فى مثل هذه الأيام التى يتأهب فيها شهر رمضان المبارك لطى صفحات أيام وليالي ذقنا فيها حلاوة القرب من الله وجددنا فيها علاقتنا بالقرآن الكريم ووثقنا فيها صلة الأرحام والتعاون على البر والتقوى لا التعاون على الإثم والعدوان، فى مثل هذه الأيام التى نقول فيها بقلوبنا: والله لسه بدري يا رمضان.
اقول فى مثل هذه الأيام العشر الاواخر من رمضان فى ستينيات القرن الماضى لم يكن يعلو صوت فى معظم البيوت المصرية على صوت كحك العيد والدقيق نمرة ١ وماكينة البسكويت ومناقيش الكحك والسكر البودرة والعجوة وتدبير الصاجات من الأفران التى ستتولى تسوية كحك العيد الذى كانت معظم الأسر المصرية تحرص على صناعته فى البيوت حتى تستقبل به عيد الفطر المبارك مع الترمس والبلح.
كان الكحك عنوانا لتعاون وتكاتف سيدات البيوت والجارات، حيث يتجمعن للمشاركة فى عجن الدقيق وتشكيل الكحك والبسكويت والغريبة والمنين وتبادل الخبرات والنصائح حول أجود أنواع السمن والدقيق وأفضل العطارين الذين يوفرون رائحة الكحك والشمر واليانسون.
كانت امى رحمة الله عليها تتولى قيادة عملية كحك العيد وتشرف على كل كبيرة وصغيرة وتوزع المهام على شقيقاتى، أما عن شخصى فكانت مهمتى الأساسية نقل الصاجات فوق رأسى إلى الفرن النفادي الذى يصل بين حارة السقايين وحارة العجانة لصاحبه الحاج ( تاحا ) وفى بعض السنوات كان الاختيار يقع على فرن الحاج يوسف (شقيق تاحا) فى حارة معمل الطرشى الموازية لشارع مجلس الأمة والموصل لسوق الاتنين.
كانت رائحة الكحك تعطى نكهة خاصة لحارة السقايين ودروبها ، وكانت أطباق الكحك الطائرة التى تنتقل من بيت لبيت أكبر دلالة على تحضر الشعب المصري وأنه شعب صاحب واجب يمد حبال وخيوط الحب بين الجيران وأبناء الحتة الواحدة مسلمين ومسيحيين، وحارة السقايين تقدم نموذجاً فريدا لللنسيج الواحد للشعب المصري بجوامعها وبكنيسة الملاك غبريال.
وأتذكر جيدا أن امى رحمها الله كانت تصنع كميات من الكحك ومشتقاته تكفينا وتكفى ضيوفنا ومن يشرفنا بالزيارة وتكفى لمجاملة الجيران والأصدقاء حتى حلول عيد الاضحى المبارك، وأتذكر جيداً أن أبى رحمه الله كان يحرص على إهداء نفر من زملائه في العمل بعضا من كحك أمى.
تذكرت هذه الأيام الخوالى المحفورة بأدق تفاصيلها فى وجدانى، وأنا أتابع ما يتردد عن الأسعار الفلكية للكحك الجاهز وقلت فى نفسى بغض النظر عن الأسعار، سأظل أشتاق إلى كحك أمى وخبز أمى رحمها الله وكل من سبقونا إلى دار الحق، والله أدعو أن يظلهم جميعاً برحمته وعفوه، ويجعلهم من أهل جنته.
----------------------------------
بقلم: عبدالغني عجاج







