23 - 03 - 2026

حين تخوننا الحقيقة.. وتصبح اللغة هي المصير

حين تخوننا الحقيقة.. وتصبح اللغة هي المصير

هل تساءلت يومًا لماذا نرى التاريخ كما نراه؟ هل الواقع هو ما حدث فعلًا، أم أنه مجرد استعارة صاغتها اللغة بإحكام؟

في واحدة من أثمن إصدارات المركز القومي للترجمة، يأخذنا المؤرخ والفيلسوف الأمريكي البارز هايدن وايت في عمله المرجعي "مدارات المجاز في الخطاب: مقالات في النقد الثقافي"، في رحلةٍ تهزّ يقيننا ببراءة اللغة وشفافيتها. وتصل هذه الرؤية إلى القارئ العربي عبر ترجمةٍ رفيعة تحمل توقيع عميد المترجمين الراحل محمد عناني، أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة، الذي لم يكن مجرد ناقلٍ للنص، بل شريكًا في تفكيكه وإضاءته.

ينتقل الكتاب بيسرٍ لافت بين ردهات التاريخ وعمق الفلسفة وتجليات النقد الأدبي.

مركزًا على "لغة المجاز" بوصفها مفتاحًا لفهم الخطاب، كاشفًا عن أشكالها ودلالاتها المتباينة، ومستشهدًا بأعلام الفكر المعاصر ورواده.

وتكمن أصالة هذا العمل في قدرة وايت الفائقة على الربط بين المفاهيم اللغوية والنقدية الحديثة، وبين مسارات العلوم الإنسانية في حقبة ما يُعرف بـ"التحول إلى اللغة". حيث يعقد مقارناتٍ عميقة بين المذاهب اللغوية الحديثة والمذاهب الفكرية للأعلام الذين أسهموا في تشكيل وعينا المعاصر، بما يكشف الدور الجوهري الذي تنهض به اللغة في توجيه هذا المسار، من كتابة التاريخ وصولًا إلى النقد الأدبي بمفاهيمه المتنوعة.

وفي تصديره اللافت، يشير محمد عناني إلى أن هذا الكتاب يسد فجوةً حقيقية في دراستنا للغة؛ إذ لا يتعامل معها بوصفها مجرد وسيلة لنقل المعنى، بل باعتبارها الفاعل الأساسي في تشكيل الفكر ذاته، وفي رسم مسارات المدارس الفلسفية داخل العلوم الإنسانية.

هكذا، لا يقدّم "مدارات المجاز في الخطاب" مجرد مقالات في النقد الثقافي، بل يفتح أفقًا رحبًا لإعادة التفكير في اللغة بوصفها قوةً خفية تعيد صياغة العالم، وتكتب التاريخ بقدر ما ترويه.

إننا لا نسكن العالم، بل نسكن اللغة التي تصفه.. وفي مدارات المجاز، نكتشف أن الحقيقة ليست فيما يُقال، بل في الكيفية التي تختار بها الكلمات أن تصوغ وجودنا.