"هذه ليست حربنا.. وهي ليست حربا أوروبية".. بهذا الوضوح جاء رد الاتحاد الأوروبي على لسان الممثلة السامية للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، على دعوة الرئيس الأمريكي ”دونالد ترامب“ لدول الناتو للمشاركة في تأمين الملاحة في الخليج، وعلى وجه التحديد تأمين عبور السفن من مضيق هرمز، الذي أغلقته إيران مؤخرا ردا منها على الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على أراضيها منذ نهاية شهر فبراير. كما أضافت ممثلة الخارجية الأوروبية ”ليس هناك رغبة لأي من دول الاتحاد الأوروبي في الانخراط في هذه الحرب، وليس هناك شهية للدول الأعضاء في توسيع مشاركتها في حماية الملاحة في مضيق هرمز“. وجاء تصريح ”كالاس“ هذا بعد اختتام اجتماع وزراء خارجية الدول الـ 27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي حول موقف هذه الدول إزاء الحرب ومدى استعدادهم للاستجابة لدعوة الرئيس الأمريكي للمشاركة في حربه التي أشعلها، مع إسرائيل، دون استشارة دول حلف شمال الأطلسي أو الاتحاد الأوروبي الحليف له، لتأمين الملاحة العالمية في الخليج وفي مضيق هرمز. والملفت للنظر أن تصريح الاتحاد الأوروبي عن الموقف الموحد للدول الاعضاء جاء بعد يوم واحد فقط من تهديد الرئيس الأمريكي الصريح لدول الحلف، بأن ”مستقبل الناتو والتعاون عبر المحيط الاطلسي سيكون سيئا جدا في المستقبل إن لم تتجاوب هذه الدول مع دعوتنا“ كما جاء في كلام الرئيس الأمريكي. واكتفت ”كالاس“ بعرض اتفاق جميع الدول الأعضاء في الاتحاد على عدم توسيع دور الاتحاد الأوروبي من خلال المهمة الملاحية ”اسبايدس“ في الخليج، والتي أنشأها الاتحاد قبل عامين لحماية السفن وتأمين حرية الملاحة في مساحة مائية شاسعة تمتد من الخليج ومتضمنة مضيق هرمز، خليج عمان، بحر العرب، خليج عدن وحتى البحر الأحمر، على الرغم من المخاطر الاقتصادية المتوقعة جراء الحرب الدائرة في الخليج، وأهمها ارتفاع أسعار النفط، والتي زادت على الـ 40% منذ اندلاع العدوان الأميركي - الإسرائيلي على إيران، والتي تمثل أكثرمن 20% من سوق الطاقة العالمي، ناهيك عن أسعار الغاز والأسمدة الزراعية التي تعبر مضيق هرمز يوميا والتي تشكل تهديدا للموارد الغذائية لهذا العام، إن استمرت الحرب.
موقف الدول الأوروبية من الحرب
منذ بدء الهجوم الأمريكي - الإسرائيلي على إيران، أعلنت دول أوروبية عدة عن رفضها الواضح وعدم رغبتها المشاركة في الحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران. كذلك جاء رد بعض الدول الأوروبية على نداء الاستغاثة الذي وجهه ”ترامب“ للدول الحلفاء، كما أسماهم، وذكرّهم بفضل الولايات المتحدة في الوقوف بجانبهم والدفاع عنهم، مشيرا إلى الحرب العالمية الأولى والثانية. وتعتبر هذه هي المرة الأولى التي تقف فيها الدول الأوروبية، خاصة الغربية منها، منذ الحرب العالمية الثانية متوحدة ضد الانصياع إلى رغبات الولايات المتحدة والانخراط في الحروب التي تشنها ضد دول العالم غير الأوروبية.
إن هذا الموقف الموحد، بقدر حدوثه وللمرة الأولى، فإنه يعتبر مفاجأة غير سعيدة للإدارة الأمريكية وللكونغرس الأمريكي الذي يقف مشلولا تجاه قرارات البيت الأبيض لأغلبيته الجمهورية والمؤيدة لقرارات البيت الأبيض منذ تولي الإدارة الجديدة للرئاسة الأمريكية بقيادة ”ترامب“ في بداية العام الماضي. والمفاجأة الأكبر، أو كما نعتها الزميل محمد الحمامصي ”بالصفعة“ في مقاله المنشور هنا يوم الثلاثاء (17 مارس الجاري)، جاءت من المملكة المتحدة، أو ما اعتدنا تسميتها انكلترا، والتي باتت الحليف الموثوق لأميركا، والتي لم تتردد يوما في الانصياع وراء المطامع الأمريكية في السيطرة على موارد العالم والتحكم في مصير الشعوب لحساب المصالح الإمبريالية. حتى عندما كانت انكلترا عضوا في الاتحاد الأوروبي عام 2003، حين قررت الولايات المتحدة غزو العراق. حينها سارعت انكلترا بقيادة ”توني بلير“ آنذاك المشاركة الفعالة في الاجتياح الأمريكي للعراق ولم يمنعها من ذلك موقف الدول الأوروبية الكبيرة، مثل ألمانيا وفرنسا، ومعارضتها للغزو الاميركي عنما رفضت تلبية دعوة الرئيس الأمريكي ”بوش“ في الانضمام لغزو العراق. ولكننا نشهد اليوم موقفا آخر معارضا للسياسة الأمريكية من قبل الدول الأوروبية، بما في ذلك الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، مثل انكلترا والنرويج، رغم أنهما عضوان في حلف شمال الأطلسي. وقد كانت إسبانيا سباقة في إعلان معارضتها لهذه الحرب، واعتبرتها ”غير شرعية“، كما جاء على لسان رئيس وزرائها ”سانتشيس“. ولم تكتف إسبانيا بذلك، بل منعت الولايات المتحدة من استخدام القواعد الإسبانية أثناء هذه الحرب. وقد تبعتها في ذلك الدول الكبرى في الاتحاد الأوروبي مثل فرنسا وألمانيا، وكذلك اليونان ورومانيا ولوكسمبورغ.
في ذات الوقت، نشهد تزحزحا في موقف الدول الأوروبية تجاه الالتزام المتزمت في هزيمة روسيا في حربها ضد أوكرانيا، خاصة بعد سماح الرئيس الأمريكي للهند استيراد النفط من روسيا، والذي يعتبر من وجهة نظر الاتحاد الأوروبي انحيازا لروسيا ودعما لها في هذه الحرب وإضعافا للحصار الاقتصادي الذي تفرضه أوروبا على روسيا. ومثل هذا التزحزح يقلق أوروبا كثيرا، خاصة وأن بعض القادة السياسيين في أوروبا لم يبدوا أي حرج في تصريحاتهم حول العلاقة مع روسيا. ومؤخرا صرح رئيس الوزراء البلجيكي ”دي فيفر“ قبل بضعة أيام، أن الطريق الوحيد لإنهاء الحرب في أوروبا هو إبرام صفقة تجارية مع روسيا، وذلك لأن جميع دول الاتحاد الأوروبي تعاني من أزمة طاقة شاملة، مما يهددها بمواجهة ركود اقتصادي في المستقبل القريب. ودعم هذا الموقف وزير الخارجية الايطالي ” تاجاني“ بتعليقه على ما صرح به رئيس الوزراء البلجيكي بأن ذلك ضروري جدا ولكن عندما تنتهي الحرب ويعم السلام في أوروبا مرة ثانية، حينها من المنطق أن تتمتع أوروبا بعلاقات تجارية مع روسيا.
ما وراء الموقف الأوروبي من أمريكا
إن السبب الرئيسي لتحول الموقف الأوروبي لأول مرة ورفضه لدعوة الرئيس الأمريكي الصريحة للمشاركة في الحرب الدائرة ضد إيران يكمن في أن الدول الأوروبية لا ترى أن لدى الادارة الأمريكية والإسرائيلية خطة واضحة لإنهاء هذه الحرب ولا لكيفية إبقاء مضيق هرمز مفتوحا للملاحة والتجارة العالمية. وقد أشار وزير الخارجية الدنماركي ”راسموسن“ إلى ذلك بقوله ”ليس هناك هدف واضح من هذه الحرب يمكن رؤيته“، بينما كان وزير الخارجية الألماني ”فاديبهول“ أقل دبلوماسية من نظيره الدنماركي عندما أخبر الصحفيين ”ليس للدول الأوروبية أي علم، متى ستوقف امريكا وإسرائيل القصف المستمر على إيران، وما دامت هناك حرب وقصف يومي، فليس من المنطق مناقشة المشاركة في أية مهمة بحرية لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، بل ستبقى الملاحة في المضيق معرضة للقصف من الجهتين“. وهذا السبب هو ما يمكن استخلاصه من تصريحات الساسة الأوروبيين، عدم وجود خطة واضحة لأهداف الحرب وإنهائها. غير أن المحللين السياسيين يرون أن هناك تداعي واضح في العلاقة بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية إضافة لما هو معلن، والشاهد على ذلك هو رفض انكلترا للانخراط في هذه الحرب، والذي يفضح عدم احترام إنكلترا للموقف الأمريكي، رغم طلب الرئيس الأمريكي الصريح لدعمه في هذه الحرب. وهذه هي المرة الأولى التي تقف فيها انكلترا على نقيض من الموقف الأمريكي في أية حرب منذ الحرب العالمية الثانية، إن كان ذلك في كوريا أو فيتنام أو العراق أو أفغانستان على سبيل المثال. كذلك فإن الدول الأوروبية تجد نفسها في حل من الجري وراء أهواء السياسة الأمريكية بعد أن رفع الرئيس الأمريكي الرسوم الجمركية على الاتحاد الأوروبي بشكل عام وعلى بعض الدول الأوروبية بشكل خاص. وهناك أيضا موقف الرئيس الأمريكي من الحرب الروسية - الأوكرانية وإيقاف الدعم الاقتصادي الأمريكي لأوكرانيا، معلنا بذلك عدم رغبته في دعم هذه الحرب التي ساندتها الدول الأوروبية بكل ما تملك من مال وسلاح. إضافة إلى تهديداته المستمرة في رغبته امتلاك جزيرة جرينلاند، أو في حل حلف شمال الاطلسي الذي يمنح أوروبا التوازن في علاقتها مع الدول الكبيرة، مثل روسيا، ناهيك عن تصريحات الرئيس الأمريكي واستهزائه بالقيادات السياسية في أوروبا ووصفهم مرة بالجبن ومرة بالضعف ومرة بعدم الذكاء. كل ذلك مجتمعا أدى إلى نوع من التذمر من الرئيس الأمريكي وسياساته، والذي انعكست عواقبه في الموقف الأوروبي الأخير تجاه الحرب على إيران.
وأخطر تصريح جاء قبل بضعة أيام في مقابلة أجرتها صحيفة الفاينانشال تايمز مع ممثلة الشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد الأوروبي، والتي أعربت بكلمات لا تقبل التأويل ”على الجميع أن يفهم، أن الإدارة الأمريكية كانت واضحة ولم تخف رغبتها في تفكيك الاتحاد الأوروبي، فهي لا تضمر أي تعاطف مع هذا الاتحاد“، وأوضحت أن الولايات المتحدة لا تضمر كرها لهذا الاتحاد فحسب، وإنما تعمل جادة على حله مستخدمة نفس الأساليب التي يستخدمها أعداء الاتحاد الأوروبي تماما. وهنا كانت تقصد روسيا ورئيسها ”بوتين“. وعزت السبب في ذلك إلى ”ان للاتحاد الأوروبي ثقل عالمي يوازي ثقل الدول العظمى، ولا يمكن لترامب أو بوتين أو شي إن أن يتجاوزوه إن كانت دول الاتحاد متحدة. وأوضح دليل على مواكبة الولايات المتحدة على تفكيك الاتحاد الأوروبي هو دعم الرئيس الأمريكي ونائبه ووزير الخارجية لبعض القادة الأوروبيين، مثل ”أوربان“ في هنغاريا و ”فيسو“ في سلوفاكيا والرئيس البولوني ”ناوروسكي“، الذين يعارضون القرارات الأوروبية المهمة ويعملون على تعطيلها“.
ولكن يبقى السؤال الأهم، هل هناك في كواليس السياسة الأوروبية خططا لتغيير الوضع الحالي، بما يشمل الحرب الروسية - الأوكرانية، وكيفية الرجوع إلى المربع الأول، حيث تقف الولايات المتحدة مع الاتحاد الأوروبي كتفا بكتف، كما كان الحال في عهد الرئيس ”بايدن“؟ وهل يمكن أن توضع الثقة في قرارات الدول الأوروبية المعارضة، خاصة بما يتعلق بعلاقتها مع الولايات المتحدة؟ أي بمعنى قدرة الدول الأوروبية على الوقوف على النقيض من السياسة الأمريكية، فهذا يتطلب أن يتمتع الاتحاد الأوروبي بموقع يوازي موقع القوى العظمى في العالم، من الناحية الاقتصادية والعسكرية، وهذا ليس متوفرا الآن رغم أن العديد من الحكومات الأوروبية تدعو لذلك. وإن وافق الاتحاد الأوروبي، أي إن توافق جميع الدول الأوروبية على السير في هذا النهج، فإن الصعود إلى موقع يوازي الدول العظمى يستغرق وقتا طويلا، بضعة عقود على الأقل في تقدير العديد من المراقبين الاقتصاديين والعسكريين. أما الجواب عن مدى الوثوق في قرار الاتحاد الأوروبي المعارض للمشاركة في الحرب على إيران، فستفضحه الأيام والأسابيع القادمة، ولكن ما يمكن قوله الان، هو أن ما يهم الدول الأوروبية هو إعادة الولايات المتحدة إلى الوقوف في صفها ضد روسيا، وما يترتب على ذلك هو استخدام دعوة الرئيس الأمريكي للانضمام إلى قوات حفظ الملاحة البحرية في مضيق هرمز، أو بالأحرى رفضها لدعوته كورقة ضغط على الولايات المتحدة، تساوم بها على الانخراط في الحرب على إيران مقابل دعم الولايات المتحدة لأوكرانيا في حربها مع روسيا. وكما يبدو أن الادارة الأمريكية أصبحت تعاني من ورطة حقيقية في هذه الحرب التي كانت تظن أنها ستكون حربا سريعة لا تطول أكثر من بضعة أيام، وبعدها يعلن الرئيس الأمريكي انتصاره. ولكن الواقع يثبت عكس ذلك، فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تعد كأقوى دولة عسكرية في العالم وتمتلك أقوى جيش مجهز بأحدث المعدات العسكرية، إلا أنها غير قادرة على فتح وحماية مضيق هرمز من القصف الإيراني. أضف إلى ذلك أن الرئيس الأمريكي لا يتمتع بمساندة حقيقية لهذه الحرب من قبل الناخبين الأمريكيين الذين صوتوا له على مبدأ ”إنهاء تورط اميريكا في الحروب“، فهل سيرضخ للضغوط الأوروبية؟ أو هل ستقدم الإدارة الأمريكية، نتيجة لعدم تمكنها من إنهاء الحرب، عرضا للدول الأوروبية يقضي بقبولها الوقوف إلى جانب أوكرانيا مقابل انخراط أوروبا في حرب الخليج؟ هذا ما سنراه قريبا.
----------------------------
بقلم: د. سليم العبدلي






