31 - 03 - 2026

رحلة إلى دماوند.. حيث ينكشف الجليد وتُفضَح النفوس.

رحلة إلى دماوند.. حيث ينكشف الجليد وتُفضَح النفوس.

في وقتٍ تتقاطع فيه الدروب بين الواقع والخيال، نستعيد واحدًا من أهم المؤلفات الأدبية التي أسهمت في تشكيل وعي الثورة الدستورية في إيران؛ كتاب "مسالك المحسنين" ترجمة إيمان محمد إبراهيم عرفة، العمل الذي صاغه ببراعة الفيلسوف والأديب التنويري عبد الرحيم بن أبي طالب بن عليمراد طالبوف (1834–1911م)، ذلك الصوت الذي لم يهادن الاستبداد، وظل يبحث عن النور في زمنٍ كان يرفضه.

لا يقدم لنا "طالبوف" مجرد سرد لرحلة، بل يصحبنا في مهمة علمية خيالية، حيث تنطلق بعثة متخصصة نحو "قمة دماوند" – أعلى هامات إيران – ليس فقط لرسم خرائط الجغرافيا أو رصد الكتل الجليدية في شمالها، بل لرسم "خريطة للنفس البشرية".

وعبر التنقل بين المدن والقرى، ينسج الكتاب لوحة بانورامية دقيقة للمجتمع الإيراني في مطلع القرن العشرين، كاشفًا عن شرائحه وطبقاته المختلفة. ومن خلال عيون هؤلاء الرحالة، يتبدّى نقد اجتماعي لاذع يفكك تعقيدات نظام الحكم، وترهّل الجهاز الإداري، وبنية المجتمع الطبقية. وهنا يغدو "مسالك المحسنين" مرآةً تعكس صراع الأفكار بين الرجعية والتقدم، وتطرح في جرأة رؤية للنهوض بالمجتمع من عثراته.

إن الصعود إلى "دماوند" في هذا الكتاب ليس صعودًا في الجغرافيا، بل ارتقاءٌ شاق في مدارج الوعي؛ فبينما كان الرحالة يجمعون بيانات الجليد، كانوا في الحقيقة يذيبون جمود العقول، ليخبرونا أن خرائط الأوطان لا تُرسم بالمداد، بل تُخطّ بمدى قدرتنا على مواجهة مرايانا، وأن طريق "المحسنين" يبدأ دائمًا من نقد الذات.. قبل أن نظن أننا بلغنا القمم.