20 - 03 - 2026

لماذا انخرط الحزب اللبناني في الحرب الحالية؟؟

لماذا انخرط الحزب اللبناني في الحرب الحالية؟؟

اعتبر كثير من المراقبين أن حزب الله قد انتهى فعليا، على الأصعدة العسكرية والسياسية والاجتماعية، منذ وقوع حادثة البيجر وما تلاها من اغتيال السيد حسن نصر الله ونائبه الذي تم تنصيبه أمينا عاما جديدا، (هاشم صفي الدين)، مع عدد كبير من قيادات الحزب، قدرها البعض بأنها تمثل الصف الأول والثاني، على الأقل من قيادات الحزب السياسية والعسكرية. وما تلى ذلك من اغتيالات فردية طالت كل من سجلت أجهزة مخابرات العدو اسمه أو صورته. وبالإضافة الى ذلك، فان الغارات الصهيونية لم تتوقف على قرى وبلدات الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية لبيروت، حتى ربت على المائة وخمسين غارة جوية إلى جانب الاختراقات البرية التي لم تتوقف. على نحو يشبه ما تفعله القوات الصهيونية في غزة

وهنا علت أصوات كثيرة داخل الدولة اللبنانية وعلى لسان رئيسها (جوزيف عون) ورئيس وزرائها (نواف سلام) بضرورة أن يتولى الجيش اللبناني مهمة نزع ما تبقى من سلاح الحزب والإجهاز الكامل على قوته العسكرية. بل وصل الأمر مؤخرا إلى حد الدعوة إلى استدعاء قوات الجولاني الداعشية الإرهابية لمساندة الجيش اللبناني في هذه المهمة. وقد أبدى الجولاني ترحيبه الكبير لإنجاز هذه المهمة

الغريب أن أصحاب هذه الأصوات لم ينبسوا ببنت شفة في مواجهة التصريحات الإعلامية والرسمية التي أدلى بها نخب وقادة الكيان حول ضرورة الاستيلاء على لبنان في طريقهم إلى تحقيق حلم إسرائيل الكبرى. فضلا عن الانتهاكات الصهيونية المتواصلة على الأراضي اللبنانية، والتي توالت منذ توقف الحرب على غزة في العام الماضي، حتى الآن، حتى بلغت ما يربو على ثلاثة آلاف عدوان وخرق لوقف إطلاق النار، فضلا عن الاغتيالات الفردية والهجمات الجراحية على منازل القادة والمسؤولين والأفراد العاديين في الضاحية الجنوبية وكل ربوع لبنان. وهذا يشبه تماما صمت أتباع الجولاني في مواجهة الممارسات العدوانية المعروفة ضد سوريا. فلم يكن الرد على كل تلك الاعتداءات والتهديدات مدرجا على قائمة المهام لديهم. بل إن المهم بالنسبة لهم هو كيفية نزع سلاح حزب الله والقضاء عليه.

وحجة الدولة اللبنانية تتمحور في أن نزع سلاح الحزب ضروري، من أجل بسط سيادة الدولة واحتكار قراري الحرب والسلم بوصفهما قراران يقعان في صميم مفهوم سيادة الدولة. وعلى الرغم من وجاهة هذا الطرح، من الناحية الظاهرية، فان أسئلة عديدة يمكن أن تبرز في هذا السياق:

1- هل الدولة اللبنانية جادة حقا في حماية التراب اللبناني في مواجهة الأطماع الإسرائيلية و(غير الإسرائيلية)؟؟ وإذا كانت جادة، فلماذا لم تعمل بالجدية نفسها على تطوير قدرات الجيش اللبناني؟؟ ومن المعلوم أن القدرات التسليحية لهذا الجيش لا تتعدى ما هو متاح، عددا وعتادا، لفرقة من فرق حفظ السلام أو قوات الأمن المركزي. فهو لا يمتلك دبابات ولا طائرات ولا دفاع جوي صاروخي من أي نوع. وكل ما لديه هو مجموعة من المصفحات المجنزرة القديمة وبنادق المشاة. وكانت إيران قد أعربت قبل زمن ليس بعيدا عن استعدادها للقيام بتسليح هذا الجيش، ولكن طلبها قوبل بالرفض بجلافة واستكبار. بينما استكان الساسة اللبنانيون للفيتو الإسرائيلي الأمريكي بعدم تطوير سلاح الجيش.

2- وإذا كانت الدولة اللبنانية تريد بسط السيطرة على كامل أراضيها، حقا، فلماذا لم تقم بإعادة إعمار بيت واحد مما تم تدميره إبان الحرب الأخيرة، في الجنوب والضاحية، خاصة، بعد انكفاء قوات الحزب، واغتيال قادته؟؟

3- وإذا كانت تلك الدولة حريصة حقا على وحدة أراضيها وبسط السيادة عليها، فلماذا لم تقم بالرد، أو حتى بالرفض والاحتجاج على الاعتداءات الصهيونية المتواصلة والتي طالت مساحة تربو على نصف مساحة لبنان، على مدار السنتين الماضيتين؟؟ بل كان أداء الدولة اللبنانية سلبيا للغاية إزاء كل تلك الجرائم الصهيونية بحق مواطنيها وأراضيها، وكأن الأمر لا يعنيها من قريب أو بعيد.

وهنا، يمكن القول أن مقولة السيادة واستعادة قرار الحرب والسلم، إنما هي ادعاءات فارغة، وأن هذه الدولة لا تتحرك إلا وفق ذريعة من اثنتين أو هما معا:

الأولى: إما أنها تتحرك وفق أجندة طائفية تعادي إحدى الطوائف لصالح طوائف أخرى تشعر بالكراهية والخطر على النحو الذي تم ذكره

والثانية: أنها تخضع لأجندات وإملاءات إقليمية ودولية ممالئة وداعمة لمصالح دولة الكيان الصهيوني وبرعاية أمريكية

وفي كلتا الحالتين أثبتت هذه السلطة أنها غير قادرة على حماية أراضي لبنان وأمن وسلامة شعبه. ولعل هذا ما يوفر غطاء وطنيا وشعبيا، (فضلا عن بيئة الحزب الطبيعية المتمثلة في الطائفة الشيعية) للعمل العسكري والاجتماعي والسياسي للحزب، الذي يبني شرعيته على أن هذه الدولة غير قادرة على حماية البلاد، وفي الآن نفسه، لا تريد لأحد أن يقوم بهذه المهمة، ومن ثم لم يجد مناصا من القيام بهذا الدور.

أما من ناحية انخراط الحزب في الحرب الحالية فهو مبني على الاعتبارات التالية:

أولا: يعلم الحزب جيدا أن امتلاكه للسلاح هو أمر مثير للمخاوف لدى طوائف لبنانية عديدة ترى فيه تهديدا للتوازن الطائفي الهش بلبنان، ولذا فمن الطبيعي أن تدعم تلك الطوائف أية جهود لنزع سلاح الحزب. وهي، في سبيل ذلك، مستعدة للتحالف مع الشيطان نفسه وليس فقط أمريكا واسرائيل. وعندما استشهدت قيادة الحزب وحصل الانكفاء انفتحت شهية هؤلاء الأعداء المحليين للإجهاز على ما تبقى من الحزب، من قبيل تكليف الجيش بنزع سلاحه واعتباره منظمة إرهابية.

ثانيا: يعلم الحزب أن إسرائيل لن يهدأ لها بال حتى تقضي عليه بصورة كاملة. هو وكل من يشبهه من الفصائل التي تنتمي إلى أيديولوجيات تنطوي على فكرة المقاومة ضد العدو الصهيوني. وبالتالي فإن الحزب والمتعاطفين معه على يقين ثابت من أنه يقع على أجندة الاستهداف، مهما حدث، حتى يتم الإجهاز عليه بالكامل. سواء أكان قد شارك في هذه الحرب أو لم يشارك. ولقد صرح أحد قادة العدو بأن الحزب قد خدعنا وبادر بالهجوم قبل أن نهاجمه.

ثالثا: جاء العدوان على إيران واغتيال المرشد الأعلى لجمهورية إيران الاسلامية، بمثابة ضربة نفسية وروحية موجعة. أزكت وأظهرت إلى الواجهة ثقافة الاستشهاد الكربلائية. وهي تلك الثقافة التي تقوم عليها أيديولوجيا الحزب وأفكاره التأسيسية. خاصة أن منصب المرشد الأعلى أو "الولي الفقيه"، لدى الشيعة، ليس مجرد منصب لقائد سياسي، بل إنه مرجع ديني وروحي، ويتمتع بنوع من القداسة والتبجيل تماثل ما لدى بابا الفاتيكان والقادة الروحيين من قداسة. ومن هنا كان التحرك للتعبير عن الغضب والمشاركة في القصاص حتميا لدى كل من يعرف كيف يفكر قدة الحزب اللبناني.

رابعا: أن الحزب على يقين من أية هزيمة ستحيق بالإيرانيين ستعني حكما بالإعدام العسكري واللوجستي على الحزب. لأن إيران هي الداعم الأساسي للحزب. وبالتالي فإن هاجس هزيمة إيران كان كفيلا بأن يشعر الحزب بأن وجوده، مجرد وجوده، قد وصل إلى نقطة النهاية. وبالتالي تعين على الحزب الانخراط في الحرب، تحت شعار النصر أو الموت. فأية خسارة أو تضحية ستكون أرخص من الفناء التام. وبالمناسبة فإن تلك المعادلة هي التي تحكم التفكير الإيراني أيضا.
---------------------------------------
بقلم: د. صلاح السروي



مقالات اخرى للكاتب

الأوضاع المحتملة لمرحلة ما بعد الحرب الحالية