من ينظر إلى تصريحات الرئيس الامريكي دونالد ترامب حاليا يتعجب من اندفاعه السريع نحو اعلان فوزه في حربه مع ايران بينما في حقيقة الامر هو في موقف لا يحسد عليه بل ويسب ويلعن في جميع حلفائه الذي خانوه في ساعه العسرة وكان اخرهم الدول التي تدين له بالوجود وهي الدول التي تمت هزيمتها في الحرب العالمية الثانية وتحديدا دول المحور المانيا وايطاليا واليابان فكلهم اعلنوها صراحة ، لن ندخل معك في حرب انت اخترتها ولم تستشرنا فيها بل وتطالبنا ان ندفع ثمن خطوة اقل ما توصف انها خطوة حمقاء فخض الحرب بنفسك حتى النهاية ، بل وزاد من الأمر سوءا ان ترامب طلب من دول الخليج ان تدفع له ثمن خطوته هذه .
وايران لا تريد ان تستسلم في مواجهته وتصر على استمرار الحرب حتى يعترف بهزيمته أو يبحث لنفسه عن خروج مشرف بالنسبة له ولكن لن يكون على حساب الكرامة الإيرانية.
هذه هي النظرة الاولية لواقع الحرب الحالية ولكن الامور اصعب من ذلك فمن يطلع على استراتيجية الأمن القومي الامريكي التي طرحها دونالد ترامب في بداية ولايته الثانية يتضح منها ببساطة طرحه لمنهج شوفيني بحت وهذا المنهج يقول "أمريكا أولا " ويستتبع ذلك تعديل في رؤية الوجود الامريكي في العالم وكذلك تحديد مواطن القوة وأيضا تحديد مفهوم الصراع العالمي واستبدال عدو بعدو وقد يصل الامر إلى استبدال صديق بصديق ، وقد كان العدو الدائم لصانع القرار الامريكي هو الاسلاموفوبيا وأمن اسرائيل وتم استبداله بان العدو الرئيسي للولايات المتحدة هي الصين وتقدمها الشديد وقدرتها ببساطة على زحزحة التفوق الامريكي من امامها واستبدال مكانته وبحيث تصبح امريكا في المركز الثاني أو حتى الثالث لو وضعنا الروس في المركز الثاني بالمساعدة الصينية لهم وقد تأتي كوريا الشمالية في المركز الثالث لو كان الحساب على منهج القوة النووية في العالم ، حيث لا يتم التقييم بعدد القنابل النووية المملوكة ولكن بمدى جاهزية وفاعليه الأداء لكل قنبلة على حدة.
لقد اثبت اداء الايرانيين في الحرب انهم خصم لا يستهان به وخاصة ان لديهم من التحالفات ما يجعل استطاعتهم اطالة امد الحرب وبالتالي النجاح في استنزاف امريكا إلى ابعد مدى وتحويل الدخول الامريكي في مستنقع الشرق الاوسط من مجرد وجود لحماية حليف له وهي الكيان الصهيوني ولو على حساب دول الخليج المنتجة للنفط والتي تعد الدجاجة التي تبيض ذهبا لترامب وتملأ خزانته بالاستثمارات والدعم السخي لخطواته المتسرعة غير المدروسة تحت وهم ما يطرحه من انني موجود لحماية عروشكم وهذا ما يطرحه عليهم وما يصدقونه خوفا من ضياع مصادر الثروات الكثيرة وبما يوفره النفط الذي هبط علي هذه الدول فحولها من مجرد محميات إلى دول يمكن الاستماع إلى كلماتها والطرح للاستفادة من خبراتها ولكن الحقيقة الاستفادة من خيراتها الغزيرة التي يعتقد صانع القرار الامريكي ان هذه الدول لا تستحق هذه الثروة في الاساس لان حكام هذه الدول ليس لهم أي حق في حكم الدول على الاطلاق.
ومن يطلع على استراتيجية الامن القومي لعام 2025 التي نشرها الرئيس الامريكي في 4 ديسمبر الماضي وقيل عنها إنها "خارطة طريق لضمان بقاء أمريكا أعظم وأنجح دولة في تاريخ البشرية وموطن الحرية على الأرض".
وضعت الوثيقة سياساته الخاصة بـ "أمريكا أولاً" في الطليعة، مشيرة إلى أنه "بعد نهاية الحرب الباردة، أقنعت نخب السياسة الخارجية الأمريكية أنفسهم بأن الهيمنة الأمريكية الدائمة على العالم بأسره كانت في مصلحة بلدنا.
ومع ذلك، فإن شؤون الدول الأخرى لا تعنينا إلا إذا كانت أنشطتها تهدد مصالحنا بشكل مباشر". ترفض الوثيقة حث الدول الأخرى على تبني "تغيير ديمقراطي أو اجتماعي آخر يختلف اختلافاً كبيراً عن تقاليدها وتاريخها".
تذكر الوثيقة أن الولايات المتحدة لم تعد بحاجة إلى إعطاء الأولوية لـ الشرق الأوسط بسبب تنوع إمدادات الطاقة، والتي كانت "السبب التاريخي" لتورط أمريكا. كما تقول إنه يجب على الولايات المتحدة التوقف عن "توبيخ" حلفائها في الشرق الأوسط، وتخص بالذكر "الممالك الخليجية".
ذكرت الاستراتيجية أن "أيام دعم الولايات المتحدة للنظام العالمي بأسره مثل أطلس قد ولت".
وتنتقد الوثيقة الهجرة، مشيرة إلى أن "الهجرة الجماعية استنزفت الموارد المحلية، وزادت من العنف والجرائم الأخرى، وأضعفت التماسك الاجتماعي، وشوهت أسواق العمل، وقوضت الأمن القومي. يجب أن ينتهي عصر الهجرة الجماعية".
كما تنتقد التجارة الحرة والعولمة، وتدعو الوثيقة إلى إعادة توجيه الجهود العسكرية الأمريكية نحو نصف الكرة الغربي، حيث تقول إنه يجب أن تكون الولايات المتحدة القوة المهيمنة، من أجل "السيطرة على الهجرة، ووقف تدفق المخدرات، وتعزيز الاستقرار والأمن في البر والبحر".
وتؤكد على "لازمة ترامب" (Trump Corollary) لـ مبدأ مونرو للإعلان أن الولايات المتحدة ستؤكد قوتها السياسية والاقتصادية والعسكرية على نصف الكرة الغربي. وتدعو إلى تعزيز خفر السواحل والبحرية الأمريكية من أجل "إحباط الهجرة غير القانونية وغيرها من الهجرات غير المرغوب فيها، والحد من الاتجار بالبشر والمخدرات، والسيطرة على طرق العبور الرئيسية في الأزمات".
على عكس استراتيجية 2022، لا تخص وثيقة 2025 الصين باعتبارها التحدي الأكبر للولايات المتحدة، وتؤطر العلاقة بشكل حصري تقريباً بمصطلحات اقتصادية.
وعلى عكس الوثائق السابقة في الثلاثين عاماً الماضية، فهي لا تذكر النظام السياسي للصين أو سجل حقوق الإنسان الخاص بها. فيما يتعلق بالصين، تدعو الوثيقة إلى "إعادة توازن العلاقة الاقتصادية الأمريكية مع الصين، مع إعطاء الأولوية للمعاملة بالمثل والعدالة لاستعادة الاستقلال الاقتصادي الأمريكي"، لكنها تذكر أيضاً أن "التجارة مع الصين يجب أن تكون متوازنة وتركز على العوامل غير الحساسة" وتفضل "الحفاظ على علاقة اقتصادية مفيدة للطرفين حقاً مع بكين".
وتذكر أن الولايات المتحدة تريد منع الحرب في المحيطين الهندي والهادئ، وأن الولايات المتحدة "ستبني جيشاً قادراً على دحض العدوان في أي مكان في سلسلة الجزر الأولى".
فيما يتعلق بـ تايوان، تذكر الوثيقة أن "ردع الصراع حول تايوان، بشكل مثالي من خلال الحفاظ على التفوق العسكري، يمثل أولوية" وأن الولايات المتحدة "لا تدعم أي تغيير أحادي الجانب للوضع الراهن في مضيق تايوان"؛ في السابق، كانت الولايات المتحدة تذكر أنها تعارض أي تغيير أحادي الجانب للوضع الراهن. وتصف السيطرة المحتملة على بحر الصين الجنوبي من قبل أي منافس بأنها تحدٍ أمني ذو صلة. تدعو الوثيقة الولايات المتحدة إلى حث اليابان وكوريا الجنوبية على زيادة تقاسم الأعباء، وهو ما قالت إنه "ضروري لردع الخصوم وحماية سلسلة الجزر الأولى". وعلى عكس وثائق استراتيجية الأمن القومي السابقة، لا تذكر الوثيقة كوريا الشمالية.
تؤكد الوثيقة ان وجود امريكا في منطقة الشرق الاوسط ليس بنفس درجة الاهمية القصوى التي كانت توليها له من قبل وخاصة فيما يتعلق بحماية اسرائيل وذلك بعد تدجين الحكومات الشرق اوسطية بل ومحو وجود دول بعينها في المنطقه مثل العراق وسوريا وتكبيل مصر بمعاهدة لايمكنها الفكاك منها رغم الخطاب الديماجوجي الفج للنظام المصري وضعف اقتصاده وتخوفاته من المعارضة التي يقمعها بالحديد والنار وكذلك سيطرته على الوضع الداخلي بإلهاء الناس في الغلاء وتغيير انماط السلوك المصري بحيث اصبح سلوكا استهلاكيا في الاساس ونفعيا في المقام الاول.
لم يعد على الساحة من قوى يمكن ان تشكل خطرا على اسرائيل في المنطقة نهائيا بل اصبحت اسرائيل تسيطر فعليا على الشرق الاوسط بالكامل والواقع يؤيد ذلك ففي هذه الحالة تؤكد الوثيقة ان التواجد الامريكي في المنطقة حاليا لا يستوجب ان توجه له امريكا جل جهدها ، والتطور التكنولوجي حاليا في مجال الطاقة قد يجعل من قوة النفط في المرحلة القادمة تتأخر تماما عن صدارتها في مجال الطاقة او في مجال الصناعات الحيوية التي يتصدرها حاليا وتصبح الاهمية الكبرى في المرحلة القادمة هي في مجال طاقة الذكاء الاصطناعي بما تعنيه هذه الكلمة من معنى.
الوثيقة تطرح على استحياء انها سوف تستبدل شرطي المنطقة بشرطي اخر ؛ فبعد ان كانت اسرائيل هي شرطي المنطقة امريكا بنفسها تعد ايران لتكون الشرطي القادم ولكنه سيكون شرطي بين قوسين ديجيتال بدل من الشرطي الديني الصهيوني ولكن الحقيقة الخافية ان الشرطي القادم سوف يدين بالولاء لكل من الصين وروسيا وليس امريكا وذلك في اطار اتفاق تبادل المواقف بين الديناصورات العالمية وبحيث تصبح منطقة جنوب شرق اسيا هي الملعب الجديد للشرطي الامريكي أو بمعن اصح تجهز حلبة صراع اخرى بين التنين الصيني والدب الروسي والنسر الأمريكي، ويطرح السؤال نفسه وماذا عن دول المنطقة في الشرق الاوسط ؟ سيقال انها سوف تتغير من نفسها وتعيد تشكيل ملامحها وخاصة فيما يتعلق بمنطقة العراق والشام وسيتم ضم دول وتفكيك دول وانتهاء دور دول وبروز دور دول اخرى فماذا ستحمل الايام بين طياتها ، هذا سؤال يحتاج إلى تفكير اخر .
-------------------------------------
بقلم: إبراهيم الدسوقي






