لماذا كانت الحروب ؟
هل لأنها ارتبطت بحالة جينية إنسانية تعبيرا عن الشر ضمن ثنائية الخير والشر بعد واقعة القتل بين قابيل وهابيل؟ وإذا كانت الحروب تعبر عن هذا الإطار، فما هو موقع السلام الذى هو صورة الخير فى كل الأديان؟
لاشك فإن الحروب بشكل عام هى تعبير عن الجانب السلبى والشرير فى تلك الثنائية. ولكن دائما يحاول الإنسان وعلى طول الخط أن يوجد تلك المبررات التى يحاول من خلالها أن يتصور أنه لا يصنع شرا بهذه الحروب، بل يصنع الخير كل الخير لذلك العدو، بل أحيانا يكون ذلك المبرر هو الخير للبشرية كلها!!
ولذا نجد أنه بالرغم من تلك الصورة المتخيلة للجانب الإيجابى للحروب، فإن الحروب وطوال الوقت تعلن أسبابها بشكل مباشر أو غير مباشر. إما تصفية حسابات شخصية على مستوى الأفراد أو الدول، وإما طمعا فى إمكانات وثروات الغير، المطموع فى الاستيلاء علي ثرواته ومقدراته. وإما للسيطرة على مزيد من المجال الجغرافى للعدو. هنا كانت ما تسمى بالظاهرة الاستعمارية طوال تاريخ الامبراطوريات للحصول على مقدرات العالم فى إطار صراع إمبراطورى استعمارى، أخذ كثيرا من الأساليب والطرق المتعددة بدءا من الاحتلال العسكري الاستيطانى إلى الاستعمار السياسى والاقتصادى والثقافى وصولا إلى الاستعمار التكنولوجي الحديث .
إذن، الأسباب إلرئيسية طوال الوقت هى تحقيق مزيد من المصالح والاستحواذ والسيطرة على الآخر. هنا ما علاقة ذلك بالدين؟ وهل الأديان تدعو إلى الصراع والحروب؟ أم تدعو للسلام فى إطار إنسانى راقى أراده الله لذلك الإنسان الذى كرمه الله أيما تكريم؟ الأديان بشكل عام تدعو إلى السلام، فالله هو رب السلام سبحانه وتعالى . (المجد لله فى الأعالى وعلى الارض السلام وبالناس المسرة ) ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: 61].
إذن، الأديان تدعو للسلام وبالطبع لا تمانع فى رد العدوان الظالم والدفاع عن النفس والأرض والعرض. ولكن هل ما يسمى بالحروب الدينية لها مبرر فى إطار فلسفة الأديان؟ أم أن القضية وطوال التاريخ أدخلت الأديان زورا فى تلك اللعبة المسماة بالحروب وباسم الأديان؟ فهل كانت الحروب الصليبية التى جاءت إلى الشرق باسم المسيحية كانت قد دعت إليها المسيحية؟ أم كانت لأسباب سياسية واقتصادية طمعا فى ثروات الشرق؟ هل كانت الحروب الإسلامية تنفيذا للقيم الإسلامية أم لمصالح سياسية كانت تحكم الزمان والمكان حينها؟ وكان ذلك فى إطار الدولة السياسية الإسلامية وليست الدولة الدينية؟ وهل كانت حروب الثلاثين عاما من ١٦١٨ إلى ١٦٤٨ بين الكاثوليك والبروتستانت والتى راح ضحيتها أكثر من ثلاثين مليون مسيحى كاثوليكي وبروتستانتى باسم المسيح، هل كانت تتوافق مع القيم والتعاليم المسيحية؟ وهل الحرب بين العراق وإيران فى ثمانينيات القرن الماضى كانت لصالح الاسلام؟ وهل يعقل أن يكون القتل فى العراق بين عام ٢٠٠٦ و ٢٠٠٧ بين العراقى والعراقى على أرضية السنة والشيعة؟ من يكون اسمه على يقتله السنى ومن يكون اسمه عمر يقتله الشيعى العراقى!!
فهل هذه هى المسيحية وهل هذا هو الاسلام؟ أم أن هذه الفواجع الإنسانية هى صناعة الإنسان وبأسم الدين؟
ومالى أذهب بكم بعيدا ونحن نعيش هذه الأيام فى نفس الظروف وفى إطار تلك الملابسات. فالكيان الصهيونى ومع ترامب يقود حربا باسم الدين اعتمادا على تحريف تفسير نصوص توراتية وسرديات يهودية، بهدف الاستيلاء على منطقة الشرق الأوسط! كما نرى ايران تستفز المشاعر الدينية وتسوق الأمور وكأنها حرب بين الإسلام والمسيحية ومعها اليهودية!
فهل من مصلحتنا بل هل من مصلحة البشرية كلها أن نسير فى هذا الطريق الملغم بكل الأخطار. أم نعود إلى قيم الأديان فى نشر السلام وتقديم التعاون الإنسانى الذى يجب أن يكون. ولذا نثمن دور مصر التاريخى وحتى الآن فى الدعوة إلى السلام والحلول الدبلوماسية بديلا لتلك الحروب التى سيدفع ثمنها الجميع بلا استثناء . حفظ الله مصر وشعبها العظيم .
-------------------------------
بقلم: جمال أسعد






