27 - 03 - 2026

قانون "حقوق المسنين" في مهب الروتين.. لماذا تتأخر الحكومة في تنفيذ توجيهات الرئيس؟

قانون

رغم مرور أشهر طويلة على صدور القانون رقم 19 لسنة 2024 بشأن رعاية حقوق المسنين، لا يزال نحو 10 ملايين مواطن مصري من كبار السن ينتظرون "الفرج الإداري" المتمثل في صدور اللائحة التنفيذية. هذا التأخير يثير علامات استفهام كبرى، خاصة وأن القانون لم يخرج إلى النور إلا بعد توجيهات متكررة من الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي وضع ملف الحماية الاجتماعية وتحسين جودة حياة كبار السن على رأس أولويات الأجندة الوطنية.

بين الإرادة السياسية والبطء التنفيذي

لقد عكس إصرار القيادة السياسية على خروج هذا التشريع إدراكاً عميقاً لقدر هؤلاء الذين أفنوا أعمارهم في بناء الوطن. ولكن، يبدو أن هناك هوة واسعة بين "الإرادة السياسية" الناجزة وبين "الأداء التنفيذي" المترهل. فكيف يمكن تفسير صمت الحكومة أمام ثلاثة طلبات إحاطة تقدم بها النائب الدكتور فريدى البياضي منذ مطلع عام 2024، للمطالبة بسرعة إصدار اللائحة التنفيذية؟ إن تجاهل المساءلة البرلمانية في ملف يمس حياة الملايين ليس مجرد تقصير إداري، بل هو تعطيل لقطار الحماية الاجتماعية الذي يقوده رئيس الدولة بنفسه.

فقرة قانونية: مفارقة "السرعات المتفاوتة" في التشريع

إذا ما عقدنا مقارنة قانونية بسيطة، سنجد أن الحكومة تمتلك القدرة على إصدار اللوائح التنفيذية لبعض القوانين الاقتصادية أو الضريبية في غضون أسابيع قليلة تحت ذريعة "جذب الاستثمار" أو "تحصيل الموارد". فلماذا تتحول السرعة إلى سلحفاة عندما يتعلق الأمر بقانون "اجتماعي" يمس كرامة الإنسان وصحته؟

قانونياً، المادة (2) من مواد إصدار القانون رقم 19 لسنة 2024 ألزمت رئيس مجلس الوزراء بإصدار اللائحة التنفيذية خلال ستة أشهر من تاريخ العمل به. وبتجاوز هذا الموعد، نكون أمام "مخالفة صريحة" لروح النص التشريعي، مما يجعل حقوق المسنين معطلة قانوناً بحكم الأمر الواقع.

المطالب الفورية.. حقوق لا منح

إننا نضع أمام السيد رئيس مجلس الوزراء والوزارات المعنية قائمة مطالب عاجلة، هي في الأصل جوهر القانون الذي لم يُطبق بعد:

- الإصدار الفوري للائحة التنفيذية: لإنهاء حالة الجمود القانوني وتمكين المسنين من المطالبة بحقوقهم أمام القضاء والجهات الإدارية.

- تفعيل "كارت الخدمات الموحد": ليكون بمثابة الهوية الرقمية التي تمنح المسن مزايا الإعفاء من نسب من رسوم المواصلات، وتيسير الإجراءات في المصالح الحكومية والمستشفيات.

- صرف الدعم النقدي لغير المشمولين بالتأمينات: تفعيل نص المادة التي تضمن معاشاً استثنائياً أو دعماً نقدياً عاجلاً لمن لا يملكون دخلاً ثابتاً، لمواجهة موجات الغلاء الطاحنة.

- آلية رقابة صارمة: إنشاء الخط الساخن ومنظومة الرقابة على دور الرعاية لضمان عدم تعرض أي مسن للإهمال أو سوء المعاملة.

كرامة المسن.. اختبار العدالة

إن كرامة كبار السن ليست ملفاً ثانوياً يمكن إرجاؤه لحين ميسرة، بل هي الاختبار الحقيقي لمدى إنسانية المجتمع وعدالة قوانينه. إن الاستمرار في سياسة "التسويف" لا يضر فقط بجمهور المسنين، بل يزعزع الثقة في قدرة الأجهزة التنفيذية على مواكبة سرعة التشريع وتطلعات القيادة السياسية.

نقولها بوضوح: لقد انتهى وقت الدراسات والمشاورات.. كبار السن في مصر لا يطلبون المستحيل، بل يطالبون بدولة القانون التي تحترم وعودها وتنفذ تشريعاتها. الوقت يمر، وأعمار هؤلاء لا تحتمل مزيداً من الانتظار.
---------------------------------
بقلم: كامل السيد
* خبير التأمينات الاجتماعية والمعاشات


مقالات اخرى للكاتب

قانون