30 - 03 - 2026

نظرية جديدة لباحثة عراقية مسجّلة في كندا: الزمن بوصفه انشطارًا

نظرية جديدة لباحثة عراقية مسجّلة في كندا: الزمن بوصفه انشطارًا

جرحُ الوجود: قراءة في "الازدواج الأنطولوجي للزمن"

صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت كتاب "الازدواج الأنطولوجي للزمن – مقاربات فلسفية وجمالية" للكاتبة العراقية لهيب عبدالخالق، في 240 صفحة من القطع الكبير، مقدّمًا مشروعًا فكريًا يسعى إلى إعادة النظر في مفهوم الزمن من جذوره، لا بوصفه إشكالًا في القياس أو التمثيل، بل بوصفه بنيةً أنطولوجية تتصل بأصل الوجود نفسه.

يقوم الكتاب على فرضية مركزية ترى أن الانشطار أصل الوجود وقانونه الأساسي، وأن ما نسمّيه زمنًا ليس امتدادًا خطيًا ولا عودةً دائرية، بل شبكة من الانشطارات تتولّد من لحظة أولى يمكن مقاربتها بوصفها لحظة "الفتق"؛ تلك اللحظة التي لا تبدأ فيها الأشياء فحسب، بل يبدأ معها الزمن ذاته بوصفه أثرًا لانقسامٍ تأسيسيّ. ومن هذا المنظور، لا تولد اللحظة وحدةً مكتملة، بل تنشأ مزدوجة، يتجاور فيها "الظاهر" و"الظلّي"، ويتشكّل بينهما "البرزخ" بوصفه المجال الذي يصل ويفصل في آنٍ واحد.

في هذا الإطار، يقدّم الكتاب اشتباكًا معرفيًا مع أبرز التصورات الفلسفية للزمن، من هيرقليطس إلى برغسون وهايدغر، لا ليضيف إليها تفسيرًا آخر، بل ليقترح انتقالًا في مستوى الفهم ذاته: من التفكير في الزمن كامتداد، إلى التفكير فيه كبنية منشطرة تعمل في عمق الكينونة. كما يفتح حوارًا مع بعض التصورات العلمية المعاصرة، لا بوصفها مرجعية مباشرة، بل بوصفها أفقًا يلتقي عند فكرة أن الواقع لا يُختزل في بعدٍ واحد، وأن ما يظهر ليس إلا أحد وجوه بنية أكثر تعقيدًا.

ولا تقف هذه الرؤية عند حدود التنظير، بل تمتد إلى جذورها الميثولوجية، حيث يظهر الانشطار بوصفه وعيًا بدئيًا بالتكوين. ففي ميثولوجيا وادي الرافدين، كما تتجلّى في نصوص "إينوما إيليش"، لا ينبثق العالم من وحدةٍ صافية، بل من فعل شطرٍ تأسيسي، حيث تُشطَر تيامات ليُعاد ترتيب الكون، فيما يكشف حضور نَمّو وأبسو عن أصلٍ مائيٍّ أوليٍّ ينفتح عبر الانفصال لا عبر الاكتمال. وفي الأسطورة المصرية، يتجلّى هذا الوعي نفسه في مصير أوزوريس، الذي لا يُمحى بتقطيعه، بل يعاد حضوره عبر هذا الانقسام، بما يجعل الفقد نفسه شرطًا للعودة في صورة أخرى. 

أما في الموروث الإغريقي، ولا سيما في "الباخيات"، فإن الانشطار لا يظهر في بنية الخلق فحسب، بل في وعي الإنسان ذاته، حيث تنقسم الذات بين عقلها وانجذابها إلى قوى أعمق، فتغدو التجربة انكشافًا لبنية مزدوجة لا تستقر. وعلى امتداد هذه التصورات، يتردد في الموروث الديني والفكري أثر هذا الانقسام بوصفه لحظة تأسيس، لا حادثة عارضة، بحيث لا تُقرأ هذه الصور كأساطير سردية، بل كتجلّيات لذاكرةٍ أولى أدركت أن الوجود لا ينفتح على تعدده إلا عبر انشطاره.

ويجد هذا التصور امتداده في الحقول الإبداعية، حيث يقدّم الكتاب تطبيقات على الأدب والفن والمسرح. ففي أعمال دوستويفسكي مثلا، يتجلّى الزمن بوصفه توترًا داخليًا بين مستويات متزامنة من الوعي، كما يظهر في الشعر العربي الحديث، كما عند بدر شاكر السياب ، بوصفه ذاكرة ظلّية تتجاوز حدود المكان الواقعي نحو امتدادٍ موازٍ. 

وفي هذا السياق، تتيح النظرية مقاربة مختلفة لبنية الزمن داخل العمل الإبداعي، لا بوصفه تعاقبًا للأحداث، بل كتداخلٍ بين مستويات زمنية متزامنة. ففي أعمال نجيب محفوظ، لا يتقدّم السرد وفق خطٍّ واحد، بل ينكشف على طبقات من الحضور تتجاور فيها الأزمنة داخل الوعي والشخصية، بحيث يغدو الماضي امتدادًا حيًا داخل اللحظة لا مجرد أثرٍ منقطع. وفي مسرح سعدالله ونوس، لا يتحرّك الزمن نحو نهايةٍ مغلقة، بل يتشظّى داخل الحدث، حيث يتجاور الواقعي مع الممكن، والتاريخي مع المتخيَّل، في بنية تكشف توترًا دائمًا بين ما يظهر وما يتوارى. وبهذا، لا يصبح الإبداع تمثيلًا لزمنٍ سابق، بل إعادة تشكيلٍ له من داخل انشطاره، حيث تُقرأ النصوص بوصفها فضاءات برزخية يتكشّف فيها الزمن في أكثر من مستوى في آنٍ واحد.

ولا تقف هذه المقاربة عند حدود القراءة التأملية، بل تمتد إلى بناء أدوات تحليلية تُمكّن من تفكيك الزمن داخل النص. ويقترح الكتاب "مصفوفة قرائية" تعمل على تتبّع لحظة الانشطار، ورصد تشكّل البرزخ، وكشف العلاقة بين الظاهر وامتداده الظلّي داخل البنية السردية أو الشعرية. ومن خلال هذه الآلية، لا يُنظر إلى النص بوصفه بنيةً لغويةً مكتملة، بل كحقلٍ ديناميكي تتداخل فيه الأزمنة وتتقاطع، بما يتيح قراءة تتجاوز السطح إلى ما يعمل في عمق التجربة. وهنا تتحوّل النظرية من أفقٍ مفهومي إلى منهجٍ إجرائي، يمنح النقد أداة لرصد ما يفلت عادةً من التفسير التقليدي.

يمثّل هذا العمل خلاصة مشروع فكري امتد لأكثر من أربعة عقود، وقد تُوّج ذلك بتسجيل النظرية رسميًا في كندا لدى إدارة البراءات والملكية الفكرية (CIPO)، بعنوان: "الازدواج الأنطولوجي للزمن – البرزخ الزمني والكون الموازي"، في خطوة تؤكد طابعها التأسيسي ضمن الحقل الفلسفي المعاصر.

بهذا المعنى، لا يقدّم الكتاب نظرية في الزمن فحسب، بل يقترح أفقًا للتفكير، حيث لا يعود الزمن ما يُقاس أو يُعاش فقط، بل ما ينشطر في عمق اللحظة، ليكشف أن الوجود نفسه لا يقوم على وحدةٍ صافية، بل على ذلك الجرح الأول الذي منه يتولّد كلّ شيء.

وتُعدّ لهيب عبدالخالق كاتبةً وباحثةً وشاعرةً عراقيةً مقيمةً في كندا، صدر لها ثمانية كتب، منها ست مجموعات شعرية وكتابان في الشأن السياسي، فضلًا عن نحو 400 بحثٍ ومقالٍ منشور في مجالات الأدب والفكر والسياسة.