01 - 04 - 2026

من يدفع فاتورة حرب ترامب والنتن ياهو؟

من يدفع فاتورة حرب ترامب والنتن ياهو؟

إسرائيل تحرّض وتهرب.. ترامب يخضع لأيباك.. ودول الخليج تحصد الريح.

ثمة مشهد لافت يتكرر على مرأى من العالم دون أن يجرؤ كثيرون على تسميته بصراحة: رئيسان يتبادلان رمي الملف الإيراني كما لو كان قنبلة موقوتة لا يريد أيّ منهما الإمساك بها. ترامب يقول إنه أنجز مهمته وإن إسرائيل لا تزال لديها أهداف. ونتنياهو يؤكد أنه تجاوز منتصف الطريق وأن ما تبقى هو شأن أمريكي. كلاهما يبحث عن باب للخروج من مستنقع أوقعا فيه المنطقة بأسرها.

لكن الخروج ليس سهلاً حين تكون قد أعلنت الحرب على دولة تمتد على مساحة مليون وستمائة ألف كيلومتر مربع، ولديها شعب يتجاوز تسعين مليون نسمة، وتاريخ عريق في المقاومة والصمود. ومع ذلك، ثمة خاسر ثالث في هذه المعادلة، أقل صخباً وأكثر تورطاً مما يُعترف به علناً: دول الخليج العربي

أولاً: لعبة التبرؤ بين واشنطن وتل أبيب

صرّح ترامب أنه مستعد لوقف الحرب حتى لو استمر إغلاق مضيق هرمز، وأن أمريكا كل مخططاتها في إيران وأنجزت ما سماه "تغيير النظام". لكن ما جرى ليس تغييراً للنظام بأي معنى حقيقي؛ فقتل قادة واستلام قادة آخرين من العقيدة ذاتها والمنظومة ذاتها ليس تحولاً جوهرياً، بل هو في أفضل أحواله هروب من الاستحقاق السياسي إلى وهم الإنجاز العسكري.

أما نتنياهو، فقد أعلن أن إسرائيل نفّذت هي الأخرى كل أهدافها، وأن ما تبقى هو شأن أمريكي بامتياز. ويبدو المشهد وكأن المُحرِّض ينسحب بعد أن أشعل النار ويترك الآخر يواجه لهيبها. هذا النمط ليس جديداً في السياسة الإسرائيلية: التحريض، والدفع نحو المواجهة، ثم الهروب من تبعاتها حين ترتفع الكلفة.

يجب أن يعرف الشعب الأمريكي والرأي العام العالمي هذه الحقيقة الصريحة: إسرائيل دفعت أمريكا إلى حرب لم تُحدد أهدافها بوضوح، وحين ارتفعت تكاليفها بدأت تتنصل منها. وترامب بدوره يرضخ لضغوط لوبي أيباك ويقدّم طاعته لنتنياهو على حساب مصالح بلاده، ويسقط معه حزبه الجمهوري في ورطة انتخابية قبل موسم التجديد النصفي.

ثانياً: دول الخليج.. الدعم اللوجستي الذي لا يُقال

لا يمكن لأحد أن يضع رأسه في الرمال أمام هذه الحقيقة: لولا الدعم اللوجستي الخليجي، لما استطاعت أمريكا وإسرائيل الوصول إلى إيران على الخرائط. انظر إلى الجغرافيا ببساطة: طائرات التزود بالوقود تحلّق فوق الأجواء السعودية، والطائرات الحربية تعبر الأجواء الأردنية والسعودية والكويتية لتصل إلى إيران. والقواعد العسكرية الأمريكية في الإمارات والبحرين وقطر والسعودية وفّرت البنية التحتية العملياتية لهذه الحرب.

إيران لم تضرب هذه الدول عبثاً؛ فما جرى كان رداً شرعياً على دعم لوجستي مباشر لعمليات عسكرية على أراضيها. من يُشارك في الحرب طرفٌ فيها، ولا تنفع المسافة الدبلوماسية حين تكون الأجواء والقواعد مفتوحة للمهاجم.

وإذا كانت بعض دول الخليج قد موّلت هذه الحرب مباشرةً أو قدّمت التسهيلات التي أتاحتها، فإن المنطق القانوني والأخلاقي يفرض أن تطالب إيران بتعويضات كاملة من هذه الدول. إيران تحتفظ بهذا الحق، ولن يمنعها منه نص ولا سابقة، لأنها الطرف الذي تُشن عليه الحرب بينما تتحول هذه الدول إلى ممرّات عملياتية مدفوعة الأجر.

ثالثاً: فاتورة 200 مليار.. من أين ستأتي؟

طلب البنتاغون الموافقة على تقديم طلب إلى الكونغرس بأكثر من مئتي مليار دولار لتمويل الحرب، في ظل تكلفة تتجاوز مليار دولار يومياً. ورغم أن ترامب وصفه بـ"ثمن زهيد"، فإن أعضاء جمهوريين في الكونغرس أبدوا قلقهم من حجم الإنفاق في حرب لم يُفصح عن نهايتها.

لكن المراقب الحصيف يعرف أن هذه الأرقام لن تبقى في خزانة الخزينة الأمريكية. ترامب لن يموّل حرباً مفتوحة من جيب دافع الضرائب الأمريكي وحده؛ فهو رجل يفهم الفواتير والإتاوات والصفقات. والدول الخليجية التي دفعت باتجاه هذه الحرب أو سهّلتها ستجد أن الفاتورة ستعود إليها مضاعفةً: مرة بوصفها "شركاء" في العملية العسكرية، ومرة بوصفها "مستفيدين" من تدمير النفوذ الإيراني.

هذا هو النمط المتكرر في العلاقة الأمريكية - الخليجية: واشنطن تحارب، والخليج يموّل، ثم تحاسب واشنطن الخليج مرة أخرى على حماية ما موّل. ومن يحسب أنه يشتري الأمن الأمريكي بصفقات الأسلحة والقواعد العسكرية، يجد أنه لا يشتري سوى فاتورة مفتوحة لا تعرف سقفاً.

رابعاً: الخاسر الأكبر

في نهاية هذا المشهد المأساوي، يمكن رسم صورة واضحة للخاسرين: إيران تعاني الدمار لكنها لم تنكسر، والشعب الأمريكي يدفع ثمن حرب لم يُستشر فيها، والحزب الجمهوري يتهاوى قبل الانتخابات النصفية، ونتنياهو يسرق الإنجاز دون أن يتحمل العبء. أما دول الخليج فهي الخاسر المُستتر الذي يظن أنه يكسب بتسهيل الحرب، غير مدرك أنه يحفر قبره الاستراتيجي بيديه.

لقد راهنت بعض هذه الدول على أن إسقاط النفوذ الإيراني سيوسّع هامش نفوذها الإقليمي. لكن الجغرافيا لا تكذب، والتاريخ لا يرحم: إيران دولة بحجم قارة وشعب بذاكرة طويلة. وما يُبنى على الحرب لا تُبنى عليه علاقات إقليمية مستدامة.

الكل لازم يدفع الثمن.
-------------------------------
بقلم: عز الدين الهواري

مقالات اخرى للكاتب

من يدفع فاتورة حرب ترامب والنتن ياهو؟