27 - 03 - 2026

حكايات البيت الكبير (1) عتبات الغريب.. من "ببلاو" إلى "الحلمية"

حكايات البيت الكبير (1) عتبات الغريب.. من

لم أعرف يومًا متى بدأ السكن في ذلك البيت الكبير، ولا كيف صارت له هذه الهيبة التي تسكن ذاكرتي حتى الآن. كل ما أعرفه أنني وُلدتُ فوجدته قائمًا، مكتملًا بنا، مزدحمًا بالحياة، كأنه لم يُبنَ إلا ليحتوينا جميعًا. لم يكن بيتًا عاديًا؛ كان عالمًا كاملًا، نعيش فيه نحن: أبي وأمي وإخوتي، واثنان من أعمامي وزوجاتهم وأبناؤهم، وجدي وجدتي، اللذان كانا بمثابة القلب الذي ينبض في جسد هذا الكيان الكبير.

كنا نعيش تحت سقف  منزل واحد، لا تفصلنا جدران بقدر ما تجمعنا حكاية ممتدة، حكاية لم تبدأ في القاهرة، بل في قرية بعيدة في صعيد مصر، اسمها "ببلاو"، التابعة لمركز ديروط بمحافظة أسيوط. هناك، في عشرينيات القرن الماضي، اتخذ جدي قرارًا لم يكن سهلًا على الإطلاق: أن يترك كل شيء ويرحل. لم يكن رحيله هروبًا، بل كان اختيارًا حاسمًا، كمن يطوي صفحة كاملة من حياته دون تردد. ترك منزله في القرية لأحد الفقراء دون أن يتقاضى منه شيئًا، وكأنه كان يتخفف من الدنيا قبل أن يبدأ رحلة جديدة، ثم باع أرضه الزراعية، وباعت جدتي ما تملك من إرثها، ووضعا معًا كل ما لديهما في كفة الأمل، وقررا أن يبدآ من جديد.

ولم تكن جدتي مجرد زوجة تسير خلف زوجها، بل كانت شريكته الحقيقية في كل ما جرى. تنتمي إلى عائلة من رجال العلم الشرعي، نشأت على الفهم والصبر واليقين، فكانت خير سند لجدي، وخير صاحب في رحلة لم تكن سهلة أبدًا. تحملت معه أعباء الانتقال من مكان إلى آخر، ومن حياة إلى أخرى، دون شكوى. كان جدي، بطبيعته الحادة وسرعة انفعاله، قد يتخذ قرار الرحيل فجأة نتيجة موقف عابر أو خلاف في الرأي، فتكون النتيجة ترك مكان بأكمله والبدء من جديد، لكن جدتي كانت دائمًا هناك، مطيعة، ثابتة، تضع بين يديه كل ما تملك، بما في ذلك إرثها، وتمضي معه حيث يمضي، وكأنها تؤمن أن الاستقرار الحقيقي ليس في المكان، بل في الصحبة.

كانت أولى محطاتهم في محافظة البحيرة، حيث اشترى جدي عددًا من الأفدنة غير المستصلحة، وبدأ العمل فيها من الصفر. بجهده وصبره، تحولت الأرض القاحلة إلى أرض نابضة بالحياة، وأطلق عليها "عزبة الببلاوي". عاش هناك سنوات، وكان كما تصفه الحكايات التي سمعتها في طفولتي: رجلًا كريمًا إلى أبعد الحدود، شهمًا، لا يتأخر عن نجدة أحد، لكنه في الوقت ذاته سريع الغضب، حاد الطبع، لا يحتمل الخلاف طويلًا. وحين دبّ الخلاف بينه وبين أقاربه الذين رافقوه في تلك الرحلة، لم يتردد في اتخاذ قراره المعتاد: الرحيل.

تقول الروايات التي تناقلناها داخل العائلة إنه باع الأرض، ووضع ثمنها في "جوال" من تلك التي كانت تُحمل فيها المحاصيل، وحمله وعاد به إلى القاهرة. وفي الطريق، طارده بعض اللصوص، في مشهد يبدو أقرب إلى الحكايات الأسطورية منه إلى الواقع، لكنه ظل حاضرًا في خيالنا جميعًا. رجل يحمل ثروة عمره على كتفه، يمضي في طريق طويل، يطارده الخطر، لكنه ينجو، كما نجا في كل مرة، ويصل ليبدأ من جديد.

حين وصل إلى "مصر"، كما كان يسميها أهل الصعيد، نزل أولًا بالقرب من بعض أقاربه في أراضٍ زراعية بمحافظة الجيزة، في المنطقة التي تُعرف الآن بحي المهندسين. هناك، افتتح متجرًا لبيع المحاصيل الزراعية، وبدأت الحياة تستقر نسبيًا، وهناك أيضًا اكتمل عدد أبنائه؛ أربعة من الذكور: محمود، وأحمد، ومحمد، وحسن – أبي، أصغرهم – وثلاث بنات: حميدة، وتفيدة، وزينب.

لكن الاستقرار لم يكن قدره طويلًا؛ اختلف مرة أخرى، فترك المكان كما ترك غيره من قبل. وتُحكى روايات عن امتلاكه بيتًا كبيرًا في روض الفرج يطل مباشرة على النيل، لكن حتى هذا لم يكن نهاية الرحلة. تنقل بين عدة أحياء في القاهرة والجيزة، كأن الحياة كانت تدفعه دائمًا إلى الحركة، إلى البدء من جديد، إلى اختبار قدرته على إعادة البناء، إلى أن استقر أخيرًا في "الحلمية الجديدة".. وهناك بدأت حكايتنا نحن.

ورغم أن جدي عاش في القاهرة سنوات طويلة، فإن قلبه ظل معلقًا بقريته الأولى. وربما لهذا، وبعد تجربة زواج لم تُكتب لها الاستمرارية لابنه الأكبر من فتاة قاهرية، قرر أن يضع قانونه الخاص الذي لا يقبل النقاش: أن تكون زيجات أبنائه من داخل العائلة أو من نفس القرية. فجاء بزوجات أبنائه من "ببلاو"، كأنه كان يعيد تشكيل عالمه القديم داخل المدينة، ويحافظ على ملامحه كما عرفها.

أما قانونه الأهم، فكان أن يعيش الجميع تحت سقف منزل واحد. لم يكن ذلك مجرد ترتيب سكني، بل كان أسلوب حياة كامل. حتى عمي الذي لم يسكن معنا في نفس المنزل، لم يبتعد كثيرًا، فسكن في البيت المجاور مباشرة، وكأن الدائرة التي رسمها جدي لا يمكن كسرها.

وأذكر عندما كان عمري عامين، وجد والدي شقة بعيدة عن منزل العائلة، فكان لزامًا عليه أن يزور جدي وجدتي كل يوم عقب خروجه من عمله. وفي إحدى المرات، اتصل أحد المجهولين بجدي وادعى كذبًا أن والدي قد تعرض لحادث، وأنه يرقد في إحدى المستشفيات. ظلت الأسرة بأكملها تبحث عن والدي من مستشفى إلى آخر، ولم يكن لدينا هاتف في المنزل حينها. وعندما حضر إلينا عمي وابن عمي في المنزل، ذهب معهما والدي ليطمئن جدي عليه، فما كان من جدي إلا أن أقسم "يمين طلاق" على والدي ألا يبيت ليلته في المنزل الجديد - الذي لم نمكث فيه سوى ثلاثة أشهر- وأن يعود مرة أخرى للبيت الكبير، وهذا ما حدث بالفعل.

هكذا عشنا جميعًا في ذلك البيت الكبير، نتقاسم الأيام والتفاصيل، نكبر معًا، نختلف ونتصالح، دون أن ندرك أن كل لحظة كنا نعيشها ستتحول يومًا إلى حكاية تُروى. حكاية بيت لم يكن مجرد مكان، بل قدرًا جمعنا، وبداية قصة طويلة… لم تُحكَ بعد.
-------------------------------
بقلم: 
سحر الببلاوي


مقالات اخرى للكاتب

حكايات البيت الكبير (1) عتبات الغريب.. من