمن إغضابك فقدانهم مناصبهم؛ فيؤثرون الصمت أو المداهنة، كي لا يكون رأيهم ثمنا فادحا يدفعونه من قوت أولادهم.؛ فلا أنت استفدت من عقولهم، أو وجودهم في جوارك، ولا استفادت بهم البلد.
إن أحوج من نحتاج إليه الآن؛ هي ثقافة الاستماع وتقبل الآخر. فاضرب لنا في ذلك مثلا؛ فإنا نرى وندرك زحف المجتمع نحو العنف السلوكي، والذي منبته إقصاء الآخر.
لا أحد يرغب أن يكون فاشلا يا سيدي الرئيس، ولو استعنت بأهل الكفاءة من المعارضين لك، لكانوا أكثر الناس اصرارا على النجاح؛ لأنه لا أحد يرغب في أن يبدو فاشلا.وسيستعين كل منهم بمن هو كفء وتكون المحصلة نجاحا للجميع وأنت أولنا.
سدد الله خطاكم ووفقكم لكل خير يا سيادة الرئيس، ولو كانت لنا دعوة مستجابة، لجعلناها للحاكم؛ كما قال الإمام الفضيل بن عياض؛ والإمام أحمد بن حنبل؛ فبصلاح الحاكم تصلح الرعية والبلدان.
-----------------------------------
يقلم: معوض جودة






