المانشيت: بين مطرقة الهيمنة وسندان المقاومة، هل تحولت الجغرافيا إلى لوحة من الإملاءات؟ قراءة نقدية في صراع "الكتلة" الإيرانية وسط "فراغ" المواثيق الدولية، وكيف يعاد رسم خارطة العالم بمنطق القوة لا قوة المنطق.
من خلال لغة التشكيل، فإن "الكتلة" و "الفراغ" في اللوحة ليسا مجرد توزيع آلي، بل هما صراع إرادات؛ هكذا أرى العالم من حولي. كلما كانت الكتلة مستقرة، كان الفراغ ثانويا وإن فعل الفنان دوره. وفي هذا المشهد الكوني المضطرب، أرى أمريكا وإيران كتلتين في فراغ واسع.
لقد استطاعت إيران أن تؤكد كتلتها بعد عذاب السنوات الفائتة التي حوصرت فيها. وطوال هذه السنوات، كان المنطق السائد يقول: إذا فشلت المفاوضات، تظل أمريكا هي القوة العظمى المستقرة اقتصادياً، بينما يتجرع الطرف الآخر مرارة الحصار وتآكل العملة المحلية.
أي منطق هذا الذي يجعل التفاوض كارثياً لطرف واحد فقط؟ هل ما كان يحدث من مفاوضات بين إيران وأمريكا مفاوضات حقا، أم هو "استسلام تدريجي" مغلف بورق السلوفان الدبلوماسي؟
في الفلسفة السياسية، التفاوض الحقيقي يفترض وجود "ندية". لكن عندما يمتلك طرف واحد (أمريكا) مفاتيح النظام المالي العالمي، والقدرة على عزل أي دولة بضغطة زر، يتحول الجلوس على الطاولة من بحث عن "حل وسط" إلى محاولة لـ "تقليل الخسائر". لقد سقطت الأقنعة؛ فبعد أن كانت هناك معايير ولو شكلية، أصبحت واشنطن تقول صراحة: "افعلوا كذا وإلا"، بعد أن كانت تغلف هذا الأمر أمام العالم بقولها: "هذه هي المعايير الدولية لضمان السلام"؛ وهي معايير صاغتها هي وحلفاؤها بما يتناسب مع مصالحهم، مما يجعل رفضها يبدو وكأنه "خروج عن النظام العالمي".
عصر الزيف الأكبر
نجحت الهيمنة الأمريكية في فرض "قاموس" عالمي يجعل من القتل "ضرورة أمنية"، ومن التبعية "شراكة استراتيجية"، لتكتمل اللوحة بمنظور ورؤية راسمها الوحيد. نحن نعيش اليوم في "عصر الزيف الأكبر"، حيث لم تعد السياسة فناً لتدبير الشأن العام، بل صارت مسرحاً للإملاءات المغلفة برداء الدبلوماسية البالي.
إن ما نراه اليوم من "كيل بمكيالين" واغتصاب للأرض وحقوق الإنسان، ليس مجرد خلل عابر، بل هو سقوط مدو للنموذج الأخلاقي الذي ادعى الغرب حمايته لعقود. لقد تحولت طاولات الحوار إلى منصات لتلقي الأوامر؛ وعندما يكون الخيار بين الجوع أو التخلي عن الكرامة، فإننا نكون أمام "عقد إذعان" يوقعه الضعيف بدم قلبه.
موت "نظام الستينيات" وصمت المصالح
إن نظام الستينيات، الذي كان يقيم وزنا ولو ظاهريا للمواثيق، قد مات، وحل محله نظام "المخالب التقنية والمالية"، حيث يخنق الخصم بقرار أحادي يرمي بآمال الشعوب عرض الحائط.
من الذي نصب واشنطن قاضيا وجلادا في آن واحد؟ لم يكن تفويضا إلهيا ولا انتخابا بشريا، بل هو "فراغ القوة" الذي استغله القوي ليصيغ العالم على مقاس مصالحه. أما الصمت الدولي المحيط بهذا التغول، فليس سكوت الرضا، بل هو "صمت المصالح الخائفة". القوى الكبرى تصمت لأنها شريكة في النفع، أو لأنها تخشى اهتزاز "عرش الدولار" الذي يربط الجميع برباط العبودية الاقتصادية.
كسر التبعية وتحرير الكلمة
إن الاستسلام لهذا الواقع بوصفه "قدرا لا يرد" هو الجريمة الكبرى. المواجهة هنا لا تبدأ بالرصاص وحده، بل تبدأ بكسر التبعية والرفض المطلق لكل المصطلحات التي تشرعن الظلم. يجب فضح هذا الزيف وتسمية الأشياء بمسمياتها: فالخيانة ليست "وجهة نظر"، واغتصاب الأرض ليس "نزاعا حدوديا"؛وقتل الأطفال ليس "خطأ تقنيا".
إن العالم لا يسقط بضربة الظالمين، بل بصمت الصامتين الذين يمتلكون القدرة على الكلام. وما تفعله إيران الآن من مواجهة بمفردها لهذا النظام المقيت، يهز الضمير العالمي ويجعل الصمت السياسي مكلفا أخلاقيا أمام الشعوب.
لقد آن الأوان أن نحرر أنفسنا كدول عربية من تبعية غرب مجحف، ونرفض الإملاءات أيا كان مصدرها. يجب التخلص من الإعلام الأجير الذي يبرر الهزيمة بدعوى "الواقعية"، والإيمان يقينا بأن "قوة المنطق" قادرة على الصمود أمام "منطق القوة".
-------------------------------
بقلم: د. سامي البلشي






