20 - 03 - 2026

إبداعات | ساكنة الجنان في طنطا .. قصة قصيرة

إبداعات | ساكنة الجنان في طنطا .. قصة قصيرة

تكررت زياراتي لطنطا في أوقات مختلفة؛ رغبةً في سرعة طباعة الرواية الأولى، كنت أترك الكلية والمحاضرات نهاراً، وأسرق بعض الساعات ليلاً في أحيان أخرى.

 كان صاحب المكتبة مشغولاً على الدوام، فهو صاحب مكتبة ومطبعة ودار نشر، وموظف حكومي وباحث ماجستير عن النقد الأدبي عند الآمدي، ويدرس عصور الأدب العربي وتاريخه الممتد، ورب أسرة وزوجته كثيرة الزيارات للمكتبة.

 لكني رغم كثرة انشغالاته كنت فخوراً بمعرفتي به؛ لكونه قرر طباعة روايتي الأولى على نفقته الخاصة وأنا ما أزال في مرحلة الليسانس.

 آخر خمس زيارات للمكتبة لم أكن أجده في المكتبة، وكان عليَّ أن أنتظره، لكني قررت ألا أزوره إلا عصراً، كان الطريق من كفر الشيخ إلى طنطا مليئاً بالأحداث، فمرة أتعرف على معارف جدد، ومرات أستمع لحوارات شيقة بين الناس، وربما مصادمات، فكنت أدخر كل هذه الخبرات للاستفادة منها في قادم الأعمال السردية.

وكانت الامتحاناتُ قد اقتربت وكنتُ مشغولاً ذهنياً بمسألة طباعة الرواية، التي اخترتُ لها عنوان" خبايا المرأة" وأخيراً قبل اليأس بمسافة طويلة قررت أن تكون هذه الزيارة للمكتبة هي الزيارة الأخيرة، فإما أجد الرواية مطبوعة أو أصرف نظر عن الموضوع كليةً وألتفت للامتحانات، حتى أنتهي من الليسانس ثم أبحث عن دار نشر أخرى.

وصلتُ المكتبةَ القريبةَ من محطة السكة الحديد، وفي خاطري قرار خطير، وجدتُ الموظف في المكتبة على هيئته التي لا تتبدل، يخبرني أن الأستاذ رمضان على وصول، ربع ساعة فقط، وكانت تمتد هذه الربع ساعة لساعات وربما لأيام، مما حدا بي أن أدرس الزمان عبر التاريخ، ورحلته في الحياة، ولكني لم أقف للعلماء على دراسة الزمان في مصر، فالربع ساعة قد تكون عدة أيام وما هو بعد العصر أو قبل العشاء قد يكون زماناً مبهماً في قادم الأيام.

كان فؤاد يجلس تحت العمارة المقابلة للمكتبة، والمكتبة في الدور الأرضي في شارع جانبي بجوار محطة السكة الحديد، وبينما أتجادل مع موظف المكتبة حول تحديد قيمة الوقت بالضبط، كان فؤاد في الجانب الآخر في حالة عصبية عنيفة، قد ارتفع صوته مغاضباً أحد جيران المكتبة، وكان يدخل المكتبة يأخذ ما يشاء من الأقلام والأوراق يملأها بالمعادلات الرياضية الغريبة، كان فؤاد طليق اللحية، مهوش شعر الرأس، لم يمشط شعره منذ بدء الخليقة، يبدو أنه كان عبقرياً لكنه ضلَّ طريق العبقرية وقطع الشعرة الفاصلة بينها وبين الجنون، واختار الجنون، كنت أراه كثيراً، وعلمت من موظف المكتبة أنه يهيج قليلاً ثم يسكن، وحكي لي قائلاً: إن أحد أصحاب مطابع الكتب من ميت غمر كان هنا، وضجَّ من صوته العالي، فطلب منه برفق الهدوء، لكن فؤاداً أغلظ له في القول وسبه وشاتمه وكاد الرجل أن يتشاجر معه ويتعاركا لولا تدخل المارة، وقال له أحدهم: عليك يا فؤاد أن تسكن قليلاً فالناس صائمة وتريد بعض الهدوء. فقال له: نعم.. أنتم تريدون دخول الجنة، أما أنا ففي جنة خاصة منذ ميلادي.

  كنت تعودت على هيجان فؤاد، ولم أتعامل معه مطلقاً، بل كنت مستمتعاً به، فهو يمثل لي غرابة طريفة في حياتي الرتيبة والعادية، ثم فجأة ودون سابق إنذار من رعد أو برق يخطف الأسماع والأنظار، فُتح شباك الطابق الأرضي الذي يقف تحته فؤاد، وأطلت من الشباك حورية، نادت قائلة: فؤاد.

هنا خشع كل شيء في فؤاد، خشع خشوع مَن يمثلُ أمام العدالة التي ستنطق ببراءته من القتل وتعويضه، بل خشوع مَن يقف أمام الرضوان وينتظر الإذن بالدخول ويُمني نفسه بكل ما تتطلع إليه.

كما بعد العواصف الكبرى يهدأ الطقس وتتغير الحياة قال فؤاد: نعم.

مدت يدها إليه بطبق عليه أرز وخضار وقطعة فراخ، وهي تقول: تفضل الغداء.

تناوله من يدها في خشوع ووقار لا علاقة له بما كان فيه منذ قليل.

كأنه تناول حقنة مخدر فوري المفعول.

راقبتُ الموقف، وكنتُ بعيداً، ولم تجُل حور العين بعينيها في المكتبة، ناولته الطبق بحنوٍ وهدوءٍ يليقان بجلال جمالها وجمال جلالها ورقتها وعذوبتها، انفصل فؤاد عن الكون كله، وانكبَّ بهدوء شديد على الطبق يتناول ما فيه بنهم.

ووجدتني أسأل موظف المكتبة عنها. فقال: إنها الآنسة رانيا، تعطف عليه كل يوم وتعطيه الغداء.

قلت: الغداء فقط؟

أجاب: هو لا يقف هنا صباحا ولا ليلاً.

سألته: هل الآنسة رانيا مخطوبة؟

نظر نحوي بهدوء وقال: لا أدري، أنا موظف جديد هنا.

وقتها فقط أدركتُ أن الناس لن يدخلوا الجنة كلهم، فمن لا يستشعر الجمال والجنان في الحياة لا يليق به الفوز بهما في الحياة الآخرة، وقد أطلت من شباكها حورية أخمدت بركان فؤاد بكلمة ولمسة وعطفة، فكيف بها لو شاركتنا الحياة.

كرهتُ صغرَ سني وفقر حالي، ولكني قررت انتظار صاحب المكتبة إلى المدى الأوسع، فليأتي وقتما يشاء أو لا يأتي، وليته لا يطبع الرواية؛ حتى أزور المكتبة كل يوم لعلي أحظى بهذه اللحظة التي توقف مسيرة العاصفة وتضعني في الجنان، وتمنيت لو أعيش في طنطا وأُبعث فيها فلا أفارقها مطلقا، ولكن للأسف الشديد أقبل صاحب المكتبة بعد قليل ومعه نسخ روايتي وقد خرجت من المطبعة، وصار عليَّ الآن مغادرة المكان والمذاكرة للحصول على الليسانس، وإبداع رواية جديدة للعودة إلى الحورية التي تسكن مقابل المكتبة في طنطا.
--------------------------------------
بقلم: علاء الدين سعد جاويش