22 - 03 - 2026

على أعتاب السيدة فاطمة النبوية.. حين يُثاب المرء رغم أنفه

على أعتاب السيدة فاطمة النبوية.. حين يُثاب المرء رغم أنفه

"يُثاب المرء رغم أنفه".. مقولة لطالما ترددت على المسامع كأثرٍ يحث على الخير، لكنني لم أدرك جوهرها إلا بالأمس؛ في ليلةٍ رمضانيةٍ استثنائية، بكت فيها الروح وهي تتهيأ لوداع شهرٍ لا يشبه سواه.

فهل جربتم يومًا شعور أن يناديكم مكانٌ ما؟ مكانٌ يسكن في ثنايا الذاكرة منذ سنوات بعيدة، حين كنتُ طفلةً أتشبث بطرف ثوب جدتي، التي كانت تعشق زيارة "ستنا فاطمة النبوية" (السيدة فاطمة بنت الحسين بن علي رضي الله عنهم جميعًا). ارتبطتُ بهذا المقام منذ فجر عمري، ثم كبرتُ فصرتُ أزوره مع زوجة عمي وخالتي، التي كانت تصرُّ أن نؤدي صلاة العيد في تلك الرحاب المباركة. وبعد رحيلهما، انقطعتُ عن الزيارة لسنواتٍ طوال، رغم شوقٍ دفين وحنينٍ غامض ظل يسكنني ولم يغادر الوجدان.

اليوم، وبعد عقود من الغياب، شعرتُ بنداءٍ خفيٍّ يلحُّ عليّ، كأنه يهمس: "اشتقنا إليكِ.. فعودي". لم تكن مجرد رحلة عابرة، بل كانت ترتيبًا إلهيًا دقيقًا بدأ بمكالمة بسيطة من ابنة خالتي: "ما رأيك أن نصلي العشاء اليوم عند بنت الحسين.. ستنا فاطمة النبوية؟" كانت تلك الدعوة صدىً لنداءٍ ظل ساكنًا طوال سنوات الغربة عن المكان، فوافقتُ على الفور، وكأنني أستجيب لقدرٍ ينتظرني.

حين وصلتُ، أصررتُ أن أقطع الطريق إلى المسجد مشيًا رغم بُعد المسافة؛ لم تكن رغبةً في الرياضة، بل كانت استعادةً للأرض خطوةً خطوة. كانت الشوارع ممتلئةً بي؛ بضحكاتي القديمة، بوجوهٍ غابت ملامحها وبقيت أرواحها ترفرف حول الأبنية العتيقة، ودكاكين صغيرة كنا نشتري منها يومًا "حلوى الطفولة". كان المكان يحاورني بإحساسٍ دافئ، وحين وطأت قدماي العتبة، لم أشعر أنني دخلت مكانًا غريبًا، بل انغمستُ في حالةٍ من السكينة أعرفها جيدًا، وكأن الزمن وقف هناك ينتظرني بعيدًا عن صخب الحياة بظاهره، ليحتويني بجوهره.

صلّينا العشاء، وكان صوت الإمام رخيمًا يملأ الأرجاء بالدعاء وتكبيرات العيد. ذكرنا بأننا في "يوم الختام"، حيث تُرفع طاعات الشهر، وأن العبرة دائمًا بالخواتيم، ثم أردف: "خير ما نختتم به عبادتنا صلاة التسابيح". هنا.. توقفتُ مذهولة! أَصلاةُ التسابيح الآن؟ تلك التي لم أصلِّها منذ ربع قرن؟ تلك التي مرّت بخاطري منذ أيام فاعتذرتُ عنها في داخلي، وأجلتها بحجة التعب وضيق الوقت؟

فهمتُ حينها أنني كنتُ أتوهم أنني من يختار التوقيت، فإذا بالتوقيت هو الذي يختارني. بقيتُ لا بقرارٍ مني، بل لأن شيئًا في داخلي أسكت كل تردد، كأن الله بلطفه الخفي أخذ بيدي وأوقفني حيث يجب أن أكون. هنا تتجلى فلسفة "يُثاب المرء رغم أنفه" كأجمل ما يكون اليقين؛ فهي ليست مجرد عبارة، بل تجربة وجودية ندرك فيها حدودنا البشرية، ثم نجد أنفسنا قد تخطيناها بمددٍ لا نعلم مصدره.

نحن كثيرًا ما نخطئ فهم الطريق إلى الله، نظنه قائمًا على قدرتنا وحساباتنا، لكن الحقيقة الأعمق أن هناك "نداءات قديمة" تسكننا، يوقظها الخالق في اللحظة التي يختارها، ويسوقنا بها إليه سوقًا رحيمًا. لقد كانت تلك الصلاة هديةً لم أطلبها، لكنها جاءت كاملة، وكأن الله يقول: "رأيتُ شوقكِ وإن أخفيتِه، فعوضتكِ عن ترددكِ، وأعنتكِ رغم كسلكِ، سبحانه وتعالى هو الكريم".

غادرتُ المسجد وعيناي تحتضنان المكان بكل تفاصيله، وكأنني أودع أهلًا لم أرهم منذ دهر. وقبل الرحيل، وقفتُ وقفةَ شكرٍ وتواصلٍ في حضرة المقام، شعرتُ بعدها بإحساس طفلةٍ حصلت على "أكبر عيدية" قبل أوانها. كانت رحلة عودتي مشيًا، رغم زحام ليلة العيد، رحلةً تفيض بالطمأنينة التي سكنت روحي فجأة؛ فالمسافة لم تعد عبئًا، بل كانت نزهةً في رحاب الرضا. وفي طريقي إلى المنزل، عقدتُ عهدًا ألا أنقطع عن تلك الزيارة بعد الآن.

ما أكرمك يا رب.. تنادينا من أماكن ظننا أننا غادرناها، وتردّنا إلى أنفسنا قبل أن نصل إليك، وتكتب لنا الأجر.. حتى حين نظن أننا لا نستطيع.

ما حدث جعلني أدرك أن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تفعل الطاعة لأنك خططت لها، وأن تجد نفسك فيها لأن الله أراد لك ذلك. في الأولى تشعر بجهدك، وفي الثانية تشعر بفضله سبحانه عليك، والأثر مختلف تمامًا؛ لأن ما يأتيك بفضل الله يبقى أثره أعمق، وأهدأ، وأكثر رسوخًا في القلب.

ربما لهذا، تكون أجمل اللحظات الإيمانية تلك التي لم نحسب لها حسابًا؛ لحظات نجد أنفسنا فيها في المكان الصحيح، في الوقت الصحيح، نفعل الشيء الذي كنا نظن أننا لن نستطيع أن نفعله الآن. هناك فقط نفهم أن الطريق إلى الله ليس دائمًا صعودًا شاقًا، بل أحيانًا يكون سحبًا رفيقًا، نُساق إليه سبحانه لنُثاب رغمًا عنا.

------------------------------------

بقلم: سحر الببلاوي

مقالات اخرى للكاتب

على أعتاب السيدة فاطمة النبوية.. حين يُثاب المرء رغم أنفه