يبدو أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية دخلت طريق الضباب، ولم يعد أحد قادراً على التنبؤ بنهايتها ، بعد اغتيال علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وقائد قوات الباسيج، غلام رضا سليماني، بغارات في قلب طهران، إذ بات النظام الإيراني في موقف حرج قد يؤدي إلى تفككه، ويعتبر مقتل لاريجاني ضربة قاصمة لهرم القيادة الإيراني، لأنه شخصية محورية في النظام الإيراني، باعتباره رجل الظل وحلال الأزمات في الأوقات الصعبة، إذ أفاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن الحرب ضد طهران ستستمر طالما لزم الأمر، وأن أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل في هذه الحرب متقاربة وقد يستمر تنفيذها أسابيع، في وقت ترسل فيه واشنطن تعزيزات من مشاة البحرية وسفناً إلى الشرق الأوسط، لرغبة واشنطن في اجتياح إيران برياً رغم تحذيرات فريقه من عواقب تنفيذ هذا المخطط، بالتزامن مع رفض المرشد الأعلى الجديد لإيران، مجتبى خامنئي، الدخول في مفاوضات لوقف الحرب مشترطاً وقف الهجمات الجوية على بلاده، ومتعهداً بمواصلة حظر مرورالسفن عبر مضيق هرمز ما زاد من الضغوط على دول العالم اقتصادياً بسبب ارتفاع أسعار النفط، يأتي ذلك في الوقت الذي يزداد فيه الرفض الشعبي الأمريكي لقرار الحرب، إذ تقدم چو كينت، مديرالمركزالوطني لمكافحة الإرهاب في الإدارة الأمريكية، باستقالة رسمية إلى الرئيس دونالد ترامب، احتجاجاً على المشاركة في الحرب على إيران، وتضمنت رسالة الاستقالة التي نشرها كنت على حسابه الرسمي عبر منصة إكس، اتهامات عنيفة إلى إسرائيل بافتعال الحروب في الشرق الأوسط، والتسبب في الحرب على العراق والحرب الأهلية في سوريا، و قال كينت، في رسالة استقالته الموجهة إلى ترامب إنه بعد تفكير عميق، قرر الاستقالة من منصبه: «لا أستطيع بضمير مرتاح أن أؤيد الحرب على إيران، التي لم تُشكّل أي تهديد مباشر لبلادنا، من الواضح أننا بدأنا هذه الحرب تحت ضغط من إسرائيل وجماعات الضغط القوية التابعة لها قاصداً بذلك اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة»، وأرى أن هذه الاستقالة قد تدفع المزيد من مسؤولي البيت الأبيض إلى مغادرة مناصبهم خلال الأيام المقبلة وتزيد الضغوط على ترامب لوقف الحرب.
كأن مصر هي التي أجبرتهم على إقامة قواعد أمريكية على أراضيهم بزعم حمايتهم، والتطبيع مع إسرائيل بدعوى الدفاع عنهم، وفتح بلادهم للمرتزقة وأجهزة المخابرات المعادية للتجسس عليهم، أخيراً اكتشفوا الحقيقة المرة، أن أمريكا لا يعنيها الدفاع عن دول عربية، وعندما أشعلت واشنطن بالاشتراك مع إسرائيل الحرب على إيران، أخلت واشنطن جميع قواعدها من العتاد والجنود، وأعطت بذلك الضوء الأخضر لطهران بأن ترد الضربات بالهجوم على الدول العربية وتوجيه الهجمات إلى المؤسسات الاقتصادية، بات واضحاً أن الهدف من إقامة كل هذه القواعد العسكرية ليس حماية العرب بل من أجل تأمين إسرائيل التي لا تعبأ بالقانون الدولى وتبيد سكان فلسطين بلا رحمة، وعندما شعرت هذه الدول بأنها بدون حماية وأن هذه القواعد التي كلفت تريليونات الدولارات من ميزانياتها تحولت إلى نقمة وتكاد تتسبب في إنخراطها في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل وقد تؤدي إلى إختفائها من الوجود، عادت تبحث في دفاترها القديمة عن الفارس القديم الذي يضحي دون مقابل، مصر، التي تغيب عن أفراحهم، المدعوة فقط إلى أتراحهم، بعد أن رفضوا أن يتحالفوا معها لإقامة جيش عربي موحد طوال 11 عاماً لحمايتهم، في الوقت الذي قدموا ثرواتهم على طبق من ذهب لأمريكا وإسرائيل، الاَن يطالبون مصر بخوض الحرب نيابة عن أمريكا وإسرائيل، بعد أن قدموا لترامب ونتنياهو فروض الولاء والطاعة للتعبير عن الخضوع والاستسلام، والإخلاص في نصب المكائد واشعال الحرائق في الدول العربية لتقسيمها لتأكيد التبعية الكاملة، وعندما استمع، الفارس، لصوت العقل ورفض توسيع الحرب لمنح واشنطن وتل أبيب فرصة ذهبية للانسحاب منها، لتصبح إيرانيةـ عربية تمتد إلى الأبد، بدأ المأجورون موسم الهجوم على مصر، بدلاً من طرد كل القواعد الأمريكية، بعد أن أصبح وجودها يمثل خطراً على أمنهم الداخلي ومستقبلهم، بل يؤكدون أنهم سيعظمون العلاقات مع الأمريكان.
أعلم ويعلم العالم كله، أيها الشتامون، الأوغاد، الشامتون، أنكم مجرد لعبة بيد الصهاينة تروجون الأخبار الزائفة والإشاعات المغرضة لتشويه سمعة مصر التي تدافع عنكم منذ مئات السنين دون مقابل، لكن يبدو أنكم لا تقرأون التاريخ، إن كان لديكم تاريخ، نتفهم أن هجومكم لأسباب سياسية وشخصية مقابل المال، بعد أن غابت عنكم المبادئ والقيم، الاًن تظهرون رجولتكم المفقودة في الفضاء الرقمي بدلاً من ساحات القتال، تطلبون من مصر تحريك جيشها لمحاربة إيران مباشرة وجهاً لوجه، لقد عرضت عليكم أرض الكنانة من خلال القمة العربية عام 2015 تأسيس جيش عربي لحماية الدول العربية من أي عدوان، حتى جف ريقها، لكنكم رفضتم وهرولتم إلى إسرائيل من أجل التطبيع معها، بل وتساعدونها على تنفيذ مخططها بإقامة إسرائيل الكبرى، عبر إشعال الفتن والحروب في الدول العربية لتقسيمها لتصبح لقمة سائغة سهلة البلع، ولذا يزعم نتنياهو أن إسرائيل صارت قوة عالمية بجوار الولايات المتحدة، حتى تصبح قائدة الشرق الأوسط وصاحبة القرار وامبراطورية كبرى، بفضل أموالكم التي تمنحوها للكيان، ولا تريدون أن تتعلموا الدرس وأنكم الفرائس التي ستبتلعها إسرائيل إن عاجلاً أو اَجلاً، وعليكم أن تعلموا أن مصر لن تخوض حرباً مباشرة ضد إيران نيابة عن إسرائيل، بل تتبنى موقفاً ديبلوماسياً وطنياً قومياً يركز على منع توسع الصراع، تحسباً لتداعيات التصعيد الإسرائيلي ضد طهران على أمنها القومي واستقرار المنطقة، إذ تسعى القاهرة للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية، ومكانتها الإقليمية، وتجنب تحول المنطقة إلى ساحة حرب شاملة.
بعد أن زودت أمريكا إسرائيل بمعلومات استخباراتية وقنابل لاختراق المواقع المحصنة، طل علينا وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، متجهم الوجه من حجم الدمار الذي لحق بدولته ليزف الخبر السعيد لمواطنيه الذين أرهقتهم الحرب وحطمت أحلامهم، معلناً قتل علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، قائلاً إن «لاريجاني كان القائد الفعلي للبلاد، أكدنا سابقاً إننا سنستهدف كل بديل، وسنواصل ملاحقة قادة النظام الإيراني، إسرائيل تعيد إيران عشرات السنوات إلى الوراء»، وفق تعبيره، كما أكد الجيش الإسرائيلي أيضاً مقتل قائد قوات الباسيج، غلام رضا سليماني، بغارات في قلب طهران، واسمها مُنَظَّمَةُ حَشْدِ المُسْتَضْعَفِينَ، وتعرف اختصاراً بالبَسِيجِ، ومعناها الحشد والتعبئة، وهي مجموعة قوات شعبية شبه عسكرية تتكون من متطوعين من المدنيين ذكوراً وإناثاً، أسست بأمر من القائد السابق للثورة الإسلامية روح الله الخميني، في نوفمبر 1979، وتضم المنظمة الأصلية المدنيين المتطوعين وتتألف القوة غالباً من الشباب الإيرانيين، وحالياً الباسيج يقدّم مختلف الخدمات التطوعية بمثابة القوة المساعدة وتشارك في أنشطة مثل الأمن الداخلي وتوفير الخدمات الاجتماعية، وتنظيم الاحتفالات الدينية العامة، ويتبع الباسيج الحرس الثوري الإيراني، فيما يعتبر لاريجاني أرفع مسؤول إيراني يُقتل في الحرب منذ اغتيال المرشد علي خامنئي في يومها الأول مع عدد من القادة العسكرين البارزين، ليرتفع بذلك عدد المسؤولين الإيرانيين الذين سقطوا في منذ بداية الصراع الأخير إلى عشرة، وكان مقرباً من المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي.
ترفض إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حلولاً توصل إليها حلفاؤها في الشرق الأوسط عبر مفاوضات مع إيران، تهدف إلى إنهاء الحرب التي اندلعت قبل أسبوعين بهجوم جوي أميركي إسرائيلي واسع النطاق، إذ تسعى سلطنة عمان، التي توسطت في المحادثات قبل الحرب، مراراً فتح قنوات اتصال، لكن البيت الأبيض يزعم أنه غير مهتم ورفض ترامب تلك الجهود لبدء المحادثات غير المباشرة، ويركز على المضي قدماً في الحرب مع إسرائيل لإضعاف القدرات العسكرية لطهران، ويزعم مسؤولون أمريكيون أنهم سيواصلون المهمة دون توقف، في الوقت الذي يعلن فيه ترامب، إن إيران مهزومة تماماً وتريد إبرام اتفاق، لكنه لن يوافق عليه، ووصف على منصته «تروث سوشال»، وسائل الإعلام بالكاذبة، مضيفاً أنها تكره أن تنقل مدى النجاح الكبير الذي حققه الجيش الأميركي ضد إيران، وفق تعبيره، لأنها تكره نشر أخبار كاذبة التحدث عن النتائج العظيمة التي حققها الجيش الأميركي ضد إيران التي هزمت تماماً وتريد إبرام اتفاق، لكنه لن يكون اتفاقاً يوافق عليه، وكان ترامب صرح سابقاً بأن إيران تحتضر عسكرياً، والولايات المتحدة لن تقبل بأقل من الاستسلام دون شروط، الإيرانيون خسروا قواتهم العسكرية وقادتهم ثم أرادوا التفاوض فقلت فات الأوان.
لا يكف ترامب عن القول إن الحربٌ حُسمت لكنها لم تنتهِ بعد، المهمة تتطلب استسلاماً غير مشروط، من إيران، تتناسب هذه التناقضات الخطابية للرئيس دونالد ترامب مع أسلوبه في توجيه الرأي العام الأمريكي، لكنها تفقد تأثيرها عند اصطدامها بواقع الصراع المرير، لأن النصر في الحرب ليس كالنصر في الرياضة، النتيجة لا تُعلن الفائز بعد انتهاء مدة متفق عليها مسبقاً، إن التباهي ومقاطع الفيديو التي تُشبه ألعاب الفيديو التي تنشرها الحكومة الأمريكية أثناء هجومها على إيران تُخفي خطورة الموقف الحرج، وإلى أي مدى يجب على الأمريكيين أن يذهبوا، ليس فقط لإعلان النصر، كما فعل ترامب، بل لجعل إيران تتصرف وكأنها مُنيت بهزيمة، يقع ترامب الآن في أقدم فخ للحرب الحديثة، معتقداً بأنها عملية عسكرية سريعة ودقيقة ستُحقق نتائج سياسية سريعة ودائمة، فعلها السوفيت في أفغانستان، والولايات المتحدة في العراق عام 2003، وبوتين في أوكرانيا، لكنهم لم ينجحوا، ولا يزال بوتين يُقاتل، بصرف النظر عن القوة التي يستخدمها الجيش، سواء نجح أو فشل، ناسياً أن الشعب الإيراني المستهدف لديه التزام أكبر بالدفاع عن أراضيه، ربما يكون البيت الأبيض قد تسرع في هذا الأمر، مستغلاً فرصة توجيه ضربة قاضية، بناءً على معلومات من المخابرات الإسرائيلية، فضلاً عن أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لديه أهداف إقليمية مختلفة تماماً، ويتناسب التدخل الأمريكي الطويل الأمد ضد طهران مع رغبته في انهيار إيران تدريجياً بحيث لا تعود تشكل تهديداً، لكن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في 28 فبراير الماضي تسبب في مشاكل، ولذا من المرجح أن تضطر الولايات المتحدة إلى التفكير في شن هجوم مماثل في وقت ما في المستقبل، لإضعاف طهران المعاد بناؤها، ومن المرجح أن تسلك إيران المسار نفسه، ولكن ليس بالقدر الذي يُنذر بصراع مفتوح جديد، إن أخطر قرار يُمكن لأي رئيس أمريكي اتخاذه هو إرسال قواته إلى الحرب، ولم يكن ترامب وحده من أخطأ في هذا الأمر فقد فعلها جورج دبليو بوش، وظن باراك أوباما أنه قادر على الانتصار في أفغانستان لو بذل جهداً أكبر، وكشفت فوضى انسحاب جو بايدن عن مدى ضعف إدراك الولايات المتحدة لإخفاقاتها هناك.
بعد أيام فقط من الحرب، أعلن ترامب نصراً لم يحققه بعد، وهو الآن يواجه مهمة مستحيلة تتمثل في التوفيق بين حاجته المُلحة للظهور بمظهر المنتصر، وبين إصرار إيران العنيد على عدم التوقف، إن انتظار الاستنزاف ليس خطة لعب، ولكنه يبدو الخطة الوحيدة المتاحة الآن، يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وضعاً معقداً في الحرب مع إيران، ما يجعل إعلان النصر في هذه المرحلة يبدو مبكراً وغير واقعي، وسط مؤشرات تُظهر خروج الحرب تدريجياً عن السيطرة، مع تزايد تبعاتها الإقليمية والدولية تعقيداً، لكن الولايات المتحدة لم تنتصر بعدُ، لأن التعقيد المتزايد يشكك في سردية النصر الملائمة سياسياً، وهذه أول الأسباب التي تقف دون إعلان النصر بصورة واقعية، مع أن ترامب أعلن ذلك عندما قال دعوني أقولها بصراحة، لقد فزنا كما تعلمون، لقد فزنا، حُسم الأمر في الساعة الأولى، لكننا فزنا، وتجلى السبب الثاني في قرار إيران إغلاق مضيق هرمز الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم، خاصة أن إعادة فتحه بالقوة ليست مهمة سهلة، رغم أن إغلاقه مع الهجمات على ناقلات النفط في الخليج رفع أسعار النفط والوقود بشكل حاد عالمياً، كما رفع تكاليف التأمين على السفن، ما يعكس اتساع التداعيات الاقتصادية للحرب.
يبدو أن المشكلة الأساسية تكمن في أن كثيراً من التحديات التي تطرحها إيران سياسية في جوهرها وليست عسكرية، ما يعني أن حلها بالقوة وحدها أمر مستحيل، وحتى لو نجحت الولايات المتحدة في فتح المضيق، فإن ضمان بقائه مفتوحاً يتطلب وجوداً عسكرياً مستمراً ومكلفاً، قد يتجاوز قدرات الأساطيل الغربية المنهكة بالفعل، ومع أن الضربات الجوية المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل حققت بعض النجاحات العملياتية، كإضعاف قدرات إيران العسكرية وإلحاق أضرار ببرامجها الصاروخية والطائرات المسيّرة، فإن هذه النجاحات التكتيكية لا تعني بالضرورة تحقيق نصر إستراتيجي شامل، أما السبب الثالث الذي يمنع ترامب من إعلان النصر هو أن استمرار مؤسسات الحكم الإيرانية وعملها بصورة طبيعية نسبياً أضعف الرهان على سقوط النظام وربما انهياره، رغم الآمال التي كانت معقودة على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، بل إن القيادة الجديدة المتمثلة في مجتبى خامنئي، قد تكون أكثر تشدداً، ويتمثل السبب الرابع في عدم قدرة واشنطن على إنهاء الحرب في الوقت الذي تراه مناسباً، وهو ما يثيره رغبة إسرائيل بحكم موقعها الجغرافي وطبيعة صراعاتها في المنطقة، إلى التعامل مع الأمن الإقليمي باعتباره معركة طويلة الأمد، وهو ما قد لا يتوافق مع الحسابات السياسية لترامب، خصوصا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في الولايات المتحدة، ويبرز الملف النووي الإيراني كسبب خامس في تعقيد المشهد، إذ تشير تقارير دولية إلى أن طهران ربما لا تزال تحتفظ بمخزون من اليورانيوم عالي التخصيب، ما يعني أن قدرتها النظرية على استئناف برنامجها النووي لم تختفِ بالكامل، رغم الضربات الجوية التي استهدفت المنشآت النووية.
السبب السادس يتعلق بأن التوقعات التي روج لها ترمب بشأن احتمال اندلاع انتفاضة شعبية داخل إيران ضد النظام، لم تتحقق حتى الآن، وبدلا من ذلك فالسيناريو الأكثر ترجيحا هو أن يعزز النظام قبضته الأمنية بعد انتهاء القصف، وهو ما سيجعل أهداف الحرب السياسية أبعد منالاً، أما السبب السابع فيظهر على الصعيد الداخلي الأمريكي، حيث بدأت بعض التداعيات الأمنية تظهر مع وقوع حوادث عنف داخل الولايات المتحدة، يُعتقد أنها قد تكون مرتبطة بالتوترات الناتجة عن الحرب، كما أن ارتفاع أسعار الوقود والضغوط الاقتصادية قد يؤثران على المزاج العام للناخبين، ما قد يجعل من الصعب على الإدارة الأمريكية تسويق الحرب باعتبارها نجاحاً واضحاً، وتالياً الولايات المتحدة لم تحقق بعدُ نصراً حاسماً في هذه الحرب رغم التفوق العسكري الكبير، خاصة أن التحدي الأكبر بالنسبة لترمب يتمثل في كيفية إنهاء هذا الصراع بطريقة يمكن تقديمها للرأي العام على أنها انتصار، قبل أن يتآكل التفوق العسكري الأوّلي وتتحول الحرب إلى اختبار طويل للقدرة على الصمود.
على خطى القبض على الرئيس العراقي صدام حسين ونجليه، والرئيس الليبي معمر القذافي، وأسامة بن لادن، وقتلهم جميعاً، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عبر برنامج «مكافآت من أجل العدالة»، تقديم مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات تقود إلى قيادات رئيسة في الحرس الثوري الإيراني، بينهم مجتبى خامنئي، المرشد الأعلى الإيراني الجديد، ومسؤولون آخرون في المنظومة الأمنية الإيرانية، متهمة إياهم بأنهم يقودون ويوجهون عناصر مختلفة من الحرس الثوري الإيراني الذي يخطط وينظم وينفذ عمليات حول العالم، داعيةً أي شخص يمتلك معلومات عنهم أو عن شبكاتهم إلى التواصل عبر قنوات اتصال آمنة تابعة للبرنامج، كما يتضمن الإعلان أسماء عدد من المسؤولين المرتبطين بمؤسسات أمنية وعسكرية إيرانية، بينهم مستشارون للمرشد الأعلى ومسؤولون في مجلس الأمن القومي ووزارة الاستخبارات، ويأتي الإعلان في ظل تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران على خلفية المواجهات العسكرية في المنطقة، بينما أظهرت صور متداولة في طهران مشاركة مسؤولين إيرانيين، بينهم علي لاريجاني، في مسيرة يوم القدس العالمي في شوارع العاصمة.
أثار اختفاء المرشد الجديد التكهنات حول مصيره بعد الغارة التي قتل فيها والده في أول أيام الحرب، وسط تأكيدات أنه تعرض لإصابات في الهجمات التي راح ضحيتها والده، في حين ترغب واشنطن وإسرائيل في التوصل إلى مكانه لاغتياله وادعاء النصر في الحرب المشتعلة حتى الاَن، بينما اعتاد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران، على لاريجاني، اطلاق تصريحات رداً على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومسؤولي إدارته، قبل استهدافه، إذ أعلن أن إشعال الحروب أمر سهل أما إنهاؤها فليس بالتغريدات، تعليقاً على زعم الرئيس الأمريكي بأنه يستطيع إنهاء الحرب على إيران في أي وقت، كما رد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني،على مقطع فيديو لوزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث، قال فيه إن قيادة إيران ليست في وضع جيد، وكتب لاريجاني، في منشور عبر حسابه على منصة "إكس": «السيد هِغسِت، قادتنا كانوا طوال هذه السنوات بين الناس وما زالوا كذلك، أما قادتكم فهم في جزيرة إبستين»، في إشارة ساخرة إلى فضيحة رجل الأعمال الأمريكي الراحل جيفري إبستين، المدان في قضايا اتجار جنسي بقاصرات، وإلى الجزيرة التي كان يملكها، والتي ارتبط اسمها بفضيحة استغلال جنسي طالت شخصيات بارزة من بينهم الرئيس الأمريكي ترامب،كما أكد لاريجاني، في تصريح ثالث، إن« مشكلة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه لم يستطع استيعاب أن الشعب الإيراني قوي وواع وصاحب إرادة، وأن الغارات وسط المظاهرات في إيران تظهر عجز إسرائيل وارتباكها، وكلما زادت ضغوط الولايات المتحدة تعززت إرادة الشعب الإيراني».
كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد نجحت في القبض على الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، بعد الإعلان عن مكافأة قدرها 25 مليون دولار، بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وبعد مطادرة طويلة قُبض على صدام بالقرب من مسقط رأسه، تكريت، في الثالث عشر من ديسمبر عام 2003، وفي عام 2004 أظهر برنامج تليفزيوني أن الواشي كان أحد اقارب صدام نفسه، وهو شخص من فريق حمايته اسمه محمد ابراهيم عمرالمسلط، وكان يعرف باسم «السمين» او البدين، الذي تبين لاحقاً أنه حصل على المكافأة وسافر إلى الولايات المتحدة برعاية واشنطن للإقامة هناك، كما ساعدت مكافأة قيمتها 30 مليون دولار على قتل نجلي الرئيس العراقي السابق صدام حسين، عدي وقصي، وهما من المطلوبين الخمسة والخمسين للولايات المتحدة، الذين وضعوا في شكل أوراق لعب مصورة أصدرها الأمريكيون لتحديد أهم المطلوبين لواشنطن وكان صدام أحدهم، والتي اعتبرت واحدة من اقوى حملات الملاحقة عبر رصد مكافآت، إذ كانت أوراق اللعب تحمل صورا لأهم المسؤولين في نظام حكم صدام حسين، وأكثرهم أعضاء في مجلس قيادة الثورة، كما أسهمت مكافأة مالية قيمتها نحو 1,7 مليون دولار في القبض على العقيد الليبي معمر القذافي وقتله، من المقربين منه، كما دفعت الحكومة الأمريكية أكثرمن 100 مليون دولارلأكثر من 60 شخصاً قدموا معلومات أدت الى القبض على رمزي أحمد يوسف، العقل المدبر لتفجيرات مركز التجارة الدولي في فبراير عام 1993، واعتبر القبض عليه أكبر نجاح لبرنامج المكافآت الامريكية للقبض على المطلوبين، إذ ألقت القبض عليه إلى جانب آخرين، باعتباره العقل المدبر للهجوم على مركز التجارة في عام 1993 في نيويورك، والذي أسفر عن مقتل ستة وإصابة أكثر من ألف شخص، بعد هروبه إلى باكستان ومنها إلى الفلبين، حيث شرع عام 1995 في التخطيط لاغتيال البابا يوحنا بولس الثاني، وتفجير نحو 12 طائرة مدنية أمريكية في آسيا.
وأقول لكم، إن أمريكا رصدت ضمن برنامج المكافآت مبلغ 25 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي الى القبض على زعيم تنظيم القاعدة اسامة بن لادن، الذي أمر بتنفيذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر على الولايات المتحدة، والذي احتل لاحقاً المركز الاول في قائمة المطلوبين للحكومة الامريكية، وقُتل أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة فجر الإثنين الثاني من مايو 2011 في أبوت آباد الواقعة على بعد 120 كم عن إسلام أباد في عملية اقتحام أشرفت عليها وكالة الاستخبارات الأمريكية ونفذها الجيش الأمريكي واستغرقت 40 دقيقة، إثر مداهمة القوات لمجمع سكني كان يقيم به مع زوجاته وأبنائه، ودار رحى اشتباك بين بن لادن ورجاله وبين القوات الأمريكية المصحوبة بعناصر من الاستخبارات الباكستانية ونجم الاشتباك عن مصرعه بطلقة في رأسه، فهل تنجح المكافاَت الأمريكية التي ينتظرها الخونة في تحديد أماكن مجتبى خامئني والمسئولين الإيرانيين لتقتلهم أمريكا وإسرائيل تمهيداً لإعلان النصر على إيران وأنتهاء الحرب، أم يكون الشعب الإيراني أكثر تلاحماً ويدافع عن وطنه وقادته ضد العدوان؟
-------------------------------
بقلم: أحمد الشامي
[email protected]






