20 - 03 - 2026

وجوه على الطريق

وجوه على الطريق

كان يتحدث بصوت هادئ كأنما يقرأ من كتاب. خُلط صوته بطمأنينة من يدرك تفاصيل الغيب. يحاكي صوت الجدة وهي تدغدغ حواسنا بحدوتة قبل النوم، لا تتغير نبرة صوتها سواء كان السندباد يواجه الوحوش المفترسة والريح والمطر وحده، أو كانت سندريلا تزف إلى الأمير. صوت محايد يسلبك يقظتك وأنت على فراشك، يمشى على خط الصحو والنوم، ينبع من نفس اطمأنت لبارئها فلم تشغل بالها بالغد.

يتحدث بالإنجليزية إلى مرافقته، هو جاوز الستين بقليل، ذو ملامح لاتينية، فيما يشير سمتها الشرقي إلى منتصف الثلاثينات. 

يشوب حديثها توتر، فينتظر ريثما تنتهي ثم يأتي صوته من ينبوع هدوئه كأنما يتلو من متن هدأت أفكاره بعد صخب مُدركًا مبتدأها وخبرها، مفتتحها ومنتهاها، بحرها وشطها، سفحها وقمتها، ثم ما لبثت أن قاطعته بحدة "لا أظن ذلك .. كان وقحًا في رده .. كان باستطاعته استدعائي لمكتبه وتوبيخي إن أراد .. لكنه فعل ذلك أمام جميع الموظفين وبحدة مبالغ فيها".

انتظر حتى انتهت من كلامها، رسم على وجهه ابتسامة هادئة ثم عقب "رغم ضيقك تقرين بخطئك .. هل تنكرين أننا جميعًا كنا ننتظر هذا المشروع .. تعلق به مستقبل الكثيرين .. إميلدا أُنهى عقدها، وصار جانو يعمل نصف الوقت، حتى كارل نفسه أصبح يجد صعوبة في تدبير الاحتياجات المالية للشركة".

  • ما زلت تدافع عنه رغم أنه أنهى عقدك بطريقة مستفزة، أخبرك أنك معه حتى نهاية الشهر وكلفك بالسفر إلى اسكتلندا لمراجعة أعمال جانو .. منتهى الصفاقة .. كيف قبلت هذا؟. 

كان وجهها قد صار عدائياً، فيما حافظ هو على هدوءه. نظر نحوها باهتمام واعتدل في جلسته ووضع نظارته أمامه على الطاولة مُتكئا عليها بمرفقيه ونظر نحوها وقال

  • قَبِلتَهُ من أجلك!
  • من أجلى أنا؟؟ "قالتها باستنكار وتهكم"
  • نعم. استدعاني كارل إلى مكتبه بعد ثورته عليك وأخبرني قراره إنهاء عقدك. كان غضبه جامًا صاعقًا. طلبت منه مهلة فربما أمكننا إصلاح الأمر، في البداية رفض بشدة ومع شيء من الجدال استطعت إقناعه، ليس هذا فحسب بل وسفرك معي للمساعدة في مراجعة أعمال جانو، وألمحت له أن إنهاء عقدك قد يكبده خسائر فادحة في مشروع اسكتلندا، كما أن ....
  • قاطعته مشدوهة غير مصدقة وراحت تكمل "استطعت إقناعه باستمرار عقدي مع تقليص بعض أعمالي ... أليس كذلك؟"
  • نعم!
  • وأنت؟
  • لدي معاش تقاعدي استطيع العيش به .. أظن أن أوان راحتى واستمتاعى بحياتى قد حَلذَ!
  • لا تَقُل حاجتك للمال عن حاجتي، "قالتها بعينين مشدوهتين"
  • الأمر ليس سيئًا إلى هذا الحد.
  • لقد ضحيت بنفسك من أجلي .. يا إلهي .. وأنا من تصورت أنك سبب مشاكلي
  • الأمر أبسط من ذلك!
  • لماذا فعلت ذلك؟
  • أنت في سن ابنتي .. والمستقبل ما زال أمامك!
  • لماذا فعلت ذلك؟ "قالتها بصوت متهدج من خلف ستار دموعها"

ألحت عليه أكثر من مرة، وأمام إصرارها أجابها بنبرة تردد:

  • منذ عدة شهور سمعتك تتحدثين في الهاتف، كنت تتشاكين مع شخص على الجانب الآخر عن تكاليف علاج والدتك، وكيف أن جانبًا كبيرًا من راتبك الشهري يُنفق على علاجها، أيقنت أن انقطاع دخلك يعنى موت أمك.
  • حقًا. كان هذا مع ألبرتو؟. أنت تعرفه ..
  • نعم. فتى جيد ورياضي! أراه يحبك كثيرًا
  • فعلت كل هذا من أجلي؟، "سألته وقد أحمرت أرنبة أنفها وفاضت عيناها بدمع غزير"
  • أرجو أن تعتني بوالدتك!
  • وماذا عن إيميلدا وجانو؟ هل طردا لأبقى أنا؟
  • لا. قدم كلاهما استقالته لكارل منذ أكثر من شهرين، ليس للأمر علاقة بك. حتى إن لم يكن وقع ما وقع، كانا سيتركان العمل في كل الأحوال ..

هزت رأسها في أسى وأخفت وجهها ودموعها بين يديها، فيما انسدل شعرها الناعم على وجهها، اتكأت بمرفقيها على الطاولة وراحت في نشيج طويل، بينما راح هو يربت على كتفها من حين لآخر، ثم وقف وخاطبها وهو يعلق حقيبته في كتفه "هيا.. فقد أوشكت الطائرة على الإقلاع. علينا أن نُسرع.. سرقنا الوقت!"

قامت من مجلسها وراحت تلملم حاجياتها من خلف دموعها، سقط شاحن هاتفها على الأرض فأسرع بالتقاطه ووضعه في حقيبتها، كانت تهتز بشدة، نظرت نحوه طويلاً ولم تتمالك نفسها وارتمت في صدره تحتضنه ليغيب صوتها خلف نشيجها الذى بدا مرتفعًا فراح يربت على كتفها ريثما تهدأ، ثم غمغمت وقالت له "كم أحبك أيها الرجل العجوز"، ابتسم وأجابها بعينين مغرورقتين وأخذ بيدها قاصدًا بوابة دخول الطائرة "وأنا أيضًا .. كم أحبك كثيرًا"، ثم أردف "هيا فإن البرتو يتحرق شوقًا على الجانب الآخر"، نظرت نحوه بامتنان شديد، فربت على خدها وقبل رأسها، ومضيا معًا نحو الطائرة بينما يتردد في القاعة صوت المذيعة الأرضية في المطار يحث الركاب للإسراع نحو الطائرة.

------------------------------------

بقلم: د. محمد مصطفى الخياط

[email protected]


مقالات اخرى للكاتب

وجوه على الطريق