مواصلة لسلسلة المقالات التي بدأتها خلال الأسبوع الماضي، كنا قد توقفنا حول بزوغ شمس مصطلح "الدولة الوطنية" في أوروبا، وتوقفنا عند سؤال حول مدي تطابق النموذج الأوروبي مع تطبيقات الشرق الأوسط، ونذّكر أن كل ذلك يدخل في معطيات البحث الأساسي حول شعار " مصر أولاً " .
مع ملاحظة أن مصر (وإيران وتركيا) تمثل حالة خاصة، سوف أفرد لها في النهاية تفصيلاً خاصاً، فآنه لأول وهلة سوف نجد الوضع في الشرق الأوسط مختلفا جذريًا عن النموذج الأوروبي، فقد بدا الأمر بداية في شكل سقوط الإمبراطوريات لا بناء الأمة، فبعد الحرب العالمية الأولى تفككت الإمبراطورية العثمانية، إلا أنه لم تكن هناك “دول وطنية جاهزة”، بل مجرد مجتمعات متعددة الهويات، وقبائل / طوائف / إثنيات، وانتماءات دينية وإقليمية متداخلة .
في الشرق الأوسط، تم رسم الحدود قبل تحديد الأمة في شكلها المعاصر، ومن سوء الحظ أن الحدود الحديثة تم رسمها عبر اتفاقيات استعمارية (سايكس–بيكو ) Sykes–Picot Agreement حيث تم إنشاء دول مثل: العراق، سوريا، الأردن، لبنان.. لكن جاءت الدولة ككيان مصطنع قبل أن تتكون "أمة موحدة العناصر" داخل حدودها ،والدولة صارت كجهاز إداري أكثر من كونها تعبيرًا عن أمة، فهي في كثير من الحالات هي مؤسسة حكم، وليست تجسيدًا لهوية واحدة جامعة.
لذا نجد أن هناك فروقاً جوهرية بين النموذج الأوروبي والنموذج الشرق أوسطي فيما يتعلق بتأسيس "الدولة الوطنية" خاصة في العلاقة بين الدولة والأمة، ففي أوروبا تشكلت الأمة أولاً، ثم جاءت الدولة بعد ذلك، بينما في الشرق الأوسط تم خلق الدولة، ثم عكفت بعد ذلك في عملية صياغة أمة.
ومن ناحية أخري كان مصدر شرعية الدولة في أوروبا مستمد من "الشعب / الأمة " ، بينما كان في الشرق الأوسط مستمد من مزيج من الدولة في شكلها الحديث، والشرعية التقليدية (قبيلة/دين)، وأحيانًا كان مصدر الشرعية الوحيد هو السلطة المركزية القوية.
ومن ناحية ثالثة، كانت طبيعة الهوية في كل دولة أوروبية هوية وطنية واحدة غالبًا (فرنسي/ألماني/إيطالي.. إلخ )، بينما كانت في الشرق الأوسط (بإستثناءات بسيطة) هوية متعددة الطبقات، مثل (عربي / كردي / فارسي / تركي)، أو مسلم / مسيحي، أو مجرد قبيلة أو طائفة أو حتي منطقة جغرافية.
ومن ناحية رابعة، تميزت تجربة الدولة بالإستقرار السياسي المتدرج بعد حروب طويلة، وتضاءلت الهوييات المتنافسة داخل كل دولة، بينما شهدت التجربة في الشرق الأوسط في الغالب توترات داخلية، وأزمات حول الهوية، وتدخلات خارجية ترتبط بتركيبة المجتمع.
ومن ناحية خامسة ، كانت العلاقات الخارجية في النموذج الأوربي تعبر عن الدولة الوطنية متجانسة، تمتلك وحدة سياسية متماسكة، أما في الشرق الأوسط أصبحت الدولة أحيانًا ساحة تنافس إقليمي ودولي أو إطارًا غير مكتمل الاندماج الداخلي.
وفي الختام يمكن تلخيص أهم الفوارق ما بين نموذج "الدولة الوطنية" في أوروبا والشرق الأوسط، هو أن ذلك النموذج كان حلّا أو بمثابة حل لأزمات تاريخية داخلية طويلة، بينما كان في الشرق الأوسط مجرد إطار حديث يحاول تنظيم تاريخ اجتماعي أقدم وأكثر تعقيدًا من الدولة نفسها، التي جاءت كإعادة تشكيل فوق واقع اجتماعي متنوع ومعقّد.
وإذا انتقلنا إلي الوضع المصري، نجد أن مصر تُعد من أكثر الدول استقرارًا في تبني نموذج الدولة الوطنية في الشرق الأوسط، لكنها ليست نسخة أوروبية كاملة، فمصر لها جذور تاريخية عميقة للدولة وتتميز عن معظم دول المنطقة بأنها تمتلك استمرارية حضارية و"دولاتية" طويلة جدًا، حيث كانت مركزية الدولة فيها سابقة على العصر الحديث بقرون، بمعني أن الدولة في مصر ليست “اختراعًا حديثًا بالكامل”، بل امتداد لتاريخ طويل من المركزية الإدارية حول النيل.
ولكن يمكن أن نتناول تحديث الدولة في العصر الحديث، ففي القرن 19 مع محمد علي، بدأت عملية بناء جيش مركزي، جهاز إداري حديث في دولة مركزية قوية، ثم في القرن 20 ترسخ نموذج الدولة الوطنية الحديثة بعد الاستقلال.
ولعل السؤال المحوري هنا هو "لماذا مصر أكثر تماسكا نسبيًا"مقارنة ببعض دول الإقليم؟
سوف نجد أن مصر تتميز بـتجانس سكاني نسبي، ووحدة لغوية (العربية مع لهجتها المصرية المميزة)، مع عدم وجود انقسامات إثنية مسلحة واسعة .
وقد يمكن إضافة المركزية الجغرافية، حيث يوجد وادي النيل الذي هو محور واحد تقريبا للحياة، بما يقلل من النزعات الانفصالية الجغرافية، مع توافر هوية وطنية قوية، فالمصرية” هوية راسخة فوق أي إنتماءات جزئية أو تجزيئية .
ولهذا لم يكن التحدي الأساسي في مصر هو إحتمال انهيار الدولة، بل كيفية تحقيق التوازن بين المركزية القوية ومطالب المشاركة والتنمية المتوازنة، أي أن الإشكال ليس في وجود الدولة، بل في شكل إدارتها وتوزيع السلطة والثروة .
وبأخذ أثر نموذج الدولة الوطنية على الاستقرار الإقليمي تظهر المشكلة الكبرى في الشرق الأوسط التي تتمثل في وجود حدود سياسية لا تطابق الواقع الاجتماعي، فالكثير من الدول تحتوي مكونات متعددة (طوائف/إثنيات)، لكن ضمن حدود رسمت سياسيًا، وقد أدي ذلك إلي استمرار التوترات الداخلية، وصراعات الهوية .
كما يمكن ملاحظة ضعف الاندماج الوطني في بعض الحالات في بعض الدول، حيث يتوزع الولاء بين الدولة، والطائفة، والعشيرة، بل والأيديولوجيا العابرة للحدود .
ونتيجة ذلك إقليميًا نلاحظ ظهور نمط لا يمكن إغفاله وهو ما يمكن أن نطلق عليه : "تصدير الصراع" ،
حين تؤدي الصراعات الداخلية أحيانًا إلى تدخلات إقليمية أو حروب بالوكالة.
وتتفاقم مشكلة الدولة الوطنية الحديثة في الشرق الأوسط، بشكل يؤدي إلي هشاشة النظام الإقليمي في المنطقة بحيث تصبح أقل استقرارًا لأن بعض الدول ليست “حالة مكتملة سياديًا” سواء في البعد السياسي أو الاجتماعي، مع وجود استثناءات نسبية، حيث نجد أن هناك دول أكثر تماسكا نسبيًا (مثل مصر، الأردن، دول الخليج بدرجات مختلفة)، لكنها مع ذلك ليست بمعزل عن التفاعلات الإقليمية.
ولعل السؤال حول مصير نموذج "الدولة الوطنية" يستحق الطرح في ظل أنه أصبح مؤخراً سؤالاً مركزياً في علم السياسة الحديث.
ويمكن القول بشكل مختصر أن الدولة الوطنية لن تختفي لأنها هي الوحدة الأساسية في النظام الدولي، حيث أن الأمم المتحدة مثلاً تقوم علي أساسها (إتفاق تعددي بين دول) ، كما أن الاقتصاد والقانون الدولي يعتمدان عليها، إذن لا يوجد بديل جاهز يحل محلها عالميًا لكن شكلها قد يتغير (وهذا مهم جدًا) ، أي أن الدولة الوطنية لا تختفي، لكنها تُعاد صياغتها من الداخل، من حالة سيادة مطلقة إلى حالة سيادة “مقيدة” ، بأثر العولمة، وتداخل الاقتصاد العالمي، والتدخلات الإقليمية .
وفي إطار التحولات المعاصرة، يمكن ملاحظة إتجاه الدول للتحول من هوية واحدة مسيطرة إلى هويات متعددة، أي إدارة التنوع بدل إذابته، مع القبول بالهويات الفرعية داخل إطار الدولة.
ولكن لا يمكن إغفال توجه متزايد شهده الربع الإول من الألفية الثالثة، وذلك ببروز “الهويات ما فوق الوطنية” مثل الدين (بمذاهبه المختلفة، وعلي هامش التيار اليميني المتصاعد) ، وكذلك بأثر العوامل الاقتصادية ، وخاصة التكامل الإقليمي (شرق وغرب وجنوب إفريقيا .. إلخ ) ، والبين إقليمي (البركس) ، فضلاً عن التحالفات الجيوسياسية .
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه في إطار المساجلات التي أشرنا إليها في بداية هذه السلسلة من المقالات هو : "هل يمكن أن تحل أيديولوجيا جديدة مكان الدولة الوطنية في الشرق الأوسط؟"
هناك تقريباً ثلاث احتمالات نظريًا:
الاحتمال الأول: "قومية عربية أوسع من إطار الدولة الوطنية الضيق"، وقد كانت هناك محاولات تاريخية سعت إليها التجربة الناصرية في مصر، وكذلك حزب البعث في سوريا والعراق، لكنها في النهاية اصطدمت بتعدد المصالح القطرية، بما قاد لإستنتاج أن هذا الإحتمال لم ينجح في تقديم القومية العربية كنظام دولة بديل.
الاحتمال الثاني: "خلق أطر دينية عابرة للدول" (فكرة الخلافة الإسلامية مثلاً)، وهي تطرح فكرة وحدة أوسع، لكنها في الشرق الأوسط تصطدم بتنوع مذهبي وسياسي معقد.
الاحتمال الثالث: "تكامل إقليمي مرن" وربما هو الإحتمال الأكثر واقعية، حيث يضمن بقاء الدول الوطنية مع زيادة التعاون (اقتصاد/طاقة/أمن)، وهو ما يشبه نموذج الاتحاد الأوروبي بشكل جزئي.
نخلص مما تقدم إلي أن مصر – رغم كل شيء – تمثل دولة وطنية مستقرة نسبيًا، ذات جذور تاريخية عميقة، لكنها في نفس الوقت تواجه تحديات إدارة أكثر من تحدي وجود، أما إقليم الشرق الأوسط فأنه يعاني من فجوة بين حالة الدولة كـ "حدود"، والدولة كـ "هوية إجتماعية متماسكة"،
وهكذا يمكن أن نري أن المستقبل يحمل دلائل قوية علي إستمرار "الدولة الوطنية"، لكنها ستتحول من شكل "الشرنقة المنغلقة" إلي "إطار مرن متعدد الطبقات" .
وإذا سلمنا بهذه النتيجة، فأننا نستبعد بالضرورة فكرة "الدولة فوق الدول" في إقليم الشرق الأوسط، وفي نفس الوقت لا تبدو فكرة "العزلة السعيدة" مغرية في الحالة المصرية، وهو ما نأمل مناقشته فيما تبقي من سلسلة هذا المقالات .
-----------------------------------
بقلم: معصوم مرزوق
* مساعد وزير الخارجية الأسبق






