23 - 03 - 2026

هذه مصر التي يعرفها الكويتيون.. ويكفيني ردهم على كويتب مثير للفتن

هذه مصر التي يعرفها الكويتيون.. ويكفيني ردهم على كويتب مثير للفتن

‏لن أرد على كويتب كويتي محدود القيمة، يغوى الفرقعات الجوفاء بغية شهرة عابرة، لأن سطوره لا يمكن أن تحفر له اسما، أو تصنع له ذكرا، إلى جانب أن هناك معلومات متداولة عن هذا ، الذي ليس له من اسمه نصيب، تبين لمن يعمل ويكتب؟ ولماذا يثير الفتن الآن عامدا متعمدا؟ فنحن أوعى من أن ننزلق إلى المخطط المرسوم له، ولأمثاله في الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، من طنجة إلى صلالة.

سأترك مثقفين كويتين محترمين، نعرف قدرهم وندرك محبتهم، يردون عليه، من خلال مقال سبق أن نشرته بعنوان "مصر بعيون كويتية"

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"كانت شوارع القاهرة تغسل بالماء والصابون كل صباح".. عبارة تكررت على ألسنة نخبة من كبار مفكرى الكويت ورجال اقتصادها وسياستها، ممن جاءوا قاصدين القاهرة فى أيامها الزاهرة سعيا وراء العلم، يحفر كل منهم فى ذاكرته ويلهث وراء الكلمات التى تتدفق من بين شفتيه، ويقول لى وفى عينيه امتنان وغبطة: "القاهرة كانت أجمل مدن الدنيا، ومصر كانت قبلتنا، قصدناها راجين فلم تردنا خائبين أبدا."

حكى لي رجل الأعمال الكويتي ورئيس مؤسسة البابطين الثقافية عبد العزيز البابطين ، رحمه الله، حين قابلته مرة واحدة في عام 2010 قائلا: ذهبت إلي الإسكندرية لأقضى شهر العسل عام 1962 ودرت على الفنادق فلم أجد غرفة فى أى منها. انتصف الليل فطرقت باب بيت فخرجت إلىَّ عجوز فقلت لها: أنا كويتى ومعى زوجتى ولا أجد مكانا للمبيت فى فنادق الإسكندرية، فأومأت برأسها ودخلت فخرج لى زوجها وقال: دقيقة واحدة يا ابنى، ثم دخل، ربما ليجهز لنا غرفة النوم الوحيدة، بعدها سمح لى بالدخول فنامت زوجتى وجلست ساهرا طوال الليل. فى الصباح جاءتنا طفلة صغيرة تحمل صينية الإفطار باسمة، فاستبشرت بها، ودسست فى يدها عشرة جنيهات، وكانت أيامها مبلغاً كبيراً، فخرجت فرحة. بعد دقيقة واحدة جاء الرجل عابسا وبين طرفى أصابعه النقود، وقال لى: يا ابنى بيتى ليس فندقا حتى تعطينا أجر مبيتك، فقلت له: هذه ليست أجرة إنما تحية للصغيرة الجميلة، فقال: هل تريد إغضابى؟ فأجبته: لا، فقال: إذن خذ نقودك، والبيت بيتك.

بعد أن أنهى البابطين حكايته قال: أود لو كتبت هذه الحكاية، ولو أن هذه البنت على قيد الحياة، وقرأت ما ستكتب، وأثبتت لي أنها هي سأعطيها مليون جنيه مصري.

في اللقاء نفسه قال لي: مصر صاحبة فضل علي، كنت تاجرا بسيطا جدا، والمال الذي بدأت به كان من ميناء بورسعيد. كل ثروتي منبتها مصر. كنا نخرج من هنا حيث شوارع الرمل، لنرى القاهرة والإسكندرية وبورسعيد حيث عالم آخر مبهر.

عشرة أيام قضيتها فى الكويت بين هؤلاء ولا حديث إلا عن مصر، الجميلة المستقرة فى ذكرياتهم لم يطمرها النسيان. قال لى المؤرخ الكبير يعقوب الغنيم: "كل شىء كان يجرى فى مصر يتردد صداه فى الكويت، خرجنا فى مظاهرات عارمة أيام العدوان الثلاثى وقلنا لعبدالناصر: لا تتنح بعد هزيمة يونيو مثلما فعلتم أنتم."

ويكاد الغنيم يبكيك وهو يحكى عن أستاذه العلامة الكبير محمود شاكر، الذى كان ينظم دروسا خاصة ببيته فى الأدب والفكر للطلاب العرب، ويقول: "سجنوه ولاحقوه وألزموه بعد أن أفرجوا عنه بأن يتابع القسم كل يوم فأرهقه هذا، وأتيح لى أن أزور معه مسؤلاً كبيراً فى المخابرات أيامها، فقلت له: إذا كنتم لا تعرفون قيمة هذا الرجل فامنحوه إذنا بالسفر وسنحمله على رؤوسنا فى الكويت."

ويسعدك شاب مثل أحمد المطيرى، يعمل مصوراً تليفزيونياً، حين يقول: "شارك أبى فى حربى 67 و73 ضمن الكتيبة الكويتية"، ثم يبتسم ويكمل: "تحدث لى كثيراً عن انبهاره بشجاعة المصريين فى حرب أكتوبر" وبعد ليلتين يُعرفنا فى «البر» حيث يضرب الكويتيون خياما فى الصحراء ليستعيدوا أيام زمان على صديق له قائلا: استشهد أبوه فى سيناء.

وتضحك مع رجل الأعمال جواد بوخمسين وهو يحكى عن أمثولة سائدة فى بلاده قائلا: حين تسأل شخصا: هل أنت كويتى؟ ويجيب: أنا كويتى، فعليك أن تسأله: هل لديك بيت فى مصر؟ فإن هز رأسه نفيا، قل له على الفور: "أنت لست كويتيا".

أما إبراهيم الشطى أحد كبار مثقفى الكويت ومدير الديوان الأمير الأسبق فيسرد ذكرياته فى جامعة القاهرة أيام طه حسين وأحمد أمين ويقول: "كنت أراهما لكننى تخرجت فى قسم الجغرافيا، لأن أبى كان بحاراً ويحكى لى عن البلاد التى يبحر إليها فأحببت هذا التخصص، وتعلمته على يد علماء أفذاذ فى مصر." وحين تسأله عن تكوينه الثقافى يقول على الفور: "أدين بالعرفان لسور الأزبكية ومكتبات القاهرة التى كانت واجهاتها تجذبنى فأدخر من مصروفى القليل لأشترى نفائس المعرفة."

يحكي لي كيف هو وصديق له قضوا شهرا كاملا حتى يجمعوا جنيها مصريا واحدا يمكنهم من دخول مسرحية ليوسف وهبي، وحينا ذهبا فوجئا برفض دخولهما لأن يتطلب "بذلة سموكن"، ثم يقول: ادخرنا شهرا آخر لنجمع ثمن البدلة. ويضيف: استأجرنا شقة فوق محل عصير مانجو، لأننا أحببناه جدا، ولم نكن نعرف المانجو في الكويت.

ويبين محمد السنعوسى، وزير الإعلام الأسبق، صاحب أشهر برامج فى الخليج كلها، المساهم فى إنتاج فيلمى "الرسالة" و"عمر المختار"، كيف تشكلت قريحته الفنية حين درس المسرح بمصر، ويقول: "استفدنا من الخبرات المصرية كثيراً حين أطلقنا تليفزيون الكويت». وحين تأتى على ذكر مجلة العربى مع الدكتور محمد الرميحى الذى رأس تحريرها سنوات طويلة، يحكى لك عن المصريين الكبيرين الدكتور أحمد زكى والأستاذ أحمد بهاء الدين، فالأول أطلق هذه المجلة العريقة، والثانى تسلم منه الراية ولم يتركها حتى أصبحت درة ثقافية، فيما أطلق فؤاد زكريا سلسلة "عالم المعرفة" وأسس مصريون كبار مسار الكويتي الثقافي معهم مثل الأنثربولوجي العظيم أحمد أبو زيد، والفيلسوف الكبير زكي نجيب محمود، والمسرحيين الكبيرين زكي طليمات وسعد أردش، وغيرهم كثيرون في مختلف المجالات.

حكى رموز الكويت عن مصر التى رأوها فى زمانهم الأول، ولم يدفع أى منهم الحديث باتجاه مصر التى أراها الآن.. هم يعرفون ما جرى، وأنا أدرك أنهم يستحون من الحديث عما أراه، لكن أحدهم وهو الكاتب على المتروك قال لى وهو يدوس على الحروف ليؤكد كلامه: «مصر مهما تدهورت أحوالها فبوسعها أن تنهض أسرع مما نعتقد، هكذا هى طوال التاريخ."

-------------------------------

بقلم: د. عمار علي حسن

مقالات اخرى للكاتب

هذه مصر التي يعرفها الكويتيون.. ويكفيني ردهم على كويتب مثير للفتن