31 - 03 - 2026

"تكلم حتى أراك"

حكمة شهيرة منسوبة للفيلسوف اليوناني سقراط، تعني أن جوهر الإنسان وحقيقته تظهران من خلال كلامه ومنطقه لا من شكله ومظهره.

كتير من الناس يظلون محتفظين بصورة ذهنية متألقة طالما التزموا الصمت وقلة الكلام، لكنهم حين يتكلمون يخسرون الكثير من مزاياهم التى منحهم إياها الصمت دون تدخل منهم.

وربما أكثر الناس الذين يجب أن يكون كلامهم بحساب وفى حدود معينة هم الرؤساء والوزراء.

ويعد الرئيس الأمريكي ترامب نموذجا فجا لهذا المثل (تكلم حتى أراك) فقد رأيناه جميعا وأدركنا مستوى تفكيره وذكائه، وهو لديه قدرة غريبة على الكلام لساعات وساعات دون تعب أو خجل مما يقول، سواء كان حديثه عن رغبته فى الاستيلاء على دولة ما أو جزيرة ما ، أو التفاخر بسرقة وابتزاز  دولة أخرى. وهو بالتأكيد سيجنى ثمار ما يقول فيما بعد وسيكتب عنه التاريخ مالم يقله عن غيره من الرؤساء كأكثر رئيس يلقى بأكاذيب يومية على مسامع العالم ، فقد سجلت تقارير إحصائية نشرتها صحيفة "واشنطن بوست"، أن دونالد ترامب أدلى بـ 30,573 ادعاءً كاذباً أو مضللاً خلال فترة ولايته الأولى التي استمرت أربع سنوات. واستمر على هذا النهج خلال الفترة التى قضاها فى ولايته الثانية وربما بعد نهايتها يتضح للجميع أن أكاذيبه تضاعفت وكانت عبئا خطيرا على مؤسسات الدولة ومهددا لها ولسلامتها، وعبثا مهينا بصورتها أمام العالم.

والساسة ليسوا كالصحفيين ولا الإعلاميين وظيفتهم الكلام ، لذلك جعلوا لكل جهة أو مؤسسة متحدثا رسميا باسمها يكتب الكلمة قبل أن يتفوه بها، ويزن الكلمة قبل أن يلقى بها على مسامع الناس، وهو مدرب بشكل جيد للتعامل مع الصحفيين ومواجهة انتشار الشائعات والأخبار الكاذبة التي قد تمس الأمن القومي، وهو أمر قد لا يجيده الوزير أو المسئول.

والمتحدث الرسمي وظيفة قديمة وراسخة في الدول الغربية، حيث ارتبطت بتطور العلاقات العامة والاتصال السياسي في أوائل القرن العشرين، لكنها وظيفة مستحدثة فى الدول العربية، وربما بدأ استحداثها بالوزارات والجهات الحكومية المصرية عقب ثورة يناير 2011 ،  لمواجهة الشائعات وتوحيد الخطاب الإعلامى لمؤسسات الدولة خلال تلك الفترة التى تزامنت مع انتشار واسع لوسائل التواصل الاجتماعي وما صاحبها من فوضى إعلامية شكلت خطورة على بنيان المجتمع ومؤسساته.

والمتحدث الرسمي ليست وظيفة شكلية ولا "كمالة عدد" للوجاهة المؤسسية، لكنها وظيفة هامة تحمى المسئول من الانزلاق فى مكامن الخطر، أو تصيد الأخطاء الحوارية، وتحفظ له هيبته ومكانته وتحمى المجتمع من كثرة القيل والقال وفقدان الثقة فى تصريحاته.

وهنا تجدر الإشارة إلى ضرورة التفرقة بين المستشار الإعلامى والمتحدث الرسمي، فالأول يخطط ويوجه، ويصوغ الرسائل الإعلامية من خلف الكواليس ومهمته الحفاظ على الصورة الذهنية للمؤسسة أو الجهة، وتقديم المشورة الإعلامية للمسؤولين، والتخطيط للحملات الإعلامية، وأثناء أدائه لدوره يركز  على أمرين هامين "كيف ومتى نتكلم؟" ، أما الثانى فدوره الرئيسى توصيل رسالة محددة أمام الكاميرات، فهو يمثل المؤسسة أو الجهة ويعبر عن صوتها الرسمي، سواء بإلقاء البيانات، أو الرد على استفسارات الصحفيين، أو الدفاع عن قرارات المؤسسة، وإدارة الأزمات في الإعلام، وكل تركيزه ينصب على أمر واحد هو  "ماذا نقول الآن؟"

وفى الحقيقة نحن فى حاجة إلى عودة المسؤولين إلى مرحلة ما قبل الفوضى الإعلامية، التى لم نكن نرى فيها مسؤولا يظهر فى برامج التوك شو بأحاديث مرتجلة، وتتم مساءلته علنا على كل الشاشات، بل كان يتم ترتيب لقاء صحفى أو تليفزيونى محترم يحفظ للمسؤول هيبته واحترامه ويبعده عن زلات اللسان التى قد يقع فيها فى برامج الهواء.

ويحضرنى فى هذا المقال الفنان عادل إمام الذى كان يمتلك ذكاء إعلاميا فطريا، فكان يؤمن بأن كثرة الظهور الإعلامي قد تحرق نجومية الفنان وتُفقد الجمهور الشغف لمتابعة أعماله، لذلك كان نادر الظهور فى البرامج وعلى الشاشات وكان ظهوره مقننا ومدروسا فاحتفظ بنجاحه وبريقه الفنى حتى الآن.

أخيرا أهمس فى أذن ساستنا المحترمين بضرورة الاعتماد على المتحدث الرسمي فى توصيل الرسائل السياسية، وعدم الظهور فى برامج التوك شو أو اللقاءات التليفزيونية إلا تلك التى تم الإعداد لها مسبقا وبشكل لائق ومحترم يكفيهم شر زلات اللسان، فكثير منهم قبل أن يتكلم كان يحتفظ بكاريزما مبهرة شيمتها الصمت، ثم زالت هذه الكاريزما بعد أن تكلم وارتجل الحديث وأصبح ضيفا دائما على برامج التوك شو.
-----------------------------
بقلم: سحر عبدالرحيم

مقالات اخرى للكاتب