تحدثت في المقال السابق عما يمكن اعتباره سقوطا مدويا لحسابات العدو الصهيو أمريكي، في حربه على ايران. فمن حيث استهدف تدمير النظام والسلطة في ايران، عن طريق اغتيال المرشد العام ومعظم قادة الصف الأول في الجيش والحرس الثوري، اذا به يفاجأ بتماسك الدولة والمجتمع الإيرانيين وسرعة افرازهما لقيادات بديلة. ومن حيث استهدف تدمير البرنامجين: النووي والصاروخي، اذا به يفاجأ بتعاظم ودقة القوة النيرانية الإيرانية ولم ترد أية أنباء عن تضرر البرنامج النووي حتى الآن وبعد مضي شهر على بدء العدوان.
وكنت قد طرحت عدة أسباب لسقوط حسابات الحرب أجملتها في أربعة نقاط، ناقشت منها نقطتين في المقال السابق وهما:
أولا: خطيئة الاستهانة بالقوة الحضارية للخصم، المتمثلة في موروثه التاريخي والثقافي وعقيدته الروحية الكامنة.
ثانيا: خطيئة عدم الوعي بطبيعة النظام السياسي والجهل بقدرته على إعادة انتاج نفسه وانتاج سلاحه، وقدرته على تعويض خسائره.
وسوف أستكمل في هذا المقال النقطتين الباقيتين، وقد فصلتهما فيما يلي:
ثالثا: خطيئة عدم الوعي بطبيعة التكوين الأيديولوجي والنفسي لجنود وشعب الخصم.
لقد تصور ترامب ونتانياهو أن ما يمكن أن يصدر من استسلام قيادة أو شعب معين أمام مفهوم التفوق الأمريكي الكاسح، يمكن أن ينسحب على أي قيادة أو شعب آخر، بدون قراءة الفوارق الثقافية والاختلافات في التجربة التاريخية لكل شعب على حدة، وبخاصة فيما يتعلق بالشعب الإيراني. وتلك رؤية استشراقية، تنبع من تعميمات تنميطية، لا تهتم بالنظر في أي من هذه الفوارق، التي تتغاير بتغاير الخبرات والتجارب التاريخية للشعوب.
وفيما يتعلق بايران، على وجه التحديد، فان هذا البلد يمتلك، بكل تأكيد، نوعا من الخصوصية فيما يتعلق باستجابته لعوامل الردع والاخضاع، على مر تاريخه. حيث ترتكز قوته على عنصرين رئيسيين يجعلانه يقاتل حتى الموت. الأول: هو المتمثل في الثقافة الكربلائية. والثاني: هو ذهنية من يقاتل وظهره للحائط.
- "الثقافة الكربلائية":
وتعد، تلك الثقافة، قلب وجوهر البنية الأيديولوجية للتدين الشيعي، بعامة، وبالتالي، ينسحب الأمر على إيران. من حيث انتماء السلطة وغالبية الشعب الى هذا المذهب.
ويتمحور المذهب الشيعي، كما هو معلوم، حول فكرة التشيع (أي التأييد والانتماء) للامام على، كرم الله وجهه، وآل بيته. ومناصرة أحقيتهم في الامامة (الحكم والسلطة)، في مواجهة مغتصبيها منه ومن أبنائه، سواء أكان هؤلاء المغتصبون للسلطة من بني أمية أو ممن تلاهم من العباسيين وغيرهم. ولقد ارتبطت هذه الثقافة ب"موقعة كربلاء" التي حدثت يوم الجمعة، العاشر من محرم سنة 61 هجرية، وهو الموافق 12 أكتوبر سنة 680 ميلادية. وكربلاء هي المكان الذي وصل اليه الامام الحسين (ع) وأهل بيته، ليلتحق بمناصريه من أهل الكوفة، (وقد كانت عاصمة الخلافة ابان حكم الامام علي قبل قتله وانتقال العاصمة الى دمشق في عهد معاوية). بعد أن قام أهل الكوفة بمراسلته ودعوته للقدوم اليهم، واعدين إياه بمناصرته ومبايعته خليفة عليهم، بدلا من يزيد بن معاوية، الذي انتزع له أبوه (معاوية بن أبي سفيان) البيعة بحد السيف، في ذلك الوقت. وعندما قدم موكب الحسين لاقاه جيش عبيد الله بن زياد والي الكوفة الموالي ليزيد، بقيادة عمر بن سعد بن أبي وقاص. حيث نكص أهل الكوفة عن مناصرة الحسين خوفا ورعبا، ومن ثم، نكل جيش يزيد بالحسين وآل بيته في مذبحة وحشية كبرى، قتل فيها الحسين وجزء كبير من أبنائه وتم سبي نساء آل البيت النبوي. ولقد بقيت تلك المذبحة تمثل جرحا غائرا في الوعي الديني الإسلامي، بمختلف مذاهبه، حتى اليوم.
ومن هنا، تكونت تلك "الثقافة الكربلائية" على عاطفتي: "الندم" و"الحزن":
أما الندم، فهو ذلك المتمثل في جلد الذات (معنويا وماديا، معا) على عدم نصرة الحسين، في محاولة للتطهر من الذنب ودفع ثمنه ألما. وأما الحزن، فهو ذلك الاشفاق، المتمثل في سكب الدموع ولبس الأسود، حدادا على ما حاق بالحسين وآل بيته، من بشاعات، بينما كان يليق بهم التكريم.
ولذلك تقام في ذكرى هذاالحدث الجلل، من كل عام، مواكب الندم والحزن الكربلائية التي تجوب شوارع ومدن الشيعة.
ولقد ارتكزت عاطفتا "الندم" و"الحزن"، بدورهما، على أسس ثلاثة:
الأول: أخلاقي، يتمثل في التمسك بالمبدأ، والوقوف بجانب الحق والمطالبة بالعدل، مهما كانت التبعات.
والثاني: عقيدي، يتمثل، يتمثل في استرخاص الموت، وتمجيده، واعتباره نوعا من التكفير والتكريم، في آن.
والثالث: مسلكي، يتمثل في التخلي عن جزء من الثروة ونعم الحياة، في مقابل الميل الى التقشف والقسوة على النفس.
ولذلك أضحت الثقافة الكربلائية، بجوهرها، ثقافة استشهادية، تتعدى عدم المبالاة بالموت، الى السعي طلبا له. فأصبحت بمثابة الروح الخفية المبثوثة في وجدان هذه الملايين، تحركهم وتوجه حركتهم. وتحول نمط حياتهم الى نوع من "الجهاد" المقدس.
- القتال من أجل البقاء:
لقد أضحت ايران، منذ انتصار الثورة الخومينية على يقين تام بأنها تقع في موضع الاستهداف، من قبل قوى الغرب الامبريالي وقوى الصهيونية، في الآن نفسه. ولقد تبدى ذلك بجلاء في الحصار الشامل، الذي أطبق على الجمهورية الإسلامية منذ انتصار ثورتها عام 1979. وما تلاه من تشجيع العراق وتمويله، في عهد صدام حسين، ليشن الحرب على ايران، التي استمرت لثماني سنوات. ومن بعد ذلك في حرب الاثني عشر يوما في يونيو الماضي، وأخيرا تلك الحرب الحالية، فضلا عما تخلل ذلك التاريخ من الاستفزازات التي لا تتوقف، والاغتيالات المتوالية لقادة عسكريين، وعلماء، وسياسيين. حتى بلغت تلك الاغتيالات حد اغتيال رئيس الدولة إبراهيم رئيسي في 19 مايو عام 2024. وكانت ذروتها متمثلة في اغتيال المرشد العام لإيران، علي خامنئي، ومعه عدد كبير من كبار القادة العسكريين في الجيش والحرس الثوري.
وفي أي من كل تلك الحروب والاغتيالات، لم تكن إيران هي المبادرة، بل كانت هي التي يقع عليها العدوان. على الرغم من إبدائها كل أشكال المرونة السياسية والاستعداد للتفاهم والتفاوض. لذلك وصل الإيرانيون إلى يقين مؤداه أن البديل الوحيد أمامهم هو الصمود والمواجهة، وإلا فان مصيرهم هو الفناء والقضاء المبرم على وجودهم. ليس فقط وجودهم السياسي، كنظام للحكم، بل وجود وكيان الدولة الإيرانية، بحد ذاته.
لذلك توصل الخطاب السياسي الإيراني إلى صياغة مؤداها أن المعادلة التي تحكم علاقته بالغرب والكيان الصهيوني إنما هي "معادلة صفرية"، لا مكان فيها لأنصاف الحلول، فإما النصر والصمود مهما كانت التضحيات، وإما الفناء. وأضحت الذهنية الحاكمة عند الإيرانيين منحصرة في وضعية "القتال من أجل البقاء".
رابعا: عدم حساب طبيعة القوى التي يهمها هزيمة العدوان، ويمكنها تقديم الدعم والمساعدة لإيران
لا يمكن التكهن بمقدار وعي صانع القرار الأمريكي والصهيوني من أن هناك قوى عالمية تتمنى تورطهما في صراع دموي وطويل مع إيران. وربما ضعف ردود الأفعال على ما قام به ترامب نجاه فنزويلا هو ما جعله يقلل من توقعه لحجم الدعم الذي يمكن أن يقدمه أصدقاؤها. ولكن واقع الحال أن تلك الحرب جاءت على هوى كثير من القوى العالمية، على رأسها الصين، وروسيا، وكوريا الشمالية، وربما بعض دول أوربا من الأعضاء في حلف الناتو نفسه. وكل هذه القوى يهمها إنهاك وإضعاف الولايات المتحدة، وإجبارها على التخلي عن أطماعها التي لا تقف عند حد، خاصة أن رئيسها يقوم بالإفصاح يوميا عن رغبته في السيطرة المطلقة على كل بلدان العالم والاستيلاء الكامل على ثرواتها. فضلا عن عجرفة هذا الرئيس وفريقه في التعامل مع زعماء العالم، والإعراب الدائم عن أطماعهم في السيطرة بالقوة العارية على العالم. على نحو يجافي كل الأعراف وقواعد البروتوكول والقوانين الدولية. فأعداء الولايات المتحدة صاروا يمثلون معظم سكان العالم، بالمعنى الحرفي للكلمة.
بيد أن الخصمين الأكثر أهمية يتمثلان في كل من الصين وروسيا. وكلاهما يعلم أنه هو المستهدف الضمني من الحرب على إيران. أما الصين فهي على وعي وثقة تامين من أن معظم النشاطات السياسية والعسكرية التي يقوم بها الأمريكان، انما يقصدون منها محاولة حصار الصين وخنق اقتصادها، بغية إيقاف نموها المطرد على نحو يرون فيه تهديدا لعرش الصدارة والهيمنة الأمريكية على العالم. سواء أكان ذلك متمثلا فيما حدث مع بنما من إجبارها على التخلص من الحصة الصينية في قناة بنما، أو ما تم في فنزويلا، من اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، وما تبعه من هيمنة على النفط الفنزويلي. أو حصار كوبا والتهديد بابتلاعها. أو حتى ما جاء بالتصريح اللفظي المباشر عندما قال ترامب بأن "على أمريكا أن تحصل على جزيرة جرينلاند حتى لا تستولي عليها الصين أو روسيا". وانتهاء بالحرب على ايران، والتي تهدف إلى الهيمنة على سوق النفط العالمي، بما يجعلها قادرة على التحكم في أسعاره، وبالتالي التحكم في تدفقه إلى المصانع الصينية.
وكذلك السعي الأمريكي إلى إحكام السيطرة على الممرات الملاحية التجارية، وبخاصة مضيق هرمز في تلك الحالة، بما يمكنها من السيطرة على حركة التجارة الصينية وعرقلة سبل تدفقها على الصعيد العالمي. إلى جانب الوضع في الاعتبار أن الولايات المتحدة تعد الداعم الأكبر لتايوان والمانع الرئيسي لطموح الصين في ضمها إلى الوطن الصيني الأم.
ولذلك جاء هذه الحرب على إيران لتصبح فرصة كبيرة بالنسبة للصينيين لكي يلجموا هذه العدوانية الأمريكية ويهزموا عنفوانها العسكري والسياسي على الصعيد العالمي، عن طريق إغداق الصين بالمساعدات التسليحية لإيران، كما وكيفا، وعلى مستوى المعلومات الاستخباراتية.
أما بالنسبة لروسيا فان ثأرها مع الولايات المتحدة قديم ومتأصل منذ سنوات الحرب الباردة، ودور الغرب في تفكيك الاتحاد السوفيتي، الذي اعتبره الرئيس الروسي فلاديمير بوتين "أكبر كوارث القرن العشرين"، في تصريح مشهور له. كما أن أمريكا والغرب هما اللذان حرضا أوكرانيا على استقبال الصواريخ الدفاعية لحلف شمال الأطلنطي "ناتو" إلى الحدود الروسية. وقاما بالتلويح بضمها إلى هذا الحلف. بما يهدد، في الصميم، الأمن القومي الروسي. كما أن الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة، هو الذي يعمل على قلقلة الأوضاع في دول آسيا الوسطى التي تعد الخاصرة الرخوة للاتحاد الروسي ومجاله الحيوي، فيما يتعلق باستراتيجيته الدفاعية. ولقد رأينا ذلك في الأحداث التي جرت في كل من: جورجيا، والشيشان، وأذربيجان، وأرمينيا، وكازاخستان. وكلها شهدت تحركات غربية تهدد النفوذ الروسي هناك.
وبدرجة أقل، يمكن إضافة كوريا الشمالية إلى المعسكر الروسي الصيني، حيث تتخذ كوريا الشمالية من أمريكا عدوها الأكبر والمهدد الأول لبقائها.
لكل ذلك تلقف هؤلاء الخصوم مبادرة أمريكا والكيان الصهيوني بالهجوم على ايران ليقدموا مختلف ألوان الدعم لتقوية صمودها وإبعادها عن شبح الهزيمة والاستسلام. ولقد تبدى أثر هذا الدعم بقوة ملموسة في هذه الحرب، قياسا على ما جرى في حرب العام الماضي، من خلال ما لاحظه المراقبون من دقة تصويب الصواريخ الإيرانية، ومقدار فاعليتها التدميرية، وتنوع بنك أهدافها.. الخ. وهو ما جعل إيران أكثر إيلاما لأعدائها عن ذي قبل.
وفي النهاية يبقى سؤال مهم أراه يلوح في ذهن كل قارئ لهذا التحليل: ألا وهو ما سر هذا الإخفاق في حسابات العدو الصهيو أمريكي؟؟
والإجابة، كما أراها، قد تكمن في تعجل قوى العدوان بالهجوم على إيران لاجهاض ما يتصورونه وصولا وشيكا لصناعة سلاح نووي، يريانه مهددا لكل مشاريعهما السابق الإشارة اليها. وقد يكون السبب متمثلا في الخضوع إلى نبوءات توراتية دينية مرتبطة بالديانة اليهودية والمسيحية الصهيونية التي تعمل من أجل القضاء على إيران وبناء الهيكل، تمهيدا لظهور السيد المسيح.. الخ. وقد تكمن الإجابة في طبيعة الشخصية النرجسية للرئيس ترامب ورغبته في استكمال أمجاده الوقحة بتحقيق انتصارات إضافية يباهي بها الجمهور الأمريكي، كما وعده بجعل أمريكا عظيمة مجددا. وقد يكون السبب ناتجا عن سيطرة معينة للوبي اليهودي على شخص ترامب.. الخ.
لكن الحديث عن ذلك يتطلب مقالا آخر.
-----------------------------------
بقلم: د. صلاح السروي






