هذه دردشة بالصوت الحياني لإبداء رأي وإعلان موقف. وموقفي يخالف أي صوت يردد أن العرب مجرد وهم وأن العالم العربي ليس إلا اختلاقاً صنعناه وضللنا به أنفسنا. لا، الأمر ليس كذلك بالمرة.
العالم العربي حقيقة وليس كذبة. أصيل وليس مصطنعاً. هذه قناعتي التي أعلنها من البداية. باليقين أتفق مع كل من يقول أن العالم العربي "حقيقة كئيبة" لأنه بالفعل كئيب بل وكئيب جداً. لكني لا أتفق معهم عندما يذهبون إلى أنه مجرد "وهم لذيذ" لسببين. لأن حقائقه اليومية الكئيبة من ناحية ليست فيها أية لذة، ولأنه من ناحية أخرى ليس وهماً وإنما مساحة حقيقية نوجد عليها ونتحرك فيها.
أحترم حق كل من يدعي بأنه مجرد وهم لذيذ. لا أملك أبداً أن أطعن في عروبته، أو أن أقلل من قيمة رأيه. وإنما ألتمس له العذر فيما يقوله، وألتمس فيه نخوة نقد الذات، والتمس منه مراجعة لرأيه. فرأيه يستحق الاحترام. لكنه لا يلزمني كما أنه لن يشككني في قناعتي. أنا قد أكون مثله تماماً في زعلي من "العالم العربي" بعد أن بات عدداً وليس عتاداً، ورقماً تسجله الإحصاءات العالمية وليس رقبةً تباهي بنفسها في العالم، وكماً مهملاً وليس كيفاً مقدراً. أعرف تمام المعرفة ككل الناس أنه هزيل وضعيف ومفتت ومفرق. أدرك كل هذا تماماً. لكن برغم الهزال والضعف والتفتيت والفرقة يبقى موجوداً. كلما وقعت له أو فيه أزمة كبرى كنكبة 48 ونكسة 67 وإبادة 2024 وحرب الخليج الرابعة 2026 إلا ويتجدد شك العرب في أنفسهم وفي روابطهم وفي وجود "عالم" أو "وطن" يخصهم. لكن هذا الشك دليل على وجود هذا "العالم" وليس برهاناً على غيابه.
وإذا كان التشكيك في العرب وفي وجود "عالم" يخصهم مفهوماً بل ومنتظراً من الخصوم والمخالفين، فإنه صادم متى جاء ذكره على لسان العرب أنفسهم. فالخصوم والمخالفون معروفون. كلما رأوا ضعفاً في الرابطة العربية تبجحوا علينا وعليها وقالوا: "نحن من أوجدناكم. نحن من رسمكم على الخرائط. نحن من أعطيناكم أوطانكم وأسماءكم، وبمقدورنا أن نأخذها منكم في أي وقت، وأن نعيد تخطيطكم بأرخص قلم على أي قطعة ورقة نجدها في سلال المهملات الاستراتيجية المبعثرة في هذا العالم. فأنتم لا تفعلون شيئاً ذا قيمة لأنكم لستم حقيقة. أنتم وهم وزيف. تتكلمون عن الوحدة وتتآمرون على بعضكم وتقتلون بعضكم وتخونون بعضكم بشكل لا يصدق. حتى أعداءكم لم يفعلوا بكم ما فعلتموه أنتم بأنفسكم."
مثل هذا الاستهزاء الأجنبي الرخيص بالعرب، والتشكيك الممنهج في الرابطة العربية وفي فكرة "العالم العربي" ذاتها غير مقبول لا مبدئياً ولا أخلاقياً. إنه استهزاء يصدر من خصوم تاريخيين لهم هوى وغرض ومصالح خبيثة تستدعي تفتيت المنطقة وليس تجميعها. أما أن يأتي الطعن في والاستهزاء من "العالم العربي" والتشكيك في وجوده من الأصل بلسان عربي فأمر لا يؤكد من وجهة نظري غياب الرابطة العربية وإنما يبرز مدى الزعل البالغ منها. وهذا فارق مهم.
فمن حق كل عربي، بل من واجبه، أن يزعل من الرابطة العربية، وأن يزعل من العرب أنفسهم، وأن يندهش منهم ويتحسر عليهم، وأن يعبر عن صدمته من سوء ما يفعلونه بأشد العبارات. وزعله هذا أبلغ دليل على إحساسه بوجود هذا العالم وأهمية ذلك التكوين الثقافي واللغوي والاجتماعي والوجداني القديم في حياته. إنه تكوين استمر حياً برغم كل ما فعلته به السياسة. ثم لماذا يقيس المتشككون غياب أو وجود "العالم العربي" بالمعيار السياسي. فلتذهب السياسة إلى الجحيم. فهي نشاط بشري شرير يكذب ويدعي البراءة. إنها ممارسة متقلبة لا تعرف الاستقرار، وإعادة هندسة مستمرة للأشياء والأشخاص وفق الهوى والمصالح. تبني وتهدم متى أحبت، تثبت وتنفي كلما ناسبها. تعظم وتبجل ثم تحط وتقلل على الكيف وبحسابات باردة. وكم أنزلت السياسة بالعرب عبر التاريخ من أهوال امتدت من ضفافهم الغربية إلى سواحلهم الشرقية، ومع هذا ظلت هناك فكرة واحدة تسري بين الناس بعرض هذا الفضاء الجغرافي الواسع، بأن لهم جذوراً مشتركة ومساحات ثقافية عامة واسعة لا تجعلهم متطابقين وإنما إلى حد بعيد متماثلين. حتى الكرد والأمازيغ والسريان والأقباط، وغيرهم من التكوينات اللغوية والدينية المختلفة في المنطقة، لا ينكرون العروبة ولا العالم العربي. فإن اختلفوا مع العرب فإنما يثبتون باختلافهم وجود "عالم عربي" يناقض عالمهم، لأن التناقض اعتراف بالوجود. أما لو اتفقوا مع العرب فلا يؤكدون بذلك فقط على وجوده وحقيقته، بل وأيضاً على مركزيته وقناعتهم بالعيش في قلبه.
سيظل العالم العربي موجوداً. ومن يشككون فيه ممن يتكلمون لغته ويحملون جنسية واحدة من بلدانه لهم عذرهم. وما يصدر عنهم من لوم وشك في وجود "عالم عربي" ليس لسبب إلا لأنهم كانوا يعشمون أنفسهم بنجاح ما ظلوا يراهنون عليه طيلة شبابهم إلى أن هالهم ما رأوه لما بلغوا هرمهم. ولعلي أذكر هنا حالة صديق أطال الله في عمره. هو مؤرخ سوري مدقق، يقترب عمره اليوم من التسعين. عاش إلى أن بلغ الثمانين وهو متمسك بالعروبة وجوداً وطريقاً. ثم من عشر سنوات خلت بدأ رحلة الشك. في كل مرة كنت ألتقي فيها به إلا وأجد شكه في اضطراد ويأسه في تفاقم. ولأنه مؤرخ اعتاد التدقيق في القصص والسرديات والأفكار والوقائع، فقد انتهى به الأمر إلى الملل من الرهان على صحوة الجسد الميت والتريث حتى قبل أن يلفظ كلمة "العالم العربي." فمع تكرار الهزائم والنكبات والنكسات، ومع كثرة التدخلات والإملاءات والاختراقات لم يعد الخطأ في تقديره في تصرفات وسلوك العرب، وإنما في فكرة العروبة نفسها. بدأ اليأس يطبق عليه ليكرر مع المكررين أن فكرة العالم العربي ذاتها خطأ. فهي خيالية ومثالية وطوباوية لفقناها لأنفسنا أحياناً، وزينها لنا الغربيون أحياناً أخرى، فصنعنا بها وهماً لذيذاً استسلمنا له وصدقناه وسرنا خلفه. وها هي نتيجة السير وراء الأوهام، تلقي بنا من تهلكة إلى أخرى.
ولا أختلف مع أي ناقد للسلوك العربي، بل أقف بجانبه وكثيراً ما أسبقه وازيد عليه في النقد اللاذع. فأنا واحد من ملايين تتعجب وتشمئز من غدر العرب للعرب وبالعرب، ومن سكوتهم على المذلة أمام العالم لقرون، ومن استكانتهم أمام الاستبداد، ومن فشلهم المروع في الديمقراطية والمواطنة والحقوق والحريات. لكني أجد أن هذا الفشل، برغم مرارته، يخلق بينهم رابطة مميزة وتشابهات جديدة تؤكد تفردهم عن غيرهم وتثبت أن لهم حقاً "عالماً" يخصهم. فالجماعات الكبرى لا تتكون فقط بسبب نجاحها، وإنما أيضاً بسبب فشلها. "والعالم العربي" لهذا لم يتكون فقط بسبب وجود لغة مشتركة تجمعه أو تراث أدبي يتقاسمه، أو تاريخ متشابه يشمله، وإنما لتشابهه كذلك في العيوب. والعرب متشابهون في العيوب بشكل غريب. التونسي كما المصري، والليبي كما البحريني، والأردني كما العراقي. والكويتي كما المغربي كلهم عاجزون أمام الدولة، أو للدقة أمام السلطة. ليس بينهم من عرف كيف يروضها أو يهذبها أو يقيدها أو يتحاور معها. كما أنهم متشابهون في الفشل في مكافحة الفساد، والرشوة، والمحسوبية. ومتشابهون في عقدة النقص أمام الأجانب، وفي حب الكلام الكبير، وفي المبالغة في تعظيم الذات وفي التقليل من شأن الغير، وفي الأنانية، وبالطبع في الخضوع المزمن للاستبداد، وفي عيوب أخرى بالكوم. لكن هذه العيوب هي أيضاً ما يصنع لهم "عالماً" يميزهم عن غيرهم. صحيح أنهم يتشابهون في تلك العيوب مع كثير من الأفارقة، واللاتين، والآسيويين، إلا أن العرب بجانب هذه العيوب تفردهم لغة وعادات وتقاليد وتاريخ يخصهم. ولهذا "فالعالم العربي،" كما استقر في ذهني، حقيقة وليس مبالغة. نعم هو حقيقة كئيبة، لكنه ليس مجرد وهم لذيذ. إنه "عالم"، وبكل أسف، توحده العيوب قبل المزايا. لكن من يعرف عيوبه ويعترف بها ولا يتنكر لها أقدر على مواجهتها مقارنةً بمن يُسقط فكرة "العالم العربي" كلها أو ينفيها وهو يبحث عن أي وهم لذيذ يتهرب به من حقائق "العالم العربي" الكئيبة التي تحيط به.
---------------------------------
فشة خلق بقلم: د. إبراهيم عرفات






