28 - 03 - 2026

الشاعر محمد سليمان.. وداعًا

الشاعر محمد سليمان.. وداعًا

هل كان من باب المصادفة أن أشتري الأعمال الكاملة للشاعر السكندري محمد سليمان في معرض الكتاب الفائت من جناح الهيئة العامة للكتاب؟ لكم سعدت بالمجلدات الثلاث! وهل كانت مصادفة أيضًا أن يَعقِدَ المعرض ندوة خاصة عنه بمناسبة بلوغه سن الثمانين؟ وهل كانت صدفة أن أقرأ خبر رحيله عن عالمنا وديوانه إلى جواري أطالع فيه من حين لآخر. مؤكد أنها كانت إشارات تنتظر من يحسن استقبالها. 

لمحمد سليمان مكانة خاصة في عالم الأدب المصري. فهو أحد أبرز شعراء جيل السبعينات والثمانينات، وإن بدأ الكتابة منذ أواخر الستينيات بكتابة القصيدة العمودية، ثم تحول إلى الشعر الحديث بعد تعرُفه على الشاعر الكبير أمل دنقل (1940-1983)، المعروف بشاعر لا تصالح.

بدأ سليمان نشر أشعاره في المجلات في منتصف السبعينيات، وكانت النقلة الكبيرة مع صدور مجلة إبداع عام 1985، إلى جانب نشر إبداعاته في المجلات والندوات بلغة مباشرة بسيطة، يضع الكلمات إلى جوار بعضها البعض، فيصنع منها تراكيب فريدة، كأنه لم يغادر معمله في الصيدلية بعد.

اكتست قصائده بمسحة حزن جمعت بين مآسيه الشخصية وإحساسه تحت وطأة التشظي والصراعات الطائفية والسياسية والتفتت بوطن يضيع أمام عينيه؛ "هذي بلاد يطوقها الليل/ يأسرها الميتون/ يُخَوِّفها الماء والريح/ هذي بلاد يُعبئها الحكي/ يحكي لها القاعدون/ ويحكي لها الواقفون/ ويحكي لها الميتون فتهبط في النوم".

كان شعوره بالغربة طاغيًا، فانعكس ذلك في أشعاره، تشعر أنك تقرأ لشاعر أحنى ظهره الزمن وأطفأ وهج عينيه، وأخمد جذوة الدهشة المتقدة في صدره، إقرأ معي (إذن ألهو/ أَلم اللحم في ورقٍ/ وأخطو بين منقرضين/ أمتعتي حروف النفي/ هل بيني وبينك حائطٌ؟ لا بأس/ للنسيان فائدة وللألفاظ قدرتها على التلوين/ والتكوين).

أو يوجه خطابه للسلطان في ديوانه "سليمان الملك" قائلاً "كنت تدهن الأحجار بانتصارك الوهمي/ تثقل الحيطان بالشموس والجيوش/ تطلق الغبار أو تكلل الأشباح/ ثم نمتْ".

يذكر الدكتور عبد الناصر حسن في مقدمة المجموعة الشعرية الكاملة "وما كان لشاعر في قامة محمد سليمان أن يتوقف بتجربته الشعرية عند مرحلة بعينها، إذ كان هدف كل شاعر له مشروع إبداعي كبير أن يغير من ريش أجنحته في كل مرحلة من مراحله الشعرية..."

اتسمت قصائده بازدحام الصور الشعرية تأثرًا بالحركة الأدبية في ذلك الوقت، ثم تطور مع الوقت وعمد إلى التجديد والخروج من دوائر تجاربه الشعرية، دائرة تلو أخرى، فتراه يغادر صوره المعتادة ويدخل في تناص شعري مع رموز الشعر العربي القديم: المتنبي، وأبي العلاء المعري، والشعراء المعاصرين مثل صلاح عبد الصبور وأدونيس.. يقول محاكيًا الشاعر العراقي أحمد مطر في قصيدته (أمير المخبرين) "لن يقف الباص هنا/ ولكني أنتظر هناك/ المخبر كالمعتاد/ سيبحث في أوراقي".

ويلتقط في لغة حكي بسيطة بناء جوهر الصقلي مدينة القاهرة ويعكسها على علاقة المدينة بأولادها فيقول، "كان الصغار يظنوني ضابطًا/ والتماثيلُ قطًا/ وأعمام شارعنا/ حارسًا للمقهى/ إنها القاهرة/ الغزاة بنوها/ فظلت تظن الغريب ابنها/ وابنها عابرًا/ وظلت تحابي ثعالب كذابة/ ولصوصًا/ ... وظلت أميرة"

وقد ارتبط سليمان بقضايا الوطن، كتب عن بيروت على خلفية الحرب الإسرائيلية اللبنانية عام 2006 "لا تكتبوا المراثي/ ولا تحاصروا بيروت بالنحيب والبكاء/ بيروت لم تزل حية/ وقادرة/ وصوتها الرنان لم يزل/ يلون الفضاء/ ابكوا فقط جيوشكم/ وهيئوا النعوش للملوك يجلسون/ في القصور صامتين كالموتى"

هل كان سليمان يستشرف المستقبل حين كتب أبياته تلك، قبل نحو عشرين عامًا.. ربما.. إنها روح الشاعر ترسل لنا الإشارات مجددًا، فهل نُحسن استقبالها أم نتعثر في فك الرموز كما تعثرنا من قبل؟ رحم الله محمد سليمان.
-------------------------------------

بقلم: د.م. محمد مصطفى الخياط
[email protected]
 






مقالات اخرى للكاتب

الشاعر محمد سليمان.. وداعًا