بينما تقف حاملات الطائرات الأمريكية في مياه الخليج، يبدو المشهد في واشنطن مستوحىً من أجواء رواية غابرييل غارسيا ماركيز؛ حيث ينتظر "الجنرال" دونالد ترامب رسالة مؤازرة أو برقية تأكيد من حلفائه الغربيين، لكن البريد لا يحمل سوى الصفعة تلو الصفعة. ولنذكر أنه منذ مارس 2026، لم يعد الخطاب في البيت الأبيض يتسم بنبرة "القيادة" بل تحول بوضوح إلى ما يشبه "التسول" تارة و"الابتزاز" تارة أخرى لدول كانت بالأمس القريب تذعن لأوامر واشنطن.
تصريحات ترامب الأخيرة "المذعورة" كشفت عن فجوة هائلة بين إعلانه "سحق" القدرات الإيرانية وبين واقع حاجته الماسة لمن يشاركه عبء تأمين مضيق هرمز. في 14 مارس، كتب بلغة تقترب من الاستغاثة: "على دول العالم التي تتلقى النفط عبر مضيق هرمز أن تتولى رعاية ذلك الممر.. نحن سنساعد، سنساعد بشكل كبير جداً". هذا العرض بـ "المساعدة" بدلاً من "القيادة" يعكس حالة من الانكفاء والخذلان؛ فالجنرال الذي أعلن النصر العسكري مرة تلو الأخرى وجد نفسه عاجزاً عن تأمين الممر المائي بمفرده، فراح يستجدي الدول شرقاً وغرباً وفي مقدمتها بريطانيا والصين، فرنسا، اليابان، وكوريا الجنوبية لإرسال قطع بحرية، محاولاً إحراجهم دولياً حين قال: "يجب أن يكون هذا جهداً جماعياً، والآن يجب أن يبدأ هذا الجهد فوراً".
لكن الرد جاء رفضاً حاسماً بل بارداً، ونداءات للاستغاثة شكلت صفعات متتالية على وجهه البرتقالي المستوحش:
أولاً بريطانيا: التي كانت رهانه الأكبر، حيث كان يمني النفس بحاملات طائرات ملكية، لكن حكومة كير ستارمر أعلنت ببرود أنها "تدرس الخيارات"، ملمحة إلى إرسال "طائرات مسيرة لكشف الألغام" فقط، مؤكدة أنها لن تنجر إلى "حرب أوسع".
ثانياً فرنسا: كانت أكثر حزماً في صدّ تسوله، حيث أعلنت وزارة الدفاع الفرنسية أن موقفها "دفاعي بحت"، ولن ترسل سفناً حربية للمشاركة في تصعيد تراه باريس مغامرة غير محسوبة.
ثالثاً اليابان وكوريا الجنوبية: على الرغم من اعتمادهما الهائل على نفط المضيق، إلا أنهما قدما "اعتذاراً مهذباً"؛ حيث تذرعت طوكيو بقيودها الدستورية، بينما اكتفت سيول بعبارة "المراقبة الوثيقة والمراجعة"، تاركين ترامب يواجه أمواج هرمز وحيداً.
أما الصفعة الأكثر قوة، فجاءت من أسبانيا، حيث رد رئيس الوزراء بيدرو سانشيز على استجداءات وتهديدات ترامب بكلمتين حاسمتين: "لا للحرب". بل إن أسبانيا لم تكتفِ برفض إرسال السفن، بل منعت القوات الأمريكية من استخدام قاعدتي "روتا" و"مورون" لأي أعمال عسكرية ضد إيران، معتبرة أن هذه الحرب "غير قانونية". هذا الموقف الأسباني حوّل "تسول" ترامب إلى مأزق دبلوماسي، خاصة بعد تهديد ترامب بقطع التجارة معها، ليرد سانشيز بأن "أسبانيا لا ترهبها التهديدات".
وصلت حالة "التسول" ذروتها حين حاول ترامب تذكير الأوروبيين بـ "أفضاله" السابقة: "لقد كنا كرماء جداً مع الجميع.. لم يكن لزاماً علينا مساعدة أوكرانيا.. والآن، هل سيرد هؤلاء الجميل؟". لكن العالم، كما في رواية ماركيز، بدا وكأنه نسي كل الرسائل القديمة، ولم يعد يرى في الجنرال البرتقالي سوى رجل يلوح بسيفه في فراغ العزلة. وحين اصطدم ببرود لندن، تحول التسول إلى عتاب مرير: "لا بأس.. لم نعد بحاجة إليكم الآن، لكن التاريخ سيسجل من وقف معنا ومن اختبأ".
هكذا على غرار بطل ماركيز الذي قضى سنواته في انتظار معاش تقاعدي لم يصل أبداً، يقف الجنرال البرتقالي اليوم في انتظار "أساطيل الحلفاء" التي لا تصل. وبينما يرتفع سعر النفط ويتزايد خطر المسيرات، يكتشف "الجنرال" أن الصراخ في منصة "تروث سوشيال" وغيرها لن يحول دون بقائه وحيداً. لقد أرسل مكاتيبه إلى الجميع، من لندن إلى طوكيو، ومن باريس إلى مدريد، لكن الإجابة الوحيدة التي وصلته كانت الصفعة تلو الصفعة: "لا.. لا.. لا". فالجميع الآن يعرف أن "الجنرال البرتقالي" لا يملك من يكاتبه، ولا يملك من يقاتل معه.
د.محمد البرادعي في تغريدة على منصة X اليوم كتب: وبعد أكثر من عام من بلطجة ترامب فى كل مكان معتمدا على ومختالا بالقوة العسكرية والاقتصادية لبلاده، قال له أقرب حلفائه: أنت بمفردك فى تلك الحرب غير الشرعية التى شننتها ظلما ضد إيران والتي يتحمل شعبها ويلاتها - على الرغم من خلافات تلك الدول العميقة مع النظام هناك…
ياليت حكومات العالم العربي تقوم بنفس الشيء وتواجه ترامب مجتمعه بسبب دور أمريكا في المآسي التى تجري حالياً في فلسطين ولبنان و تأييدها الأعمى للدولة المارقة التي تعبث بكل مقدرات المنطقة…
-----------------------------
بقلم: محمد الحمامصي






