21 - 03 - 2026

إيران تكسر غطرسة الاغتيالات.. وتفشل رهان أمريكا وإسرائيل

إيران تكسر غطرسة الاغتيالات.. وتفشل رهان أمريكا وإسرائيل

لم تكن صدمة الثامن والعشرين من فبراير 2026 مجرد عملية عسكرية عابرة، بل كانت محاولة "إعدام سياسي" متكاملة الأركان، استهدفت اجتثاث العقل المدبر للدولة الإيرانية وتفريغ نظامها من رمزيته الروحية والعسكرية. فمن اغتيال قمة الهرم، المرشد علي خامنئي، إلى تصفية نخبة القادة الأمنيين والعسكريين، راهنت أمريكا وإسرائيل على "سقوط حر" للجمهورية الإسلامية في فخ الفوضى والانقسام.

لكن، ومع مرور ثلاثة أسابيع على انطلاق شرارة العدوان، تبدلت الحسابات رأساً على عقب؛ فبينما كانت الصواريخ الباليستية الإيرانية تحيل 17 قاعدة أمريكية في المنطقة إلى ركام، كانت الجبهة الداخلية في طهران تسجل "تلاحماً وطنياً" غير مسبوق، أجهض أحلام "الانقلاب من الداخل" وبتر أصابع التجسس التي ظنت أنها أحكمت قبضتها على مفاصل القرار.

** جبهة لا تنكسر  

رد الفعل الشعبي تمثل بخروجه يومياً للشوارع دعماً لنظامهم، ولم يضعفه استهداف المتظاهرين لتأييد النظام من طيران العدو، واغتيال تلاميذ المدارس والمدنيين في منازلهم، وعمال المصانع، والرياضيين، والكوادر الطبية، ولم يتمرد المعارضين ولم ينقلبوا على النظام، حتى أن الحزب الشيوعي المعارض أصدر بياناً يدين العدوان، ويعلن التضامن والوحدة في مواجهة العدوان الغاشم.

ومن أبرز مشاهد تمسك الإيراني بأرضه، عودة 4 لاعبات وإدارية بمنتخب كرة القدم النسائية لطهران، بعد سحب طلبات لجوئهن في أستراليا، حيث شاركن في كأس آسيا، اللاعبات والإدارية وصلن  يوم الأربعاء (18 مارس 2026) إلى معبر "غوربولاك-بازركان" الحدودي بين تركيا وإيران، بعد مغادرة أستراليا متوجهاتٍ لكوالالمبور الماليزية، ثم سلطنة عُمان، ثم إلى إسطنبول، ومنها إلى مدينة إغدير شرقي تركيا، ثم استقلت اللاعبات حافلة للحدود الإيرانية التركية، وهنّ يرتدين زي المنتخب الوطني الإيراني، ومن جانبه قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، "عودتهن خيّبت أعداء الجمهورية الإسلامية ولم يستسلمن لخداع وترهيب العناصر المعادية لإيران"، فيما قال رئيس الاتحاد الإيراني لكرة القدم مهدي تاج "رغم أنهن نساء، فقد أظهرن شجاعة وقوة رجولية".

** فاتورة الدم

 دفع الشعب الإيراني فاتورة بشرية باهظة، لاستقرار بلاده، وعدم إخضاعها للهيمنة الأمريكيةـ الإسرائيلية،  إذ تقدر تقارير محلية ودولية (خلال الفترة من 28 فبراير إلى 20 مارس 2026) عدد الشهداء المدنيين بنحو 1300 مدني، وقرابة 2000 عسكري من الحرس الثوري والبسيج والقوات المسلحة, فيما بلغ عدد المصابين 18 ألف مصاب، وفقاً لبيان الهلال الحمر الإيراني، والذي كشف عن إصابة 70 ألف منشأة مدنية، و251 مركز صحي، و498 مدرسة، و17 مركز تابع للهلال الأحمر، نتيجة استهداف المدارس والمنازل والمناطق الصناعية والنفطية والموانئ، واستهداف متعمد للمستشفيات لإحداث انهيار في القطاع الصحي، فيما ذكرت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية فاطمة مهاجراني، أن الهجمات أصابت 18180 شقة سكنية ومحل تجاري، واستشهاد226  امرأة و204  أطفال، و17 كادراً طبياً و206  من المعلمين والطلاب.. وأن الهجوم على مجمع قضائي في "لرستان" أسفر عن مقتل 14 شخصا بينهم قاضيان و10 مدنيين.

** ميدان الاستنزاف

يبدو من حرب الاغتيالات، التي يمتاز بها الصهيو أمريكي، أن خسائرهم كبيرة، وأن الصواريخ والمسيرات الإيرانية حققت نتائج غير متوقعة ومؤلمة، فقد تمكنت صواريخ ومسيرات إيران من تدمير، وإخراج 17 قاعدة أمريكية بالخليج والأردن والعراق وسوريا من الخدمة، وإسقاط 3 طائرات "إف 15" في سابقة أولى لسلاح الجو الأمريكي، وطائرة تزويد بالوقود في العراق، وإصابة أخرى تمكنت من الوصول لتل أبيب، وإسقاط طائرة "إف 35"، فضلا عن إسقاط مسيرات صهيوأمريكية في سماء إيران، ناهيك عن إعلان طهران مقتل وإصابة 650 من الجيش الأمريكي، الذي اعترف بمقتل 13 جندي، بينهم 6 من طاقم طائرة التزود بالوقود سقطت في العراق، و7 في عمليات أخرى، وإصابة قرابة 210 جنود، فيما يقول الاحتلال الإسرائيلي "إن الهجمات الإيرانية أدت لمقتل 19، وإصابة و3924 ـ وفقا لبيانات وزارة الصحة الإسرائيلية ـ جراء الصواريخ والمسيرات الإيرانية المباشرة أو الشظايا، مع وجود تعتيم عسكري مشدد ورقابة على نشر الحصيلة الدقيقة للقتلى والمصابين، خاصة بين العسكريين، وتسببت الصواريخ الباليستية الإيرانية في دمار هائل في بعض المناطق، بما في ذلك انهيار مباني في تل أبيب وإصابة مواقع عسكرية، وموانئ، ومصافي النفط، كما ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن الصواريخ الإيرانية تسببت بانقطاع التيار الكهربائي عن أحياء واسعة في منطقة "الكريوت" وضواحي حيفا، وتضرر 54 ألف من الممتلكات، ومن الواضح أن الصهيوأمريكي يتكتم على خسائره.

بخلاف ذلك، فقد أوضحت صحيفة " واشنطن بوست" الخميس 19 مارس 2026، أن البنتاجون يطالب بأكثر من 200 مليار دولار من الكونغرس لتمويل الحرب على إيران، وهو مبلغ يفوق التكاليف الحالية بكثير.. وقد بلغت التكاليف الأولية مستويات مرتفعة بالفعل، حيث تجاوزت 11 مليار دولار في الأسبوع الأول وحده.. وسيُخصص هذا المبلغ بشكل رئيسي لاستبدال الأسلحة وزيادة الإنتاج بعد استخدامها المكثف في الضربات، ولمحت "واشنطن بوست" بأن طلب البنتاجون ليس لديه فرصة للموافقة في الكونجرس، وتوقعت نشوب صراع سياسي حاد، خاصة مع ضعف التأييد الشعبي، وانقسام المشرعين.. يأتي طلب البنتاجون في وقت قدرت فيه وسائل إعلام وخبراء أمريكيين، إنفاق واشنطن مليار دولار يوميا على الحرب.. فيما قالت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية إن تكلفة الحرب على إيران  تكلفت في أسابيعها الثلاثة الأولى 19 مليار شيكل، علماً بأن الموازنة المستهدفة للحرب قدرت بـ 39 مليار شيكل.

** بتر أصابع التجسس    

لم تكن دقة الاغتيالات وليدة تفوق تقني جوي فحسب، بل نتاج خلل أمني داخلي استثمر فيه العدو لسنوات، وأمام ذلك الخرق قامت الأجهزة الأمنية الإيرانية بالتوازي مع الرد العسكري بأكبر عملية لمكافحة التجسس، أسفرت عن إعدام 4 جواسيس ثبت تورطهم في تسريب إحداثيات منزل المرشد الشهيد، ومقر لاريجاني، ورئيس الاستخبارات، وقادة البسيج.. وكشف شبكة اتصالات أنشأتها المخابرات الأمريكية والموساد للتواصل مع جواسيسهم، كما تم ضبط 32 جهاز إرسال متطور عرفت بشبكة البيكونز، تم زرعها بجانب منازل قادة ومقرات البسيج، وهي أجهزة بحجم علبة الكبريت تقوم بتوجيه الصواريخ عبر ليزر غير مرئي، كما كشفت التحقيقات أن بعض أجهزة الاتصال التي دخلت الخدمة بداية عام 2026، كانت مفخخة برمجيا سمحت للموساد بالتصنت على الاجتماعات السرية قبل القصف، ناهيك عن تفكيك قرابة 120 خلية في 26 محافظة، والقبض على أكثر من 500 عميل، بينهم 55 عنصرا قدموا خدمات لوجستية ميدانية، كانت تعمل في دوائر قريبة من مراكز القرار، وكانوا يستخدمون شرائح اتصالات دولية مهربة لتحديد المواقع، و 15 كانوا يعملون في مناصب إدارية داخل منشآت حيوية، و 14 مبرمج كانوا يعملون في شركات متعاقدة مع الدولة، ثبت تورطهم بتسريب البرتوكلات الأمنية للمرشد الشهيد وقادة إيران.    

** صدمة أمريكا وإسرائيل

لقد صدمت إيران العدوان، بتمسك جبهتها الداخلية والرد على العدوان بسرعة فاقت توقعات ترامب والنتن ياهو، رغم تعرضها لـ 16 ألف هجمة شملت أنحاء الجمهورية، استهدافت خلالها 130 بنية عسكرية، وفقا لتقارير إعلامية إسرائيلية وأمريكية نقلا عن عسكريين بالبلدين، إلا أن النظام الإيراني لم يسقط، ويبدو أنه لن يستسلم، فلا زالت صواريخها الباليستة والمسيرات تستهدف القواعد الأمريكية في الخليج والعراق وسوريا والأردن وفلسطين المحتلة. ولكن الرئيس الأمريكي قال يوم الخميس (19 مارس 2026) "هناك حالات فرار، وانشقاق على جميع المستويات في صفوف قوات النظام الايراني".

وفي الوقت الذي يقول فيه رئيس وزراء الاحتلال أن إيران لم تعد قادرة على امتلاك سلاح نووي وانتاج صواريخ، وإنها فقدت قدراتها العسكرية، يرد عليه زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد "الإعلان عن تدمير صناعة الصواريخ الإيرانية بينما تتساقط الصواريخ خلال خطابك، هو استخفاف بالإسرائيليين". وفي ذات الوقت أكد الحرس الثوري الإيراني استمرار إنتاج الصواريخ رغم الحرب.

ومن جانبه أكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف في تدوينة له على موقع "إكس" (يوم الثلاثاء 10 مارس 2026) إن بلاده لا تسعى لوقف إطلاق النار، وأن إسرائيل وأمريكا تعتمدان على دورة الحرب، والمفاوضات، ووقف إطلاق النار، ثم الحرب مجدداً للحفاظ على هيمنتهما، وقال إن إيران ستكسر هذه الدورة.

--------------------------------------

تقرير ـ محمد الضبع