21 - 03 - 2026

القطبان بلا بوصلة: لماذا يبحث الأهلي والزمالك عن هويتهما الضائعة؟

القطبان بلا بوصلة: لماذا يبحث الأهلي والزمالك عن هويتهما الضائعة؟

قبل عقد من الزمان، كان السؤال المطروح في مصر هو: من سيفوز بالدوري والبطولات الأفريقية؟ الأهلي أم الزمالك؟ أما اليوم، وبينما يعيش القطبان أسوأ فتراتهما الفنية منذ سنوات، بات السؤال أكثر إيلاماً: لماذا نبحث عن هويتنا؟ في موسم 2026، يتصدر الأهلي والزمالك المشهد، لكن ليس بالنتائج المبهرة، بل بفقدان البوصلة. بينما يكافح الفريقان في صراع غير مسبوق مع بيراميدز على قمة الدوري ، يبدو الصراع الأكبر داخلياً: صراع الهوية بين الماضي المجيد والحاضر المربك، وبين سياسات التعاقدات وتراجع قطاع الناشئين.

في الأهلي، تُطرح أسماء عودة حسام البدري للنقاش الداخلي، ليس لأنه الأفضل فنيًا، ولكن "لأن النادي يشعر بقلق وارتباك ويحتاج لمن يعرف الممرات القديمة" . وفي الزمالك، يعلن أمير مرتضى منصور عن مشروع طموح لبناء فريق يعتمد على قطاع الناشئين بنسبة 80% . بين هذا وذاك، يبدو القطبان وكأنهما يحاولان جاهدين العثور على "الهوية" التي فقداها في زحمة الإخفاقات والنتائج الباهتة.

 الأهلي.. "بلا طعم ولا لون ولا ريحة"

لم تكن تصريحات نجم الأهلي السابق، محمد عبد الجليل، مجرد رأي عابر، بل وصفت بدقة ما يعيشه النادي الأهلي تحت قيادة مديره الفني الدنماركي ييس توروب. "الأهلي مع توروب بلا طعم ولا لون ولا ريحة" . عبارة موجعة ولكنها تعكس غياب الهوية الفنية الواضحة. فالجماهير التي اعتادت على فريق يفرض سيطرته وهيمنته، ترى الآن أداءً باهتاً ونتائج تاريخية "بشكل سلبي" في دوري المجموعات الأفريقي .

غياب الروح والتنظيم

 ملامح هذه الأزمة يحددها ماهر همام، لاعب الأهلي ومنتخب مصر السابق، بدقة جراحية. فالمشكلة ليست في النتائج فقط، بل في الكيفية. "الروح القتالية المرتبطة بالفانلة الحمراء غائبة تماماً عن اللاعبين" . ويضيف همام أن "العديد من الجوانب التنظيمية الدفاعية والهجومية التي كانت موجودة سابقاً لم تعد واضحة داخل الفريق". بل ويزيد الطين بلة أن "بناء الهجمة من الخلف يستغرق وقتاً طويلاً للغاية" ، مما يسهل مهمة الخصوم في الضغط على الفريق الأحمر.

الأكثر إثارة للقلق، أن الأهلي في لحظات الشك، يلجأ تلقائياً إلى "رفاهية العودة للماضي". تحليل عميق في أحد التقارير يشير إلى أن "عودة اسم حسام البدري إلى دوائر النقاش لا يمكن قراءتها أبداً باعتبارها مجرد فكرة عابرة... بل يجب قراءتها باعتبارها علامة واضحة على أن النادي يعيش لحظة مراجعة حقيقية، وربما لحظة قلق أكبر مما يظهر على السطح" . يبدو أن الأهلي، رغم كل الإمكانيات، لم ينجح بعد في بناء هيكل مستقر لاتخاذ القرار الفني، ليجد نفسه يعيد فتح الأدراج القديمة كلما عصفت به الأزمات .

الزمالك.. حلم الناشئين! 

على الجانب الآخر، يبدو مشهد الزمالك مختلفاً لكنه لا يقل تعقيداً. يحتل الفريق المركز الأول في الدوري برصيد 43 نقطة ، لكن الصراع على القمة مع بيراميدز يكشف عن حاجة الفريق لإعادة بناء حقيقية.

في تصريحات جريئة، كشف أمير مرتضى منصور عن ملامح مشروعه الطموح لإعادة هيكلة الفريق. رؤية تقوم على فكرة جذرية: "تكوين فريق أول لكرة القدم يكون 80% من قوامه من أبناء النادي، مع الاكتفاء بالتعاقد مع 20% فقط من اللاعبين في المراكز التي لا يمكن سدها من داخل القطاع" . مشروع يتضمن التعاقد مع مدير رياضي أو رئيس قطاع ناشئين أجنبي (ألماني أو هولندي) "لما تمتاز به هذه المدارس من انضباط ومنهجية واضحة في تطوير المواهب" .

الخطوات على الأرض

هل يتحول الحلم إلى واقع؟ يبدو أن هناك تحركات فعلية. فمجلس إدارة الزمالك بدأ بالفعل في توقيع عقود احترافية مع عدد من مواهب قطاع الناشئين، أبرزهم أحمد جمال السيد وهشام محمد وحسين أبو المعاطي وآخرين . القرار يأتي بهدف "الحفاظ عليهم من الناحية المالية في حالة قرار تسويقهم، أو من الناحية الفنية داخل الملعب لتقديم الدعم الفني للفريق الأول" .

 إلى أين يتجه القطبان؟

ما يحدث في القطبين يطرح سؤالاً جوهرياً: هل المشكلة في الأفراد أم في المنظومة؟

في الأهلي، بدأ ياسين منصور نائب الرئيس وسيد عبد الحفيظ عضو مجلس الإدارة في دراسة إعادة هيكلة شاملة لقطاع الكرة . الخطة تشمل "إدارتي الإسكاوتنج والتعاقدات" ، وهما الملفان الأكثر إثارة للجدل. هناك توجه لتعيين دكتور عصام سراج رئيساً لإدارة التعاقدات، وإدارة جديدة للإسكاوتنج تضم 5 أفراد، منهم ثنائي عملا مدربين في دوري الدرجة الثانية . كما يتم دراسة تغيير شامل في قطاع الناشئين، بتقليص عدد فرق المنافسة إلى 3 فقط للتركيز، وزيادة فرق البراعم .

أزمة المهاجم الأجنبي

ولكن هل تحل الهيكلة مشكلة جوهرية مثل أزمة المهاجم الأجنبي؟ يوجه محمد عبد الجليل سؤالاً موجعاً: "هل من المعقول أن محمود الخطيب لا يستطيع التعاقد مع مهاجم قوي للأهلي؟" . فالإدارة، من وجهة نظره، "لم تنجح منذ أربع سنوات في التعاقد مع مهاجم أجنبي قادر على صناعة الفارق" . إنه نموذج صارخ على أن غياب الفلسفة الفنية الواضحة يجعل حتى أكبر الأسماء تعاني في سوق الانتقالات.

 التأثير على المنتخب الوطني

لا يمكن فصل ما يحدث في القطبين عن حال المنتخب الوطني. فعندما يعاني قطبا الكرة المصرية من غياب الهوية وتراجع المستوى الفني وغياب الروح القتالية، فإن الخاسر الأكبر هو المنتخب الذي يعتمد في الأساس على نجوم الأهلي والزمالك. إذا كان لاعبو القطبين لا يجدون الانسجام والتنظيم داخل أنديتهم ، فكيف يمكن للمنتخب أن يبني كياناً قوياً قادراً على المنافسة قارياً وعالمياً؟

يبقى السؤال الأهم: هل ينجح الأهلي والزمالك في استعادة هويتهما؟ في الأهلي، هناك حاجة ماسة "لاستعادة روح الفانلة الحمراء باعتبارها الأساس الحقيقي لنجاحات الفريق" . وفي الزمالك، يبقى الرهان على قطاع الناشئين والرؤية طويلة المدى . ولكن كرة القدم الحديثة لا تدار فقط بالروح أو بالرؤى الطموحة، بل بمنظومة متكاملة تجمع بين الفلسفة الفنية الواضحة، والإدارة الاحترافية، والاستثمار الحقيقي في المواهب. حتى يحقق القطبان هذه المعادلة الصعبة، سيظل السؤال قائماً: أين ذهبت هويتنا؟
---------------------------
تقرير - مصطفى مجدي