22 - 03 - 2026

الجبهة الخلفية: استحقاقات ديون 2026 في قبضة نيران الشرق الأوسط

الجبهة الخلفية: استحقاقات ديون 2026 في قبضة نيران الشرق الأوسط

في خضم تصعيد عسكري غير مسبوق يشهده الشرق الأوسط، حيث تتقاطع الضربات الأمريكية الإسرائيلية مع الردود الإيرانية، ويُغلق مضيق هرمز أمام حركة ناقلات النفط العملاقة، تجد مصر نفسها فجأة في قلب عاصفة مزدوجة لا تقل ضراوة عن الحرب ذاتها، فبينما تخوض المنطقة واحدة من أخطر مواجهاتها منذ عقود، تواجه القاهرة اختباراً وجودياً مركباً: الأول يتعلق بصمود اقتصادها الذي يقف على حافة فجوة تمويلية هي الأضخم في تاريخها الحديث، حيث تشير بيانات البنك الدولي إلى أن إجمالي مدفوعات الدين الخارجي المستحقة على مصر خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في سبتمبر 2026 يبلغ نحو 66.6 مليار دولار، تتركز الكتلة الأكبر منها بواقع 28.24 مليار دولار في الربع الأول من العام وحده، أي ما يعادل أكثر من ثلث إجمالي الاستحقاقات السنوية خلال ثلاثة أشهر فقط، وتستحوذ مصر وحدها على نحو ثلث إجمالي استحقاقات الديون الأفريقية لعام 2026، البالغة أكثر من 90 مليار دولار، بما يعادل 27 مليار دولار من هذه الاستحقاقات

أما الاختبار الثاني فيتعلق بقدرة الدولة على حماية جبهتها الداخلية من التداعيات الكاسحة لحرب إقليمية تعيد رسم خريطة الطاقة والتجارة في الشرق الأوسط، حيث يمثل مضيق هرمز شرياناً حيوياً يمر عبره نحو 20 مليون برميل نفط يومياً، أي ما يقارب 20% من إجمالي استهلاك النفط العالمي، إلى جانب ربع إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية، وأي اضطراب في حركته لا يقتصر تأثيره على أسعار الطاقة فحسب، بل يمتد إلى شلل سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف التأمين البحري إلى مستويات فلكية، وقد حذر الرئيس عبد الفتاح السيسي بنفسه من أن إغلاق المضيق "سيؤثر على تدفقات البترول والأسعار"، معترفاً بأن مصر التي لم تعد حركة الملاحة في قناة السويس إلى مسارها الطبيعي منذ أحداث أكتوبر، تتكبد خسائر مادية متزايدة وتدرس كل الاحتمالات والسيناريوهات الممكنة

والأكثر إيلاماً أن هذه الحرب تشتعل في توقيت هو الأسوأ على الإطلاق، إذ تعاني أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان بالفعل من عبء دين ثقيل، استهلكت مدفوعات الفوائد وحدها نحو نصف الإنفاق الحكومي في العام المالي الحالي، بينما ظل التضخم في خانة العشرات بعد أن بلغ ذروته عند 38% في سبتمبر 2023، ومع لجوء مصر إلى مشتريات أجنبية قصيرة الأجل من أذون الخزانة، التي تعرف باسم "الأموال الساخنة"، لسد عجزها الكبير في الميزانية، قدرت التخارج من المحافظ الاستثمارية منذ بداية الحرب بنحو خمسة إلى ثمانية مليارات دولار، مما ساعد بالفعل في خفض قيمة الجنيه المصري إلى أكثر من 52 جنيهاً مقابل الدولار من حوالي 47 جنيهاً قبل الحرب

وهكذا يتحول النصف الأول من عام 2026 إلى مفترق طرق مصيري، حيث تلتقي استحقاقات الديون الضاغطة مع نيران حرب إقليمية تعصف بمصادر الدولار الرئيسية: من إيرادات قناة السويس التي لم تتعاف بعد، إلى عائدات السياحة المهددة، وتحويلات المصريين في الخارج التي ترتبط باستقرار اقتصادات الخليج، وصولاً إلى الصادرات التي تراجعت أذونها بنسبة 77% في الأيام الثلاثة الأولى من الحرب، فهل تستطيع مصر، باقتصادها المثقل بالديون والموارد المحدودة، أن تنجو من قبضة هذا التقاطع الخطير بين حرب خارجية تعيد تشكيل الإقليم واختبار داخلي مصيري يحدد ملامحها الاقتصادية لعقود قادمة؟

أولاً: صاعقة ثلاثية الجبهات: كيف تشعل حرب الخليج النار في عصب الاقتصاد المصري؟

لم تكن الحرب الإقليمية المشتعلة على بعد ألفي كيلومتر مجرد خبر عاجل يتابعه المصريون في نشرات الأخبار، بل كانت صاعقة متعددة الرؤوس تضرب مفاصل الاقتصاد الوطني في توقيت بالغ الدقة، فمع إغلاق مضيق هرمز وإطلاق أولى الطلقات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية باتجاه إيران، لم يمضِ سوى أيام قليلة حتى بدأت التداعيات تتسرب كالنار في الهشيم إلى الداخل المصري، حاملة معها موجات متتالية من الصدمات التي لم تكن في حسبان أحد، فجأة، وجدت مصر نفسها على خط النيران الاقتصادية المباشر، ليس بوصفها طرفاً في الصراع، بل بوصفها أكثر دول المنطقة هشاشة أمام تقلبات أسواق الطاقة واضطراب الممرات الملاحية وفرار الأموال الساخنة، وكأن القدر أراد أن يختبر قدرة أعرق دولة عربية على الصمود في وجه عاصفة كاملة الأركان، قبل أشهر قليلة فقط من موعد استحقاق ديون هو الأضخم في تاريخها الحديث.

فصدمة الطاقة؛ هي فاتورة مستوردة تضرب الموازنة، حيث يمثل إغلاق مضيق هرمز، الذي يضيق عند أضيق نقطة فيه إلى 33 كيلومتراً فقط - منها ميلان بحريان فقط صالحان للملاحة - كارثة متكاملة الأركان لمصر التي تعتمد على استيراد نحو ربع احتياجاتها من المنتجات البترولية، فالمضيق تحول فجأة إلى بوابة نار تطل منها أسعار الخام على مستويات غير مسبوقة، وما إن أغلقت إيران المضيق في 2 مارس، حتى قفزت أسعار برنت إلى 119 دولاراً للبرميل في غضون أسبوع، قبل أن تستقر فوق 90 دولاراً، تاركة الحكومة المصرية أمام معادلة مستحيلة: موازنة بنيت على سعر 75 دولاراً للبرميل، وكل دولار زيادة يعني 4 مليارات جنيه إضافية على فاتورة الاستيراد

وفي صباح 10 مارس، انهار ذلك التعهد الحكومي الذي قطعه رئيس الوزراء في أكتوبر الماضي بتثبيت الأسعار لعام كامل "ما لم تقع أحداث إقليمية كبرى"، لتعلن وزارة البترول عن زيادة هي الأكبر في تاريخ مصر، بنسب تراوحت بين 14.3% للبنزين 95 وصولاً إلى 30% لأسطوانات البوتاجاز وغاز السيارات، وبررت الوزارة القرار بأن الاضطرابات في سلاسل الإمداد وتكاليف الشحن والتأمين القياسية رفعت تكلفة الاستيراد والإنتاج المحلي إلى مستويات لا يمكن للموازنة تحملها، ولكن الأكثر إيلاماً هو أن هذه الزيادة، التي رفعت سعر لتر السولار الحيوي لقطاعات النقل والزراعة إلى 20.5 جنيه، لن تقف عند محطات الوقود، بل ستنساب كالنار في الهشيم إلى كل سلعة وخدمة، من تكلفة نقل الخبز إلى فاتورة كهرباء المصانع، في وقت يعاني فيه المواطنون من تضخم شهري قفز إلى 2.7% في فبراير بعد أن كان 1.2% في يناير .

 

والمفارقة أن الحكومة نفسها تعترف بأن ما تفعله هو مجرد "إجراءات استباقية مؤقتة" في انتظار انحسار العاصفة، لكنها في الوقت نفسه تبحث عن تمويل ميسر لدعم موازنتها المنهكة، علماً بأن المتغير الوحيد في المعادلة لم يعد سعر البرميل فحسب، بل أيضاً سعر صرف الجنيه الذي فقد 9% من قيمته منذ بداية الحرب، ليضاعف فاتورة الاستيراد من اتجاهين: ارتفاع سعر السلعة بالدولار، وارتفاع سعر الدولار نفسه بالجنيه، وهكذا تتحول صدمة الطاقة من مجرد رقم في الموازنة إلى اختبار يومي لقدرة ملايين المصريين على تدبير نفقات الانتقال إلى أعمالهم

أما قناة السويس؛ شريان الدولار الذي أصبح في مرمى النيران، ففي اللحظة التي أغلقت فيها إيران مضيق هرمز، لم تكن قناة السويس قد التقطت أنفاسها بعد من كبوة عامين قاسيين، خسرت خلالهما نحو 9 مليارات دولار من إيراداتها منذ اندلاع توترات البحر الأحمر في أواخر 2023، فبعد أن سجلت القناة إيرادات قياسية بلغت 10.3 مليار دولار في 2023، هوت إلى 4 مليارات فقط في 2024، مع تراجع عدد السفن العابرة من أكثر من 26 ألف سفينة إلى نحو 13 ألفاً، أي بانخفاض تجاوز النصف، وكان رئيس الهيئة قد حذر من أن إيرادات 2025 قد تشهد تراجعاً إضافياً بنسبة 66% إذا استمرت الاضطرابات

ولكن ما يحدث اليوم مختلف وأشد خطورة، فمع إغلاق المضيق وإعلان كبرى شركات الشحن، مثل ميرسك، الانسحاب مجدداً من المنطقة، حذر خبراء اقتصاد النقل من أن "التهديد لم يعد يقتصر على البحر الأحمر، بل امتد ليغلق المنبع ذاته"، حيث تتجه ناقلات النفط والحاويات التي كانت تنتظر عبور هرمز إلى إعادة توجيه مساراتها بالكامل، متجهة نحو رأس الرجاء الصالح في رحلة أطول قد تصل إلى 15 يوماً إضافياً، مما يضاعف استهلاك الوقود وتكاليف التشغيل وأقساط التأمين التي قفزت لمستويات قياسية.

والرئيس عبد الفتاح السيسي نفسه وصف الموقف في كلمته الأخيرة بأنه "تطورات كبرى وسريعة" تتطلب دراسة كل الاحتمالات، معترفاً بأن الملاحة في القناة لم تعد إلى طبيعتها منذ 7 أكتوبر 2023، وأن أي تصعيد إضافي سيؤثر حتماً على تدفقات البترول والأسعار، وما يعنيه ذلك من خسائر مادية متزايدة لمصر، ويحذر خبراء من أن تحول مسار التجارة العالمية بعيداً عن المضيق قد يعني "أزمة مضاعفة" للقناة، التي كانت تأمل في تعافٍ تدريجي بعد عودة بعض الخطوط الملاحية في أواخر 2025، لتفاجأ بإغلاق الممر المائي الأكثر حيوية في العالم، وارتفاع تكاليف التشغيل إلى مستويات تجعل عبور السفن من البحر الأحمر مرة أخرى غير مجدٍ اقتصادياً لأي شركة

وفي هذا السياق المركب، لم تعد قناة السويس مجرد شريان للدولار يعاني من نزيف مستمر، بل أصبحت رهينة مباشرة لحرب إقليمية تعيد رسم خرائط الطاقة والتجارة، في وقت تحتاج فيه مصر إلى كل قرش من عائداتها الدولارية لمواجهة استحقاقات ديون غير مسبوقة تتركز في النصف الأول من 2026، وأي تراجع جديد في حركة الملاحة، مهما كان محدوداً، يعني ضربة قاسية لمصدر رئيسي من مصادر العملة الصعبة، في معادلة باتت فيها الخسائر المحققة تتصاعد مع كل يوم يمضي من عمر هذه الحرب العبثية.

غير أن التأثير الأوسع والأكثر صمتاً كان في قطاعي التصدير والاستثمار، حيث تحولت الحرب الإقليمية إلى نزيف تدريجي لكنه عميق، فمع إغلاق المجال الجوي واضطراب حركة الملاحة في الموانئ الخليجية، وجدت الصادرات المصرية الزراعية الطازجة، خاصة الخضروات والفواكه المتجهة إلى الخليج وجنوب شرق آسيا، نفسها عالقة في مهب الريح، ويشرح المهندس علي عيسى، رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين، أن طبيعة هذه السلع القابلة للتلف تجعلها الأكثر تأثراً بالأزمة، فالحاصلات الزراعية الطازجة لا تنتظر، وحين توقفت الرحلات الجوية وتعطلت سلاسل الإمداد، أصبح المصدرون أمام خيارين مستحيلين: إما خسارة الشحنة بالكامل، أو البحث عن مسارات بديلة أطول وأكثر تكلفة مثل طريق رأس الرجاء الصالح الذي يضيف نحو 28 يوماً إضافية للرحلة ويرفع تكلفة الحاوية الواحدة بمئات بل آلاف الدولارات، وتشير البيانات الرسمية إلى أن متوسط نوالين الشحن للحاويات القادمة من جنوب شرق آسيا إلى موانئ الإسكندرية قد يقفز من 2000 دولار في الربع الأول إلى 3500 دولار في الربع الثاني من 2026، في زيادة تصل إلى 75% خلال أشهر قليلة، فيما ترتفع تكلفة الحاويات القادمة من شرق المتوسط بنسبة 375%، من 400 دولار إلى 1900 دولار للحاوية الواحدة، وهذا الارتفاع الجنوني في التكاليف يهدد بخسائر فادحة للمصدرين، الذين لا تستطيع الموازنة العامة تعويضهم في ظل الضغوط المالية الهائلة التي تواجهها الدولة.

أما على جبهة الاستثمار، فقد كانت الصدمة أسرع وأقسى، فمع أولى الطلقات العسكرية، بدأت الأموال الساخنة بالهروب السريع من المنطقة، مدركة أن المخاطر الجيوبوليتيكية المتصاعدة تجعل البقاء في الأسواق الناشئة مضاربة عالية الخطورة، وترجمت البورصة المصرية هذا الهروب بأرقام صارخة: ففي الأسبوع المنتهي في 6 مارس 2026، سجل الأجانب صافي بيع بلغ 2.9 مليار جنيه، بينما سجل العرب صافي بيع بقيمة 75.7 مليون جنيه، لتخسر البورصة نحو 33.9 مليار جنيه من رأسمالها السوقي في أسبوع واحد، مع تراجع المؤشر الرئيسي بنسبة 3.45% ليغلق عند 47516 نقطة، ويشرح خبراء سوق المال أن ما يحدث ليس مجرد تخارج عابر، بل إعادة تقييم جذرية للمخاطر من قبل المؤسسات الاستثمارية الكبرى، التي تسارع إلى تخفيف أوزانها الاستثمارية في المنطقة لحماية محافظها من أي تصعيد محتمل، ويحذرون من أنه إذا استمرت الحرب لفترة طويلة، فإن التداعيات ستتجاوز البورصة لتطال سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة وإيرادات قناة السويس والسياحة، في حلقة مفرغة تعيد الضغط على الجنيه الذي فقد بالفعل نحو 9% من قيمته منذ بداية الأزمة

ثانياً: أزمة تمويل تحت النار: حين تلتقي استحقاقات 2026 مع صواريخ الخليج

في عدد سابق للمشهد بتاريخ 5/ 122025، وتحت عنوان "الفخ الاقتصادي لعام 2026: هل تنجح مصر في تفكيك قنبلة الديون السائلة؟"، استعرضنا بالتفصيل طبيعة الفجوة التمويلية غير المسبوقة التي تنتظر مصر في النصف الأول من هذا العام، وخلصنا آنذاك إلى أن البلاد تواجه استحقاقات دولارية ضخمة تقدَّر بعشرات المليارات، نصفها تقريباً ودائع قصيرة الأجل أشبه بقنبلة سيولة موقوتة، يعتمد بقاؤها على تجديد شركاء خارجيين لقراراتهم في اللحظة الأخيرة، وكان السؤال المطروح حينها يدور حول قدرة مصر على تدبير هذه المبالغ في وقت السلم النسبي، فكيف الحال اليوم وقد اشتعلت المنطقة بحرب مفتوحة تغلق المضائق وتشعل أسعار الطاقة وتفرق الأموال الساخنة؟

وما كان مجرد اختبار صعب لإدارة مالية دقيقة، تحول فجأة إلى معركة وجودية على جبهتين، فالحرب الإقليمية المشتعلة لم تأتِ كعامل خارجي منفصل، بل تداخلت مع الفجوة التمويلية في حلقة مفرغة مركبة: الحرب ترفع تكاليف الاستيراد وتخفض إيرادات الدولار، مما يوسع الفجوة ويزيد الحاجة إلى التمويل، وفي الوقت نفسه ترفع مخاطر المنطقة في تكلفة الاقتراض وتجعل المستثمرين يحجمون عن تجديد ودائعهم أو شراء سندات جديدة، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن بقسوة أكبر: كيف ستؤثر هذه النيران المتقاطعة على معادلة 2026، وهل لاتزال روشتة النجاة التي ناقشناها قابلة للتطبيق في ظل هذا السيناريو الأسوأ؟

في اللحظة التي انطلقت فيها أولى الطلقات العسكرية في سماء الخليج، لم تكن جبهات القتال وحدها هي التي اشتعلت، بل امتدت النيران لتحرق معها فرص مصر في تدبير الدولار عبر الأسواق الدولية، فتحولت أبواب التمويل التي كانت مشرعة إلى حواجز من الصعب اختراقها، ففي غضون أيام قليلة من اندلاع التصعيد، انقلبت معادلة الثقة الاستثمارية رأساً على عقب؛ فبعد أن كانت تقارير البنك المركزي تشير إلى تراجع ملحوظ في فروق مبادلات مخاطر الائتمان السيادي لمصر إلى أدنى مستوياتها منذ خمس سنوات خلال الربع الرابع من 2025، مما كان يعكس عودة تسعير المخاطر إلى مسارها الطبيعي وتعزيز الثقة الخارجية في قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها، إذا بالحرب تعيد رسم خريطة المخاطر من جديد، فترتفع أقساط التأمين على الديون المصرية وتقفز تكلفة الاقتراض إلى عنان السماء.

ولم يعد المستثمرون الدوليون، الذين كانوا يتهافتون على أذون الخزانة المصرية بعوائد تجاوزت 30% قبل الأزمة، ينظرون إلى العائد المرتفع بنفس الشهية، بل تحول تركيزهم بالكامل إلى "مخاطر عدم السداد" التي فرضتها الحرب، فقد اضطر البنك المركزي المصري إلى رفع الفائدة على أدوات الدين الحكومية إلى نحو 30% تحت ضغوط المستثمرين، الذين طالبوا بزيادة الفائدة عن هذه المستويات والعودة بها إلى المعدلات القياسية التي فاقت 34% في فترات سابقة، ومع ذلك، لم تكن هذه العروض المغرية كافية لوقف موجة التخارج، حيث سجلت تعاملات الأجانب في السوق المصرية تخارجات بلغت 6.7 مليار دولار منذ 19 فبراير الماضي، قبل أن تتراجع هذه التخارجات بشكل طفيف إلى 4.15 مليار دولار، لكن الأخطر أن المستثمرين الأجانب وحدهم لم يكونوا مصدر الضغط، بل انضم إليهم المستثمرون العرب في موجة بيع واسعة، حيث سجلوا صافي بيع بلغ 2.9 مليار جنيه في البورصة خلال الأسبوع الأول من مارس

وهذا النزيف المتسارع في تدفقات رؤوس الأموال وضع الحكومة المصرية في مأزق حقيقي: ففي الوقت الذي كانت تعول فيه على الأسواق الدولية لسد الفجوة التمويلية الهائلة المنتظرة هذا العام، إذا بهذه الأسواق تغلق أبوابها في وجهها، أو تفتحها بشروط شبه مستحيلة، ويحذر خبراء التمويل من أن استمرار حالة الاضطراب الجيوبوليتيكي قد يدفع المستثمرين في أدوات الدين الحكومية إلى الخروج فوراً إذا شعروا بالخطر، بعد استفادتهم من الفوائد المرتفعة التي لا يجدونها في بلدانهم، مع قدرتهم على استعادة الأموال المستثمرة وفوائدها بالعملة نفسها التي دخلوا بها إلى سوق أدوات الدين، وقد يخلق ذلك طلباً مفاجئاً على العملات الصعبة في وقت تراجعت فيه مداخيل الدولة من قناة السويس والصادرات والسياحة، وتتعرض تحويلات المصريين في الخليج لضغوط، مقابل زيادة كبيرة في مصروفات الدولة على شراء النفط والغاز وتمويل الواردات التي ارتفعت بحدة

والأكثر قسوة أن هذه العودة القسرية للاعتماد على "الأموال الساخنة" تأتي في وقت كانت الحكومة قد تعهدت فيه بالحد من الاعتماد عليها، بعد تجربة خروج 22 مليار دولار خلال الحرب الأوكرانية في 2022، ثم خروج 6.7 مليار دولار عقب اندلاع التصعيد الحالي، ومع ذلك، لم تجد الحكومة بداً من العودة إلى نفس "الجحر الذي لُدغت منه مرات عديدة"، كما وصفه الخبراء، لأن البديل كان أكثر كلفة: التخلف عن سداد الاستحقاقات أو الانهيار الكامل للعملة، ويظل السؤال الأصعب: إذا كانت تكلفة الاقتراض بهذه الصورة المرتفعة تشكل عبئاً إضافياً على موازنة تلتهم فوائدها بالفعل نحو 80% من الإيرادات الضريبية، فكيف ستتمكن مصر من تدبير احتياجاتها التمويلية لبقية عام 2026 إذا استمرت الحرب وأغلقت الأسواق الدولية أبوابها بالكامل؟

غير أن الموجة الأشد إيلاماً والتي تلامس جيب المواطن المصري مباشرة، هي موجة التضخم المستورد التي تجتاح البلاد من جديد، معيدة رسم التجهم والعبس الذي بدأ يلوح على وجوه المصريين بعد أشهر من تراجع الأسعار، فبعد أن كان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء قد أعلن في يناير 2026 عن تباطؤ التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 11.9%، وهو أدنى مستوى له منذ سنوات، مما بعث رسائل طمأنة للحكومة والمواطنين على حد سواء بأن السياسات النقدية بدأت تؤتي ثمارها، إذا بالحرب الإقليمية تعيد عقارب الساعة إلى الوراء في شهر واحد فقط، ففي فبراير 2026، قفز التضخم الشهري إلى 2.8% مقابل 1.2% فقط في يناير، ليرتفع المعدل السنوي إلى 13.4%، في زيادة مفاجئة كشفت عن هشاشة أي مكاسب اقتصادية في مواجهة الصدمات الخارجية، وهذا الارتفاع لم يأتِ من فراغ، بل هو الانعكاس المباشر لصدمة الطاقة التي رفعت تكلفة النقل والإنتاج، واضطراب سلاسل الإمداد التي زادت أعباء الشحن، وارتفاع أسعار السلع الأساسية المستوردة التي باتت تصل إلى الموانئ المصرية بتكاليف فلكية، ووفقاً لبيانات الجهاز الرسمية، كان قطاع الخضروات الأكثر تضرراً بارتفاع 19.9%، إلى جانب الدخان الذي قفز 14.8% بعد زيادات أقرتها الشركات المنتجة، والحبوب والخبز التي ارتفعت 6%، والأكثر شجناً أن هذه الزيادات ستلتهم أية زيادات محتملة في الأجور أو حزم الدعم الحكومي قبل أن تصل إلى المواطن، فتصبح المعادلة مستحيلة: أي محاولة لتعويض المواطن عن غلاء المعيشة ستزيد الأعباء على موازنة منهكة أصلاً، وأي توقف عن التعويض يعني انهياراً متسارعاً في مستوى معيشة ملايين الأسر التي باتت تنظر إلى نهاية الشهر كمعركة وجودية لا تقل ضراوة عن الحرب ذاتها.

في اللحظة التي بدأت فيها الحرب الإقليمية تفرض تداعياتها على كل قطاعات الاقتصاد المصري، تحول الاحتياطي الأجنبي من مجرد رقم في بيانات البنك المركزي إلى خط الدفاع الأخير الذي تتوقف عليه قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية في عام 2026، فقد أعلن البنك المركزي المصري في الرابع من مارس 2026 عن ارتفاع صافي الاحتياطيات الدولية إلى مستوى قياسي بلغ 52.745 مليار دولار بنهاية فبراير، في مؤشر بدا للوهلة الأولى مطمئناً، خاصة مع قدرة هذا الرصيد على تغطية نحو 7 أشهر من الواردات السلعية لمصر، ولكن هذا الدرع الذي استغرق بناؤه سنوات، وأشادت به المؤسسات الدولية كدليل على تحسن مؤشرات الاستقرار النقدي، بات اليوم مهدداً بالتآكل السريع إذا استمرت الحرب لأشهر قادمة، حيث تلتقي ثلاثة عوامل ضاغطة في آن واحد: ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة والقمح بسبب قفزات الأسعار العالمية، وانخفاض إيرادات قناة السويس التي خسرت بالفعل نحو 10 مليارات دولار خلال عامين بسبب توترات المنطقة، واحتمالية تراجع تحويلات المصريين بالخارج في حال تأثرت اقتصادات الخليج باستمرار التصعيد أو انخفضت أسعار النفط لاحقاً، والأكثر وجعاً أن مصر اضطرت خلال الأيام الأولى للحرب إلى التحرك السريع لتعويض النقص المفاجئ في إمدادات الطاقة، بعد أن أوقفت إسرائيل ضخ 1.1 مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي يومياً من حقلي "تمار" و"ليفياثان"، مستندة إلى بند "القوة القاهرة" في اتفاقيات التوريد، مما أجبر القاهرة على طلب تقديم موعد استلام شحنتين من الغاز المسال من الموردين الدوليين لسد الفجوة، وفي خطوة متزامنة، أوقفت مصر ضخ نحو 350 مليون قدم مكعب من الغاز يومياً كانت مخصصة للتصدير عبر مصنع "إدكو" للإسالة، في محاولة يائسة لتأمين احتياجات الشبكة القومية للكهرباء، وهذه التحركات الطارئة، التي تهدف إلى تجنب أزمة كهرباء في الصيف المقبل، تمارس ضغوطاً إضافية على الاحتياطي الذي يتعين عليه تمويل واردات الطاقة الإضافية في وقت تراجعت فيه موارده الدولارية التقليدية، ويحذر مصرف "مورجان ستانلي" من أن استمرار التوتر قد يرفع عجز الطاقة بمبالغ تتراوح بين 400 مليون و600 مليون دولار خلال ما تبقى من العام المالي الحالي، وقد تصل إلى 2.4 مليار دولار في حال التصعيد المطول، وفي هذا السياق المركب، يتحول الاحتياطي الأجنبي من "درع حماية" إلى "خط تماس" في معركة وجودية، حيث كل يوم إضافي من الحرب يعني تآكلاً متسارعاً في القدرة على مواجهة استحقاقات 2026، التي تحتاج إلى كل قرش دولاري متاح في وقت أصبح فيه توفير هذا القرش أشبه بمعجزة اقتصادية في خضم عاصفة إقليمية لا ترحم.

ثالثاً: لحظة الحسم.. هل تملك الدولة إرادة الإنقاذ؟

وسط هذه العاصفة المتعددة الجبهات، حيث تتقاطع نيران الحرب الإقليمية مع استحقاقات الديون الضاغطة، ويهتز عرش الاقتصاد تحت أقدام ملايين المصريين الذين باتوا يراقبون قيمة عملتهم تنهار أمام أعينهم، يبرز سؤال مصيري لا يمكن تأجيله: هل مازالت الحكومة تملك أدوات النجاة؟ وهل تكفي الإرادة السياسية لاتخاذ قرارات كانت حتى الأمس القريب تُصنف في خانة "الممنوعات" أو "التبعات السياسية غير المقبولة"؟ فمنذ اندلاع الأزمة، تعددت البيانات الرسمية المطمئنة وتكاثرت التصريحات التي تعد بعبور آمن، لكن الواقع على الأرض يرسم صورة مغايرة تماماً: الاحتياطي يتآكل، والجنيه يتراجع، والأسعار تقفز، والاستثمارات تهرب، وفي هذا المشهد القاتم، يخرج خبراء الاقتصاد من رحم الأزمة بحزمة حلول لا تخلو من قسوة، لكنها قد تكون الفرصة الأخيرة لتجنب الكارثة التي تلوح في الأفق مع اقتراب النصف الأول من 2026، فهل ستجد هذه الروشتة آذاناً صاغية في أروقة صنع القرار، أم أن الوقت قد فات بالفعل؟

ففي زخم هذه العاصفة الاقتصادية التي تجتاح البلاد، ومع ارتفاع فاتورة استيراد الغاز الطبيعي الشهرية من 560 مليون دولار قبل الحرب إلى 1.65 مليار دولار بعدها، أي بزيادة تلامس المليار دولار شهرياً، لم تعد خيارات الحكومة المصرية مفتوحة على مصراعيها كما كانت من قبل، فقد اضطرت القاهرة بالفعل إلى اتخاذ سلسلة من القرارات غير المسبوقة لترشيد استهلاك الطاقة، كان آخرها إعلان رئيس الوزراء في 18 مارس 2026 عن حزمة إجراءات تقشفية طارئة تبدأ في 28 مارس، تتضمن غلق المحال التجارية والمولات والمطاعم والمقاهي في التاسعة مساءً طوال أيام الأسبوع، باستثناء الخميس والجمعة حيث تمتد حتى العاشرة، إلى جانب تخفيض إنارة الشوارع إلى الحد الأدنى وإطفاء اللوحات الإعلانية على الطرقات، وغلق المصالح الحكومية في السادسة مساءً مع التحول للعمل عن بعد لبعض الموظفين، وهذه القرارات، التي تمس الحياة اليومية للملايين وتغيِّر ثقافة السهر المصرية العريقة، تثير سؤالاً أعمق: إذا كانت الدولة قد اضطرت إلى فرض مثل هذه الإجراءات الصعبة لتوفير الطاقة، فلماذا لا تمتد سياسة "شد الحزام" ذاتها إلى هيكل الإنفاق الحكومي الواسع؟

وفي هذا السياق، يطل علينا الدكتور جودة عبد الخالق، وزير التموين الأسبق وأحد أعمدة الفكر الاقتصادي، باقتراح قد يبدو راديكالياً للوهلة الأولى، لكنه في جوهره امتداد منطقي لسياسات التقشف التي بدأت الحكومة نفسها في تبنيها، ويدعو عبد الخالق إلى تخفيض الإنفاق في دواوين الحكومة ومقار العمل الإدارية بنسبة لا تقل عن 20% فوراً، مؤكداً أن هذا الخفض ليس مستحيلاً كما يتصور البعض، بل يمكن تحقيقه دون المساس بجودة الخدمات المقدمة للمواطنين، ويستند في رؤيته إلى أن الفاقد الإداري والمخصصات غير الضرورية في الجهاز الحكومي تسمح بمثل هذه التخفيضات، خاصة مع إمكانية الاستفادة من تجربة التحول الرقمي والعمل عن بعد التي أعلنت عنها الحكومة نفسها كأحد الحلول لمواجهة الأزمة، فإذا كانت الدولة تستطيع أن تطلب من المواطن تعديل مواعيد نومه وعاداته اليومية من أجل ترشيد استهلاك الطاقة، فمن باب أولى أن تطبق على جهازها الإداري نفس مبدأ "شد الحزام"، من خلال مراجعة عقود الإيجار الباهظة، وخفض بدلات الانتقال غير الضرورية، ودمج المصالح المتشابهة، والاستغناء عن المكاتب الاستشارية غير المنتجة، وتوجيه الموارد التي ستُوفر من هذه الإجراءات إلى دعم الفئات الأكثر احتياجاً التي تتضاعف معاناتها مع كل موجة تضخم جديدة، ويبقى السؤال: هل تملك الحكومة الإرادة السياسية لتوسيع دائرة التقشف لتشمل نفسها قبل أن تطالب بها المواطنين؟

وفي قلب هذه المعادلة المستحيلة، يطرح الدكتور جودة عبد الخالق رؤية مختلفة جذرياً لتمويل أي حزمة حماية اجتماعية قد تعلنها الحكومة لمواجهة غلاء المعيشة، محذراً بكل وضوح من الانزلاق مجدداً إلى هاوية تمويل العجز عبر الخزانة العامة للدولة، لأن ذلك يعني ببساطة العودة إلى دوامة طبع النقود التي لا تؤدي إلا إلى تضخم جهنمي يلتهم أي زيادة في الأجور قبل أن تصل إلى جيب المواطن، ويؤكد وزير التموين الأسبق أن البديل الوحيد القابل للتطبيق في ظل هذه الأزمة هو العودة إلى مبدأ "التمويل التكافلي" عبر فرض ضرائب ورسوم تصاعدية حقيقية على الفئات القادرة وأصحاب الدخول المرتفعة ومظاهر البذخ، وتوجيه حصيلة هذه الضرائب مباشرة لرفع الحد الأدنى لأجور الفئات الأقل حظاً في المجتمع، وهذا الطرح، الذي قد يبدو للوهلة الأولى مجرد حل تقني، يحمل في جوهره رؤية فلسفية عميقة لإعادة توزيع أعباء الأزمة بشكل عادل، خاصة في وقت تستهدف فيه الحكومة تحصيل 2.6 تريليون جنيه ضرائب في موازنة 2026/2025 دون فرض ضرائب جديدة كما ورد في وثائق الموازنة، مما يعني أن أي زيادة في الإيرادات الضريبية لا يمكن أن تأتي إلا من توسيع القاعدة الضريبية أو إعادة هيكلة الشرائط الحالية.

وما يعنيه عبد الخالق بالضبط هو تفعيل نظام ضريبي تصاعدي حقيقي لا يكتفي بالنسب النظرية المطبقة حالياً، والتي تتراوح بين 0% للدخول الأقل من 40 ألف جنيه وصولاً إلى 27.5% للدخول التي تتجاوز 1.2 مليون جنيه سنوياً، بل يتجاوزها إلى مفهوم أوسع يشمل ضريبة الثروة نفسها، أي المساهمة التضامنية الدورية على صافي الثروات الكبيرة والأرباح الرأسمالية غير التشغيلية والتراكمات العقارية والمالية التي لا تقع حاليًا ضمن نطاق الخضوع الضريبي الفعّال، وهذه الأدوات، التي تمثل الوجه طويل الأجل للمقدرة المالية، تختلف جوهرياً عن ضريبة الدخل التي تتابع التدفقات السنوية قصيرة الأجل، وهي أكثر قدرة على تحقيق العدالة الاجتماعية التي يفترض أن تشكل حجر الزاوية لأي نظام ضريبي حديث، ولكن تطبيق مثل هذا النظام لا يخلو من مخاطر، فالتطبيق العشوائي أو المسيس قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويقوض الثقة في النظام الضريبي ويدفع رؤوس الأموال نحو الهروب أو التحايل، بدلاً من توجيهها إلى الأنشطة الإنتاجية التي يحتاجها الاقتصاد بشدة في هذه المرحلة، ولذلك، يظل السؤال الأكبر: هل تملك الحكومة الإرادة والشفافية الكافية لتطبيق هذا النوع من الضرائب الذي يمس مصالح الفئات الأكثر سلطة ونفوذاً، مع توفير الضمانات اللازمة لعدم تحولها إلى أداة عقاب أو ابتزاز؟

وفي قلب هذه العاصفة الاقتصادية المتعددة الجبهات، يبرز ترشيد الاستيراد كأحد الحلول الأكثر إلحاحاً، ليس فقط لتخفيف الضغط على العملة الصعبة، بل لبناء اقتصاد أكثر مرونة وقادر على الصمود في وجه الصدمات الخارجية، فمع استمرار الحرب الإقليمية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين إلى مستويات قياسية، لم يعد من المقبول استنزاف مليارات الدولارات في استيراد سلع يمكن إنتاجها محلياً أو توفير بدائل لها، ففاتورة استيراد "البليت" وحده، وهو حديد تسليح شبه مصنع تمتلك مصر طاقة إنتاجية فائضة منه تقدر بملايين الأطنان، تبلغ نحو مليار دولار سنوياً يمكن توفيرها بالكامل لو تم الاعتماد على الإنتاج المحلي، وهذا مجرد مثال واحد على عشرات السلع التي تستوردها مصر ولها بدائل محلية قادرة على المنافسة، خاصة في ظل توافر احتياطي أجنبي قياسي تجاوز 52 مليار دولار يوفر غطاء آمناً لسياسة ترشيد تدريجية وحكيمة لا تخلق صدمات في السوق، وتثبت التجارب العملية نجاح هذه السياسة، حيث نجح جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة في خفض واردات القمح بنسبة 25% خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025، محققاً وفراً قدره 800 مليون دولار، من خلال مزيج من تنويع مصادر الاستيراد والتوسع الزراعي المحلي الطموح.

لكن ترشيد الاستيراد وحده لا يكفي دون إعادة النظر في فلسفة الدعم نفسها، خاصة في ظل موجة التضخم المستورد التي تجتاح البلاد، وهنا تبرز أهمية العودة إلى سياسات الدعم العيني الذكي، ليس كبديل عن الدعم النقدي الذي تخطط الحكومة للتوسع فيه، بل كأداة تكميلية في أوقات الأزمات القصوى، فالتجربة التاريخية لنظام التموين في مصر، الذي ظل صامداً منذ ستينيات القرن الماضي، تثبت أن المواطن المصري يفضل الدعم العيني في أوقات عدم الاستقرار السعري، لأنه يوفر له حماية حقيقية ضد التضخم، فحتى بعد تحول نظام التموين إلى نظام المخصصات النقدية في 2014، ظلت المشكلة قائمة: الدعم النقدي تفقد قيمته بسرعة مع ارتفاع الأسعار، بينما الدعم العيني، حين يُدار بكفاءة، يضمن وصول السلعة نفسها إلى المواطن بالسعر المدعوم فعلياً، ولذلك، فإن تقديم السلع التموينية للمواطنين بأسعار مخفضة بشكل كبير، كما كان يحدث في السابق عندما كان المواطن يحصل على سلع قيمتها السوقية 33 جنيهاً مقابل 10 جنيهات فقط، يمثل حماية أكثر فعالية من أي زيادة نقدية تلتهمها الأسعار قبل أن تصل إلى جيب المستهلك، وفي النهاية، يبقى التحدي الأكبر هو الجمع بين السياسيتين بذكاء: ترشيد الاستيراد لتوفير العملة الصعبة، وتوجيه الدعم العيني لحماية الفئات الأكثر احتياجاً من وطأة التضخم، مع ضمان عدم تحول هذه السياسات إلى أدوات لخلق أسواق سوداء أو تعزيز الاحتكارات التي تضرب الإنتاج المحلي

وكان التحرك الحكومي الأول أسرع مما توقعه الكثيرون، حيث انعقدت اللجنة العليا لإدارة الأزمات برئاسة رئيس مجلس الوزراء في 17 مارس 2026، بحضور نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية ومحافظ البنك المركزي ووزراء الكهرباء والمالية والسياحة والتموين والخارجية والبترول والاستثمار والتخطيط والصناعة، لاستعراض تقرير شامل حول التطورات الاقتصادية والسياسية المرتبطة بالأزمة الراهنة، بما في ذلك التأثيرات المحتملة على الاقتصادين العالمي والمحلي وفق سيناريوهات الصراع المختلفة، وقد كشف الاجتماع عن تفعيل منصة رقابية دقيقة أطلقها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، تتابع يومياً مؤشرات الأسعار والسلع الأساسية وأسعار النفط العالمية وحركة الملاحة في قناة السويس وأسعار صرف العملات الأجنبية وإنتاج واستهلاك الكهرباء، مما يوفر لصانع القرار صورة لحظية عن الوضع تمكنه من التدخل السريع قبل تفاقم أي أزمة، وفي تطور لافت، كشف محافظ البنك المركزي عن متابعته الدقيقة لتأمين الاحتياجات التمويلية للدولة من السلع الأساسية ومستلزمات الإنتاج، مع ضمان توفير العملة الصعبة للقطاع الخاص لاستمرار عجلة الإنتاج دون توقف، مؤكداً أن الاحتياطيات الحالية توفر للاقتصاد المصري مرونة كافية لامتصاص الصدمات الخارجية والتعامل مع تداعيات الأزمة

لكن هذه الجهود، رغم ضرورتها الملحة، تظل غير كافية وحدها في مواجهة عاصفة بهذا الحجم، خاصة مع استمرار خروج الأموال الساخنة التي قدرت التخارجات منها بنحو 2 مليار دولار في أربعة أيام تداول فقط، وهو ما يعكس حالة الذعر التي تسيطر على المستثمرين الأجانب الذين يسارعون إلى سحب أموالهم من الأسواق الناشئة كلما تصاعدت التوترات الجيوبوليتيكية، ولتحويل غرفة الأزمات من مجرد جهة متابعة إلى أداة فعالة قادرة على احتواء التداعيات، يتطلب الأمر توسيع نطاق عملها ليشمل عدة مسارات موازية: أولها تفعيل آلية التنسيق اليومي بين البنك المركزي ووزارة المالية لمراقبة تحركات الأموال الساخنة ووضع خطط طوارئ للتعامل مع أي موجة تخارجات مفاجئة، مع الاستفادة من تجربة 2022 التي شهدت خروج 22 مليار دولار في غضون أشهر قليلة، ثانيها إنشاء نافذة تواصل دائمة مع المستثمرين الأجانب والمؤسسات المالية الدولية لطمأنتهم وتوضيح الخطط الحكومية لمواجهة الأزمة، والاستماع إلى مخاوفهم بشكل مباشر، خاصة في ظل توقف العديد من شركات الشحن الكبرى عن عبور قناة السويس وتحويل مسار سفنها إلى رأس الرجاء الصالح، وثالثها تكثيف التنسيق مع وزارات التموين والزراعة والصناعة لمراقبة المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية بشكل يومي، ووضع سيناريوهات بديلة لتعويض أي نقص محتمل في الإمدادات، خاصة مع توقف إسرائيل عن ضخ 1.1 مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي يومياً بموجب بند القوة القاهرة، وهو ما أجبر مصر على التحرك السريع لاستيراد شحنات إضافية من الغاز المسال لتأمين احتياجات الشبكة القومية للكهرباء.

والأكثر أهمية هو أن عمل غرفة الأزمات لا يمكن أن يظل حبيس جدران مجلس الوزراء، بل يجب أن يمتد إلى الشارع المصري عبر حملة تواصل شفافة تشرح للمواطنين طبيعة التحديات والإجراءات المتخذة، مع تفعيل آليات الرقابة الشعبية على الأسواق لمواجهة جشع التجار والمضاربين الذين يستغلون الأزمات لتحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، وقد سبق أن وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي بدراسة إحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكري، كإجراء رادع لمواجهة محاولات استغلال الظروف الاستثنائية لرفع الأسعار أو التلاعب بها، كما أن إعلان الحكومة عن حزمة إجراءات تقشفية طارئة تشمل تخفيض الإنفاق في المصالح الحكومية وإغلاق المحال التجارية مبكراً وترشيد إنارة الشوارع، يؤكد أن هناك إرادة سياسية لاتخاذ خطوات صعبة، لكن نجاح هذه الإجراءات يتطلب متابعة دقيقة لضمان تنفيذها على الأرض، وتقييماً مستمراً لفعاليتها، واستعداداً لتعديل المسار إذا لزم الأمر وفقاً لتطورات الأزمة، وفي النهاية، تبقى غرفة الأزمات مجرد أداة، وفعاليتها مرهونة بحجم الصلاحيات الممنوحة لها، وجودة المعلومات التي تصلها، وسرعة تنفيذ قراراتها، وقدرتها على استشراف المستقبل عبر بناء سيناريوهات متعددة تتراوح بين التفاؤل والتشاؤم، استعداداً لأي طارئ في منطقة تعيش على فوهة بركان لا يعرف أحد متى يهدأ ثورانه.

وفي النهاية، تقف مصر عند مفترق طرق تاريخي لا يشبه أي تحدٍ واجهته من قبل، حيث تتداخل استحقاقات الديون الضاغطة مع نيران حرب إقليمية مفتوحة، في معادلة مركبة يصعب فصل عناصرها أو التغاضي عن تداعياتها، فبينما تترقب البلاد النصف الأول من 2026 بفجوة تمويلية ضخمة تقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات، نصفها تقريباً ودائع قصيرة الأجل معلقة على قرارات شركاء خارجيين، تشتعل الجبهة الشرقية بحرب تعيد رسم خريطة الطاقة والتجارة في الشرق الأوسط، وتضرب عصب مصادر الدولار الرئيسية: من قناة السويس التي بدأت إيراداتها للتو في التعافي بعد عامين من الخسائر، إلى السياحة التي تترقبها أنفاس العالم، وتحويلات المصريين في الخليج المرتبطة باستقرار اقتصادات النفط، وفي الوقت الذي أعلن فيه مجلس الوزراء عن تحقيق الاحتياطي الأجنبي مستوى قياسياً غير مسبوق تجاوز 52.6 مليار دولار في يناير 2026، وهو ما يوفر غطاءً مؤقتاً لسبعة أشهر من الواردات، يبقى السؤال الجوهري

كم من الوقت يمكن لهذا الدرع أن يصمد أمام نزيف متوقع من ثلاثة اتجاهات: ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة، وانخفاض إيرادات القناة، وتراجع الاستثمارات الأجنبية؟

لكن المفارقة الأعمق أن هذه الحرب الإقليمية، رغم ضراوتها، قد تحمل في أحشائها فرصة استثنائية لمصر إذا أُحسن إدارتها، فمع إغلاق مضيق هرمز وخروج حقول الغاز الإسرائيلية من الخدمة بموجب بند القوة القاهرة، تتحول مصر فجأة إلى ممر بديل لا يمكن الاستغناء عنه لنقل الطاقة من شرق المتوسط إلى أوروبا، مما يعيد للمنطقة أهميتها الجيوبوليتيكية كمعبر آمن في عالم مضطرب، وإذا نجحت الدبلوماسية المصرية في ترجمة هذه الورقة إلى تعهدات مالية واستثمارية طويلة الأجل من الشركاء الدوليين، قد تتحول الأزمة إلى فرصة لإعادة هيكلة نموذج التمويل المصري بعيداً عن الأموال الساخنة والودائع القصيرة الأجل التي أثبتت هشاشتها مراراً، ولكن هذا السيناريو يتطلب قيادة اقتصادية استثنائية قادرة على اتخاذ قرارات جريئة كانت حتى الأمس القريب تُعد من المحرمات السياسية: خفض حقيقي للإنفاق الحكومي يبدأ من القمة قبل القاعدة، وضرائب تصاعدية تعيد توزيع أعباء الأزمة بدلاً من تحميلها كلها على الطبقات الوسطى والفقيرة، وترشيد ذكي للاستيراد يوجه العملة الصعبة للسلع الحقيقية التي تمس حياة الملايين، واستمرار الدبلوماسية النشطة على جبهات متعددة لاحتواء التصعيد ومنع توسع رقعة الحرب إلى مستويات لا تُحتمل.

والإجابة على سؤال "هل تنجو مصر؟" لم تعد مجرد معادلة اقتصادية بحتة، بل أصبحت رهينة لعاملين متغيرين: الأول مدة الحرب ومدى اتساع رقعتها، والثاني جودة الإدارة الاقتصادية في لحظة الاختبار، فإذا كانت المواجهة محدودة وقصيرة، فإن الاحتياطي القوي وقدرة الحكومة على التحرك السريع قد يسمحان بامتصاص الصدمة وتجنب الأسوأ، أما إذا طال أمد التصعيد وأغلقت المضائق لشهور، وتحولت المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح، فإن الضغوط التراكمية على الاحتياطي وموارد الدولار قد تتجاوز قدرة أي اقتصاد على التحمل، لتتحول أزمة السيولة الحادة إلى انهيار شامل لا يستثني أحداً، وفي كل الأحوال، يبقى الدرس الأهم أن اختبار 2026 لم يعد مجرد أزمة ديون داخلية يمكن تدبيرها بحلول تقنية، بل أصبح اختبار بقاء في منطقة ملتهبة، يختبر صلابة الدولة ومرونة شعبها، ويدفع الجميع إلى السؤال الأصعب: ماذا بعد؟

----------------------------------

بقلم: أحمد حمدي درويش


مقالات اخرى للكاتب

الجبهة الخلفية: استحقاقات ديون 2026 في قبضة نيران الشرق الأوسط