31 - 03 - 2026

إيران تنتصر بعقيدة غزوة بدر الكبرى

إيران تنتصر بعقيدة غزوة بدر الكبرى

ليست كل الحروب تُحسم بالسلاح، ولا كل المعارك تُقاس بنتائجها المباشرة. هناك حروب تُدار بالعقيدة قبل العتاد، وبالنَّفَس الطويل قبل الضربة القاضية. ومن يتأمل المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يدرك أننا أمام نموذج معقد لصراع لا يُحسم بسهولة، بل يُدار بعقل تاريخي وروح تعبئة شاملة تشبه - في رمزيتها - عقيدة “غزوة بدر الكبرى”، حيث يتحول الإيمان بالقضية إلى سلاح موازٍ للتكنولوجيا.

أول ما يلفت النظر في هذه المواجهة هو التحول التكنولوجي الذي لم يعد حكرًا على الغرب. دخول الصين على خط دعم إيران، خاصة عبر نظام الملاحة “بايدو”، غيّر قواعد اللعبة. فبينما كان تعطيل نظام GPS يمثل نقطة ضعف قاتلة للصواريخ الإيرانية، أصبح هذا القيد بلا تأثير يُذكر. فجأة، صارت الضربات أكثر دقة، والمسيرات أكثر فاعلية، وكأن إيران نقلت المعركة من طور الدفاع التقني إلى الهجوم الذكي. هذه النقلة لم تكن مجرد تطوير عسكري، بل إعلانًا ضمنيًا بأن ميزان التكنولوجيا لم يعد أحادي القطب.

لكن التكنولوجيا وحدها لا تفسر الصمود الإيراني. فالعامل النفسي هنا يلعب دورًا حاسمًا. إيران تدخل المعركة بروح انتقامية مشحونة، بعد اغتيال رمز ديني يتجاوز تأثيره السياسة إلى عمق الهوية. هذا النوع من الصدمات لا يُضعف الشعوب، بل يعيد تشكيلها في صورة أكثر صلابة. حين تختفي حسابات الربح والخسارة، وتُستبدل برغبة جامحة في “الرد”، تصبح المعركة مفتوحة على كل الاحتمالات. وهنا يقع الخطأ الاستراتيجي لخصوم إيران، الذين يظنون أن الضغط العسكري وحده كفيل بإجبارها على التراجع.

أما على مستوى التكتيك، فإيران لا تخوض حربًا عشوائية، بل تعتمد أساليب متجذرة في تاريخها. الاستنزاف هو عنوانها الأول: ضربات متقطعة، طويلة الأمد، تُرهق العدو نفسيًا قبل أن تُضعفه ميدانيًا. بالتوازي، تعمل على قطع خطوط الإمداد، وهو تكتيك أثبت فعاليته منذ حربها مع العراق، بل وقبل ذلك في صراعاتها مع العثمانيين. إنها لا تستهدف الجيوش فقط، بل البنية التي تُبقي هذه الجيوش قادرة على القتال.

ثم يأتي تكتيك الإخلاء والاستنزاف، الذي يبدو للوهلة الأولى تراجعًا، لكنه في الحقيقة إعادة تموضع ذكية. إخلاء المدن المستهدفة - مثل طهران - لا يعني الهزيمة، بل تحويلها إلى مصيدة تُستنزف فيها ذخيرة العدو دون مقابل حقيقي. وفي الوقت نفسه، تُوجَّه الضربات إلى عمق الخصم، حيث التأثير الأكبر. إنها إدارة دقيقة للموارد، تُظهر فهمًا عميقًا لفكرة “الضربة في موضعها”.

ولا يمكن إغفال سلاح التجويع، ذلك التكتيك القديم الذي يعود إلى الإمبراطوريات الفارسية. قطع الغذاء والإمدادات عن الخصم ليس مجرد ضغط لوجستي، بل وسيلة لكسر إرادته. ومع امتداد السواحل الإيرانية وتعقيد جغرافيتها، يصبح فرض حصار كامل عليها أمرًا شبه مستحيل. الأرض هنا ليست مجرد ساحة حرب، بل حليف استراتيجي يُصعّب أي محاولة للسيطرة.

ختامًا، من يظن أن هذه المواجهة يمكن حسمها سريعًا، يخطئ قراءة التاريخ والجغرافيا معًا. إيران لا تقاتل كدولة فقط، بل كفكرة متجذرة في الوعي الجمعي لشعبها. ومع توافر لحظة تاريخية ترى فيها فرصة لتعويض سنوات الحصار، فإنها لن تتراجع بسهولة. إنها معركة إرادات، وفي مثل هذه المعارك، لا ينتصر من يملك القوة الأكبر فقط، بل من يملك القدرة على الصمود الأطول.
----------------------------
بقلم: إبراهيم خالد

مقالات اخرى للكاتب

إيران تنتصر بعقيدة غزوة بدر الكبرى