من يتابع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على منصة "سوشيال تروث"، منصته الخاصة ليغرد عبر ما يشاء، والتي أطلقها عندما حظرت منصة "تويتر" السابقة تغريداته، وكذلك التصريحات التي يدلي بها في مؤتمرات عامة مثل مؤتمر مستقبل الاستثمار في فلوريدا يوم الجمعة الماضي، سيلاحظ دون عناء أننا أمام شخصية تعاني من اضطرابات نفسية وعقلية خطيرة تستدعي توقيع كشف طبي واتخاذ قرار بخصوص صلاحيته لرئاسة أقوى دول العالم تسليحًا، والصلاحيات الواسعة التي يمتلكها وتمكنه من شن العدوان على الدول الأخرى وإشعال حروب مدمرة ليس لخصومه فقط، وإنما يطول هذا التدمير الحلفاء، بل الدولة التي يقودها ذاتها، والتي تجسدها الحرب التي أطلقها بعدوانه على إيران، والتي لا يستطيع أحد وقفها.
في رأي كثير من العلماء والمفكرين الغربيين والأمريكيين مثل عالم السياسة الأمريكي، من أصل سويسري، إيمانويل والرشتين، الذي وضع نظرية للنظام الرأسمالي العالمي، فإن المسألة تتجاوز ترامب وتعبر عن أزمة بنائية في النظام الرأسمالي العالمي ذاته. كتب والرشتين الذي توفي في عام 2019، في مقالة له نشرتها مجلة "مانثلي ريفيو" الأمريكية، في 30 مايو عام 2003، أي بعد أسابيع من غزو العراق والإطاحة بحكومة البعث بزعامة الرئيس صدام حسين، أشار إلى أن الأزمة التي يعاني منها النظام العالمي الذي يراه نظاما رأسماليا بامتياز، أزمة بنائية سببها الإمبريالية التي يرى أنها "جزء لا يتجزأ من الاقتصاد العالمي الرأسمالي"، وأنها "ليست ظاهرة استثنائية"، وستبقى موجودة طالما بقي الاقتصاد العالمي رأسماليًا. لكن الأهم هو ما لاحظه مع غزو العراق من أن هذه الإمبريالية تتخذ "شكلاً عدوانيًا وفظيعًا" و"باتت مستعدة الآن للتصريح بأنها إمبريالية". ومع ترامب دخلت هذه الإمبريالية طورا جديدا من الجنون المدمر.
لقد كانت علامات الاضطراب النفسي واضحة على ترامب منذ ترشحه لخوض الانتخابات الأمريكية في عام 2016، وخلال فترة ولايته الأولى المضطربة (2016-2020)، وخلال السنوات الأربع في ولاية جون بايدن الديمقراطية (2020-2024)، ومع هذا أعيد انتخابه بأغلبية كبيرة في انتخابات عام 2024، استناداً إلى وهم تمكنت ماكينة حملته الانتخابية من بيعه للناخب الأمريكي، يتلخص في أن ترامب هو الرئيس الوحيد القادر على وقف الحروب التي اتهم إدارة بايدن بأنه السبب في اندلاعها، لاسيما حرب أوكرانيا، التي اندلعت في فبراير 2022، وحرب غزة التي اندلعت في أكتوبر عام 2024. وظل ترامب يروج لأكذوبة أنه استطاع وقف سبعة حروب في العالم، بل طالب بأحقيته للفوز بجائزة نوبل للسلام 2025. ولم يفق العالم من هذا الوهم الكاذب، على الرغم من اتساع رقعة الحروب في العالم، بسبب سياسات ترامب، إلا بعد وقوع كارثة حرب إيران صباح يوم السبت 28 فبراير. وربما يكون السؤال الأهم كيف تسمح الديمقراطية الأمريكية بوصول شخص مضطرب نفسيا وعقليا، وحديثه أقرب إلى هذيان شخص مصاب بجنون العظمة إلى الرئاسة؟ الإجابة على هذا السؤال لا تنفصل عن طبيعة الأزمة التي وصلتها الرأسمالية العالمية في طبعتها الأكثر رداءة وانحطاطًا.
مفارقة القوة والضعف
بينما تركز ماكينة الدعاية الأمريكية ووسائل الإعلام والدعاية التابعة لها في أنحاء العالم على القوة الاستثنائية التي تتمتع بها الولايات المتحدة، والتي تصر على أنها القوة الوحيدة في العالم القادرة على فرض إرادتها على الآخرين، رغم مظاهر العجز الواضحة في مواجهة كثير من الأزمات في العالم، وفشلها في إحداث أي فارق في باكستان، مع مشاهد الانسحاب التي اتسمت بفوضى لا مثيل لها، وعجزها عن حسم كثير من الصراعات والحروب في مناطق مختلفة، يرى والرشتين وغيره من علماء السياسية والاجتماع أن الشكل العدواني للإمبريالية لا يعكس قوة الولايات المتحدة، كما يظن الواقعون تحت تأثير الدعاية الأمريكية، وإنما سبب هذه الروح العدوانية هو ضعف الولايات المتحدة الأمريكية وتراجع هيمنتها العالمية. وفي عام 2003، نشر والرشتين كتابًا بعنوان "انحسار القوة الأمريكية: الولايات المتحدة في عالم من الفوضى"، صدرت ترجمته العربية في عام 2014. إن حديث والرشتين وغيره من علماء مدققين عن تراجع القوة الأمريكية أو انحسارها يستند إلى تحليل رصين للاتجاهات العامة على مدى زمني طويل أو ما يعرف بالمسار الطويل للتاريخ وهو منهج وضعه المؤرخ والمفكر الفرنسي البارز فرنان بروديل (1902-1985)، وطبقه هو وباحثون آخرون دراسة كثير من الاتجاهات التاريخية، فهو لا يعبر عن انطباع عام بتأثير حوادث راهنة، وإنما يرصد مسارات تاريخية طويلة الأمد، وتضع الحوادث في سياقها.
وفق منهج المسار الطويل فإن مرحلة الهيمنة الأمريكية على العالم في أعقاب الحرب العالمية الثانية في عام 1945، مثلها مثل مرحلة الأحادية القطبية التي أعقبت انتهاء الحرب الباردة في مطلع التسعينات، لم تكن سوى لحظة عابرة. فلم تستمر الهيمنة الأمريكية، التي تعني اقتناع العالم الغربي على الأقل بأحقيتها في زعامته، سوى 25 عامًا تقريبًا، إذ واجهت الولايات المتحدة صعوبات في الفترة ما بين عامي 1967 و1973 بسبب ثلاثة أمور، أولها، أنها فقدت تفوقها الاقتصادي النسبي، نتيجة صعود أوروبا الغربية واليابان وتزايد قدرتهم على الدفاع عن أسواقهم، وغزو الأسواق الأمريكية، بما ترتب على ذلك من تداعيات سياسية. الأمر الثاني هو ثورة 1968 العالمية، التي أعلن المشاركون فيها رفض الهيمنة الأمريكية على العالم، ورفض تواطؤ الاتحاد السوفيتي مع هذه الهيمنة، والتي كانت بمثابة إعلان إفلاس اليسار التقليدي القديم، الذي يعبر عنه الأحزاب الشيوعية والأحزاب الاشتراكية الديمقراطية وحركات التحرر الوطني التي لم يؤد وصولها إلى السلطة إلى تغير العالم، لكنه قوّض الأساس الأيديولوجي لاتفاقية يالطا، التي قسمت العالم بين القوى المنتصرة في الحرب، والتي لم تشمل بلدان العالم الثالث التي رفضتها. في هذه الفترة شهد العالم أربع هزائم كبيرة على الأقل للإمبريالية، في الصين، في عام 1948، وفي الجزائر وفي كوبا وفيتنام، والتي أعادت تشكيل الجغرافيا السياسية للعالم منذ السبعينات، حين بدأ المسار التاريخي لانحسار القوة الأمريكية.
لا تنحصر المشكلة فقط في انحسار القوة الأمريكية وتراجعها وإنما تتمثل أيضًا في تغيّر كيفية التعامل مع هذا التراجع، وفقدان الهيمنة. ويلاحظ من خلال مراجعة السياسة الخارجية والاستراتيجية الأمريكية منذ إدارة الرئيس الجمهوري ريتشارد نيكسون في السبعينات، حتى مطلع الألفية مع إدارة الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون، التعامل بأسلوب القفاز المخملي الذي يخفي قبضة حديدية، وإقناع أوروبا الغربية واليابان وغيرهما بأن الولايات المتحدة قادرة على التعاون؛ وأن بإمكان الآخرين تشكيل تحالف من شبه متساوين، مع ممارسة الولايات المتحدة "للقيادة". طرحت في هذه الفترة أطر كثيرة للتعاون مثل اللجنة الثلاثية ومجموعة السبع، التي جرى توسيعها من خلال منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومجلس والمجلس الأطلسي ومجموعة العشرين، وما يُسمى "إجماع واشنطن" الذي تبلور في ثمانينات القرن العشرين، الذي حل محل عقد التنمية الذي أعلنته الأمم المتحدة في السبعينات، والذي قام على فكرة تحقيق التنمية من خلال نوع من السيطرة على ما يجري داخل الدول القومية ذات السيادة. لكن في مقابل هذا النهج التعاوني كان هناك تصور آخر في الفكر الأمريكي يميل إلى العزلة والأحادية في إدارة الشؤون الخارجية بما يتوافق مع ما يرونه فارق في القوة الأمريكية يعكسه الأعباء التي تتحملها الولايات المتحدة. وتراوحت الإدارات التي تعاقبت على البيت الأبيض منذ الألفية الجديدة بين النزعة الانعزالية الأحادية وبين النهج التعاوني.
في سياق هذا التردد بدأ التخلي عن النزعة التنموية والتقليل من شأنها، والتي فشلت بشكل واضح بحلول أواخر الثمانينيات، واستبدالها بالعولمة، والتي تعني فتح الحدود، وإزالة الحواجز أمام حركة السلع ورأس المال، مع تقييد ذلك الانفتاح في وجه قوة العمل، والسعي إلى بناء توافق أيديولوجي كم خلال منتدى دافوس، كملتقى لنخب العالم، بما في ذلك نخب العالم الثالث، والعمل باستمرار على جمع ودمج أنشطتهم السياسية، وفي هذا السياق شنت الولايات المتحدة هجوما مضادا لليبرالية الجديدة على ثلاثة مستويات: خفض الأجور في جميع أنحاء العالم؛ وخفض التكاليف على الشركات، بما في ذلك القيود البيئية على نشاطها؛ وخفض الضرائب، التي كانت تدعم الرعاية الاجتماعية، أي دعم التعليم والرعاية الصحية وضمانات الدخل مدى الحياة، وأدى هذا الهجوم المضاد إلى تغير الاقتصاد السياسي للنظام العالمي، لكنه لم يوقف تراجع القوة الأمريكية، إذ لم تحقق الولايات المتحدة سوى نجاح جزئ طفيف في هذه الأمور الثلاثة. فقد ارتفعت منحنيات التكلفة بشكل كبير في وقت تتزايد فيه التهديدات التي تواجهها القوة العسكرية الأمريكية، خصوصًا مع الانتشار النووي وامتلاك دول صغيرة، مثل كوريا الشمالية أسلحة نووية، الأمر الذي يعني تزايد صعوبة قيام الولايات المتحدة بأي عمل عسكري، ويزيد صعود الاتحاد الأوروبي من إحساس واشنطن بالضعف النسبي وتراجع القوة والنفوذ، إذ بات واضحًا أنها تعارض أي محاولة لإنشاء دولة أوروبية موحدة لديها قدرة على تحدي النفوذ الأمريكي لأن ذلك يعني ببساطة أن تفقد الولايات المتحدة السوق الأوروبي وربما أسواق أخرى، بما في ذلك السوق الأمريكي نفسه، وفي هذا السياق برز التحدي الصيني المتصاعد مع تزايد احتمالات بروز الصين كقوة عالمية تشارك الولايات المتحدة في زعامة العالم وفرض معاييرها للنظام العالمي.
انتهاء عصر النصر المبين
ربما كان التحول الأهم في أعقاب انتهاء الحرب الباردة، هو انتهاء حقبة امتلكت فيها القوى الكبرى القدرة على تحقيق انتصارات حاسمة في الحروب. ربما كان هذا التحول قد بدأ قبل ذلك بعقود، فمنذ حرب أكتوبر عام 1973، فإن الحرب تُدار للوصول إلى نقطة تعادل تنتهي عندها الحرب بعد تحقيق بعضًا من أهدافها الرئيسية وبما يسمح بعقد هدنة قد تؤدي إلى ترتيب تسوية أكثر استقرارًا أو لجولة أخرى من الحرب لتحسين شروط التسوية، وفق موازين القوى الجديدة. فلم تتمكن العراق ولا إيران من تحقيق انتصار بعد حرب استنزاف استمرت ثمانية أعوام، وكذلك انتهت الحرب الأفغانية بانسحاب القوات السوفيتية من أفغانستان دون اتفاق على ترتيبات ما بعد الحرب، لتترك الدولة في قبضة الفصائل المسلحة التي تصارعت السلطة لتتحول إلى قاعدة للجماعات الإسلامية الجهادية التي شكلت تهديدا لأمن الدول والأمن العالمي. لم يتغير هذا الوضع حتى بعد تفكك الاتحاد السوفيتي والدخول في مرحلة قصيرة من الأحادية القطبية، ولم يتمكن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة من تحقيق انتصار حاسم على العراق في حرب الخليج الثانية التي انتهت بانسحاب القوات العراقية من الكويت بعد شهور من الغزو، ولم تتمكن واشنطن من توظيف قوتها ولا الدعم الدولي لحل مشكلتي أمن الخليج أو الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين وكل من سوريا ولبنان.
ومع نهاية التسعينات وانتهاء الانتعاش المؤقت للاقتصاد الأمريكي، الذي لم ينعكس إيجابيًا غلى الاقتصاد العالمي الذي شهدت سلسلة من الأزمات، جاءت هجمات 11 سبتمبر 2001، التي أظهرت هشاشة الولايات المتحدة من ناحية، وبروز تهديدات جديدة لأمنها وأمن حلفائها من الجماعات الجهادية التي تشكلت في إطار الحرب الأفغانية، الأمر الذي أدى إلى تزايد شعور الصقور في السياسية الأمريكية بالقلق نتيجة تراجع القوة الأمريكية. ويرى والرشتين أن هؤلاء الصقور الذي جاءوا مع الإدارات الجمهورية منذ جورج بوش الابن، في محاولتهم إحداث تغيير جذري لسياسة "القفاز المخملي" والنهج المتعدد الأطراف الذي رأوا أنه فشل في وقف تراجع القوة الأمريكية بل أدى إلى تسريع انحدار الولايات المتحدة، ويعتقدون أن من شأن الانخراط في عمل إمبريالي صارخ وعلني أن يوقف هذا التدهور، ومن ثم كان الغرض الأساسي لغزو العراق في عام 2003، هو "إظهار قدرة الولايات المتحدة" لترهيب أي دولة في العالم الثالث تسعى لامتلاك القنبلة النووية أو أسلحة الدمار الشامل وترهيب أوروبا والحلفاء الآخرين. وردت أوروبا على ذلك بالامتناع عن التصويت على مشروع قرار أمريكي في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في مارس 2003، الأمر الذي أجبر واشنطن على سحب القرار كي لا يتعرضوا لمزيد من الإهانة سياسية، وفقدان الشرعية.
حاول المتشددون في الولايات المتحدة التعامل مع هذا العصيان الأوروبي بالضغط من أجل توسيع الحرب من خلال الترويج لسؤال من التالي بعد العراق، وحديثهم عن محور الشر الذي يضم إيران وكوريا الشمالية ودول أخرى في الشرق الأوسط وخارجه يتهمونها بدعم الإرهاب، لكن جرى التصدي لهذا النهج من داخل الولايات المتحدة، وتحديدا في أبريل 2003، من خلال تصريح لورانس إيجلبرجر، وزير الخارجية في عهد الرئيس بوش الأب، والمستشار المقرب لبوش الابن، للتحذير من محاولة غزو سوريا، وهو التصريح الذي يشير إلى معارضة شريحة مهمة من رأس المال الأمريكي والعالمي للمتشددين الذين سيطروا على أجهزة الدولة الأمريكية، وسعيهم لاستغلال الفرصة التي أتاحتها هجمات 11 سبتمبر لمواصلة الضغط، الذين يواجهون معارضة من رأسماليين آخرين يشعرون بالقلق من "الخيار شمشون" الذي يتبناه المتشددون. لكن الوضع الفوضوي المرتبط بأزمة الرأسمالية كنظام، يفرض وضعًا خارج عن السيطرة، لا سيما الولايات المتحدة، التي ستعجز حكومتها عن إدارة هذا الوضع.
هذه الحقيقة واضحة اليوم في ضوء العجز الأمريكي عن حسم الحرب مع إيران أو حتى تحقيق أي من أهدافها الرئيسية المعلنة، أو حتى الحصول على حل يحفظ ماء الوجه، نظرًا لإصرار إيران على حرمانهم من ذلك الحل ورفضها خطة ترامب وشروطه لإنهاء الحرب، وطرحها شروطا مضادة معتمدة على قدرتها على تصعيد الحرب على إسرائيل بتوجيه ضربات مباشرة لها، أو بالاعتماد على حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، وكذلك قدرتها على استهداف القوات العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج وفي محيطه القريب والبعيد. ويتجلى انحسار النفوذ الأمريكي في حلف شمال الأطلسي ولدى الحلفاء الأوروبيين الذين أعلن بعضهم، مثل فرنسا وإسبانيا، رفض استخدام القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيهم أو المجال الجوي في الحرب على إيران. ورفضهم مساعدة ترامب في هذه الحرب.
المشكلة لا تكمن فقط في تراجع النفوذ الأمريكي وانحسار قوتها، وإنما تكمن في إصرار إدارة ترامب، التي ترفع شعار "استعادة قوة أمريكا" على السير في الاتجاه المضاد لحركة التاريخ. إنه يدرك كل يوم تستمر فيه الحرب عجز القوة الأمريكية عن حماية الأصول العسكرية الأمريكية في المنطقة التي تقف عاجزة في مواجهة إيران الأقل قدرة، وتعجز عن حماية الدول الحليفة التي تستضيف هذه القوات، لا يدرك ترامب، وبسبب ضعف واضطراب قدراته العقلية على ما يبدو، معنى تمديد الإنذارات التي يوجهها لإيران لقبول شروطه في الوقت الذي تصعد فيها إيران وحلفاؤها الهجوم على إسرائيل، على نحو يهدد "حاملة الطائرات الأمريكية التي لا تغرق"، بالتدمير الذي يصعب تحمله أو تحمل نتائجه. ربما أدرك ترامب متأخرًا أن للقوة مهما بلغت حدودا لما تستطيع تحقيقه، حين لوح إلى أنه قد يقدم على خطوة متهورة بإعلان وقف الحرب وليحدث ما يحدث، وهو قرار يكشف أننا أمام شخص مختل لا يقدر عواقب تصرفاته وتهوره. فمثل هذه الخطورة قد تفتح الباب لوضع يخرج عن السيطرة تماما واللجوء إلى خيار هدم المعبد على رؤوس من فيه.
يتحدث كثير من المراقبين منذ بداية الحرب عن أن ترامب يبحث عن "صورة نصر"، ولو زائف، في حين أن إيران التي تدرك جيدًا أن الجيش الأمريكي مني بهزائم مذلة أجبرته على الانسحاب من قبل، سواء في فيتنام أو في لبنان أو في العراق وأفغانستان، وأن أمامها فرصة لإجباره على إنهاء الحرب دون إعلان انتصار، رغم الفارق الكبير في ميزان القوة العسكرية بين الطرفين. وقد يكون هذا هو الخيار الأفضل إذا أراد أن يحتفظ بموطئ قدم في المنطقة لكن هذا الأمر مرهون بقدرته على شل حركة شمشون، حليفه الوحيد في هذه الحرب، وبالتجاوب مع جهود الوسطاء وفي مقدمتهم مصر والسعودية وباكستان وعمان وقطر، والتفكير مليًا في ترتيبات ما بعد الحرب. الأمر معقود أيضًا على بروز من يستطيع وقف هذا الجنون في واشنطن، واحتواء مغامراته وشطحاته. إن واشنطن بحاجة إلى إيجلبرجر آخر لإنقاذها من مواصلة حرب لا تشنها من أجل إسرائيل وإنما إنقاذ رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، وإنقاذ ما تبقى من سمعتها في العالم. لن نتحدث الآن عن محاسبة ستأتي حتمًا لمن تسبب في هذه الكارثة لإقدامه على عدوان كان بالإمكان تجنبه.
------------------------------
بقلم: أشرف راضي






