البترول لعنة أم نعمة؟
منذ اللحظة التي اخترق فيها البترول رمال الجزيرة العربية، لم يعرف العالم العربي يوماً من الاستقرار الحقيقي. لم تكن المسألة مصادفةً في التوقيت، بل كانت بداية معادلة شيطانية بسيطة: ثروة هائلة + عروش هشة = تبعية مطلقة للقوى الكبرى في مقابل الحماية. وهذه المعادلة هي المفتاح لفهم كل ما جرى في المنطقة من 1945 حتى اليوم.
أولاً: الصدام المصري السعودي عندما التقت الأيديولوجيا بالذهب
في مطلع الستينيات، كانت مصر عبد الناصر تُمثّل نموذجاً مختلفاً تماماً: دولة قومية ذات مشروع سيادي، تُطالب بتوحيد العرب لا تحت راية الإسلام السياسي أو عباءة الغرب، بل تحت راية الاستقلال والكرامة. هذا النموذج كان يُقلق الرياض في صميمها، إذ كيف يمكن للملوك أن يبرروا سلطتهم المطلقة في مواجهة خطاب الجماهير الثائرة؟
حرب اليمن 1962–1967: الحرب بالوكالة الأولى
حين قامت ثورة الضباط الأحرار في اليمن الشمالي عام 1962 وأسقطت الإمامة الزيدية، انقسم العالم العربي: مصر دعمت الجمهوريين، والسعودية دعمت الملكيين. لم تكن هذه مجرد خلافات سياسية، بل كانت معركة وجودية: إن انتصرت الجمهورية اليمنية بدعم مصري، فمعناه أن النموذج الناصري قابل للتصدير إلى قلب الجزيرة العربية نفسها.
غرقت مصر في وحل اليمن بعشرات الآلاف من جنودها، واستنزفت مواردها لسنوات. وهنا تأتي الرواية الأكثر مرارة في التاريخ العربي الحديث.
تسريبات 1967: الخنجر في الظهر
تُشير وثائق ومصادر متعددة إلى أن المملكة العربية السعودية لم تكتفِ بدعم الملكيين في اليمن، بل عملت بنشاط على تعميق الأزمة المصرية. ثمة تسريبات موثقة تحدثت عن تنسيق سعودي إسرائيلي أمريكي لاستدراج مصر نحو حرب 1967 في ظروف كانت القوات المصرية فيها منهكة ومنقسمة بين جبهتين. الهدف لم يكن هزيمة إسرائيل، بل كان تحطيم المشروع الناصري وإعادة مصر إلى حجمها.
النتيجة؟ نكسة يونيو 1967 التي لم تُهزم فيها مصر وحدها، بل هُزم معها كل مشروع عربي مستقل لعقود قادمة.
ثانياً: نكبة فلسطين والخيط الخليجي المنسي
لا يمكن فهم التخاذل في الملف الفلسطيني دون فهم المعادلة الخليجية. منذ عام 1947، كان الموقف الخليجي دائماً يتراوح بين الحماس الخطابي والتخاذل العملي، لسبب بسيط: أنظمة الخليج تعلم جيداً أن الضامن الحقيقي لعروشها هو واشنطن، والضامن الثاني هو التطبيع الضمني مع تل أبيب.
حين اندلعت حرب 1973، لم يكن حظر النفط مبادرة خليجية من قلب الحماس لفلسطين، بل جاء تحت ضغط مصري سوري مباشر. وسرعان ما رُفع الحظر في مقابل تسوية دبلوماسية لم تسترد فيها مصر كامل حقوقها، ناهيك عن فلسطين.
ومنذ اتفاقيات أوسلو فصاعداً، كانت دول الخليج تتبنى كل مسار يُجمّد القضية الفلسطينية ويحوّلها إلى ورقة تفاوضية بدلاً من كونها واجباً قومياً. وقد بلغت هذه المسيرة ذروتها في اتفاقيات أبراهام 2020، التي وقّعتها الإمارات والبحرين والمغرب والسودان بتسهيل أمريكي، وفي ظل صمت سعودي مريب كان يُمهّد لتطبيع مماثل.
ثالثاً: إيران — الجار الذي يجب أن يبقى في الفوضى
حرب العراق وإيران 1980: الحريق المُصنَّع
في سبتمبر 1980، شنّ صدام حسين حرباً على إيران ادّعى أنها ردٌّ على الاستفزازات الإيرانية. لكن الرواية الحقيقية أكثر تعقيداً: الثورة الإيرانية عام 1979 لم تُقلق واشنطن وتل أبيب فحسب، بل أرعبت الخليج بصورة أعمق. فإيران الخمينية كانت تحمل خطاباً ثورياً صريحاً ضد الملكيات الخليجية، ونفوذاً شيعياً كان يُهدد التركيبة الديموغرافية في السعودية والبحرين والكويت.
دعمت دول الخليج صدام دعماً شاملاً: عشرات المليارات من الدولارات، وتسهيل نقل أسلحة غربية، وفتح أراضيها لوجستياً. استمرت الحرب ثماني سنوات، راح ضحيتها ما بين 500 ألف ومليون إنسان، وخرجت إيران منها بجروح عميقة لم تلتئم، لكن بروح قتالية صُهرت في نار المواجهة.
منذ ذلك اليوم، لم تعش إيران في أمان حقيقي. فبعد الحرب جاءت العقوبات، وبعد العقوبات جاءت محاولات الاغتيال والتخريب، وبعد ذلك جاء التهديد بالحرب المباشرة.
الحرب على إيران 2024–2025: الأرض العربية منصةً للقصف
بلغ التواطؤ الخليجي ذروته الفاضحة في الضربات الإسرائيلية والأمريكية على إيران خلال الفترة الأخيرة، حين تحوّلت الأراضي العربية إلى ممرات جوية ومنصات لوجستية فعلية. ولم يكن سراً أن الطائرات الإسرائيلية استخدمت مجالات جوية خليجية، وأن التنسيق الاستخباراتي بين تل أبيب والرياض وأبوظبي بلغ مستويات غير مسبوقة. وامتد هذا التورط ليشمل الأردن الذي أسقط طائرات مُسيّرة إيرانية في إبريل 2024 دفاعاً عن إسرائيل، في سابقة لم تحدث في التاريخ العربي الحديث: دولة عربية تستخدم قواتها العسكرية مباشرةً لحماية الكيان الصهيوني.
هذا المشهد لم يكن ارتجالياً؛ بل كان تتويجاً لمسار تطبيعي عسكري أمني مضى عليه سنوات، يجري في الغرف المغلقة بمعزل عن إرادة الشعوب.
رابعاً: القواعد الأجنبية في الخليج: الاحتلال الذي يُدفع ثمنه طوعاً
من المفارقات الصارخة في التاريخ المعاصر أن الدول الخليجية لم تقع تحت احتلال أجنبي قسراً، بل استدعت هذا الاحتلال بأموالها ورحّبت به علناً. فالقواعد الأمريكية تنتشر في قطر والبحرين والكويت والإمارات، وتستضيف مئات الآلاف من الجنود والمعدات الحربية المتطورة. وفي قطر وحدها، تُعدّ قاعدة العديد الجوية الأكبر في الشرق الأوسط، وقد أدارت منها الولايات المتحدة عملياتها العسكرية في العراق وأفغانستان وسوريا وليبيا.
أما التواجد الفرنسي والبريطاني فيمتد هو الآخر عبر قواعد في الإمارات والبحرين، في تجسيد صريح لفكرة أن السيادة الوطنية في هذه الدول ليست أكثر من واجهة دبلوماسية، فيما القرار الأمني الحقيقي يُتّخذ في البنتاغون والبيت الأبيض.
والأخطر من ذلك أن هذه القواعد لم تُستخدم يوماً لحماية الشعوب العربية أو الدفاع عن فلسطين، بل استُخدمت حصراً لحماية الأنظمة وضمان تدفق النفط وردع أي قوة إقليمية تُهدد المعادلة القائمة — وفي مقدمتها إيران.
خامساً: لبنان عندما يُصبح رئيس الوزراء رهينة
في نوفمبر 2017، استدعت المملكة العربية السعودية رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري إلى الرياض، ليُفاجأ العالم بإعلانه استقالته من هناك عبر خطاب مُسجَّل بدا عليه الارتباك والخوف. لم تكن هذه مجرد خلافات دبلوماسية، بل كانت عملية احتجاز فعلية لرئيس حكومة دولة ذات سيادة، بأوامر سعودية ذات خلفية أمريكية إسرائيلية واضحة.
الهدف كان إجبار لبنان على تصعيد مواجهته مع حزب الله، والدفع نحو فتنة داخلية تُضعف الجبهة الشمالية لإسرائيل. حين فشلت الخطة بتدخل فرنسي وضغوط دولية، عاد الحريري عن استقالته، لكن الرسالة كانت واضحة: السيادة اللبنانية مُستباحة متى اقتضت المصالح الخليجية الإسرائيلية الأمريكية ذلك.
وقبل ذلك وبعده، لم تتوقف المملكة عن ضخ الأموال لتسليح فصائل بعينها وشراء ولاءات سياسية في لبنان، مُعمّقةً الانقسامات الطائفية بدلاً من دعم الدولة المركزية.
سادساً: سوريا — تفكيك الدولة بالتكفير والسلاح
جبهة النصرة: الوجه الآخر للتدخل الخليجي التركي الإسرائيلي
ما جرى في سوريا منذ عام 2011 هو أحد أكثر مشاهد التدخل الخارجي تعقيداً وفجاجةً في آنٍ واحد. حين اشتعلت الاحتجاجات، سارعت دول الخليج — وفي مقدمتها السعودية وقطر — إلى ضخ السلاح والمال، لكنها لم تُموّل ثورة ديمقراطية، بل موّلت في معظمها فصائل مسلحة ذات أجندات أيديولوجية متطرفة، كان أبرزها جبهة النصرة المرتبطة بتنظيم القاعدة.
ومع مرور الوقت، بات واضحاً أن هذا الكيان لم يكن يعمل باستقلالية حقيقية، بل تقاطعت مصالحه بشكل لافت مع مصالح أطراف متعددة في وقت واحد: تركيا التي أرادت إضعاف الأكراد وتأمين نفوذها الشمالي، والإمارات والسعودية اللتان أرادتا إسقاط نظام حليف لإيران، وإسرائيل التي كانت تُفضّل بوضوح فوضى سورية مستمرة على دولة سورية موحدة وقوية.
وقد كشفت وثائق ومعطيات متراكمة أن إسرائيل كانت تُعالج جرحى هذه الفصائل في مستشفياتها، وتُنسّق معها على طول الحدود الجنوبية، في تحالف ميداني صامت يقول كل شيء عمّن كان يخدم من.
تغيير النظام السوري: الجائزة الكبرى
سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 لم يكن نتيجة ثورة شعبية عفوية بلغت نضجها، بل جاء في توقيت مُحكم بعد إضعاف حزب الله في لبنان وتراجع الدعم الإيراني. المشهد الذي تشكّل بعده — بفصائل مدعومة تركياً تتصدر المشهد، وانفتاح خليجي متسارع على الحكام الجدد، وصمت إسرائيلي مريح — يكشف أن تغيير النظام السوري كان قطعة في فسيفساء إقليمية أكبر هدفها الحفاظ على التفوق الإسرائيلي وإضعاف محور المقاومة كلياً.
سابعاً: اليمن والسودان وليبيا انماط تتكرر
اليمن: دورة العبث الكاملة
في مفارقة تاريخية صارخة، وجدت السعودية نفسها في 2015 تفعل ما فعلته ضد مصر في الستينيات: تشنّ حرباً على اليمن. لكن هذه المرة ليس لدعم الملكيين، بل لمحاربة الحوثيين الذين باتوا وكلاء إيران. المشكلة أن الحرب خلقت كارثة إنسانية غير مسبوقة، ومنحت الحوثيين شرعية المقاومة بدلاً من أن تُضعفهم.
الدرس الذي لم يُستوعب: اليمن الجريح سيظل مصدر عدم استقرار لعقود، لأن حروب الإبادة لا تصنع سلاماً.
ليبيا والسودان: تفكيك الدول بالوكالة
في ليبيا، دعمت الإمارات والسعودية قوات حفتر في مواجهة حكومة الوفاق المعترف بها دولياً، مُعمّقتين الانقسام وحوّلتا ليبيا إلى ساحة للمرتزقة والميليشيات. في السودان، كانت الأموال الخليجية حاضرة في كل تحول سياسي، من دعم البشير حتى دعم الانتقال الانقلابي، بحثاً عن ضمان المصالح الاقتصادية لا الديمقراطية.
النمط ثابت: أي دولة عربية قوية ومستقرة تشكّل تهديداً محتملاً للنفوذ الخليجي. لذا الأفضل دائماً إبقاؤها ضعيفة ومفككة.
ثامناً: عملية "الغضب الملحمي" — حين صارت الأرض العربية منصة إعدام لإيران
فبراير مارس 2026: الحريق الكبير
في فجر الثامن والعشرين من فبراير 2026، انطلقت أكبر عملية عسكرية أمريكية إسرائيلية مشتركة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، تحت اسم "عملية الغضب الملحمي" (Operation Epic Fury)، مستهدفةً القيادة الإيرانية ومنشآتها النووية والعسكرية في ضربات متزامنة ومتعددة طالت طهران وأصفهان وشيراز ومدناً أخرى. وفي الساعات الأولى، أُعلن اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، ثم تتابع سقوط قادة الحرس الثوري والجيش الإيراني واحداً تلو الآخر.
لكن السؤال الذي يجب أن يُوجَّه ليس فقط لواشنطن وتل أبيب: من أين انطلقت هذه الحرب؟ ومن أوصلها إلى قلب إيران؟
الأرض العربية: لوجستيات الدم
الإجابة موجعة ومخزية في آنٍ واحد: انطلقت ضربات هذه الحرب في معظمها من قواعد عسكرية تقع على أرض عربية. قاعدة العديد في قطر، وقاعدة الشيخ عيسى في البحرين، والقواعد الأمريكية في الكويت والإمارات، جميعها تحوّلت إلى منصات إطلاق فعلية لعمليات تدمير دولة مجاورة. ولم يتوقف الأمر عند الخليج، بل امتد الدور اللوجستي الجوي ليشمل الأردن الذي فتح أجواءه وقواعده للعمليات المشتركة، مكرّراً بذلك ما فعله عام 2024 حين أسقط طائرات إيرانية حمايةً لإسرائيل. بلا مبالغة يمكن القول، بنسبة تقترب من اليقين: لولا الغطاء اللوجستي الخليجي الأردني الكامل، ما كان بمقدور أمريكا وإسرائيل تنفيذ هذا المستوى من الدمار الممنهج لإيران. الأرض العربية لم تكن محايدة، بل كانت شريكة فاعلة في أكبر عدوان عسكري على دولة إقليمية في العقود الأخيرة.
الثمن الذي لم يُحسب
أما المفارقة الكبرى التي تكشف هشاشة الحسابات الخليجية، فهي أن إيران — التي طولت الحصار عليها — ردّت بصواريخها وطائراتها المُسيّرة لتطال بالضبط الدول التي أعانت على ضربها: اشتعلت حرائق في مصفاة رأس تنورة السعودية، وضُربت قاعدة الظفرة الجوية الأمريكية في الإمارات، واستُهدف مرفأ البحرين مرات عدة حيث يتمركز الأسطول الخامس الأمريكي، وشهد مطار دبي الدولي أضراراً جسيمة. الدول التي دفعت ثمن حماية الاحتلال وجدت نفسها تدفع ثمن الحرب التي موّلتها وأطلقتها.
ما وراء الضربات: تغيير خريطة المنطقة لصالح من؟
سقوط منظومة الحرس الثوري وتصفية قيادات الجيش الإيراني لم يكن استهدافاً أمنياً بحتاً، بل كان إعادة رسم لخريطة القوى في المنطقة بأكملها. إيران المُنهَكة تعني: محور مقاومة بلا رأس، وحزب الله بلا ظهير، وغزة وحدها أمام الآلة العسكرية الإسرائيلية، وأنظمة خليجية أكثر جرأةً على التطبيع العلني. الفائز الأكبر من هذه الحرب ليس واشنطن التي تدفع دماء جنودها وأموال دافعيها، بل تل أبيب التي نجحت في توظيف الغيرة الخليجية من إيران لتصفية أعدائها الإقليميين بأيدٍ عربية وبأموال خليجية وبأرواح أمريكية.،
تاسعاً: الغرب والبترول — الشراكة الشيطانية
لا يمكن تحميل الخليج وحده مسؤولية ما جرى دون فهم الطرف الآخر في المعادلة. الغرب — وفي مقدمته الولايات المتحدة — أدرك منذ وقت مبكر أن النفط الخليجي يمثّل شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، وأن ضمان استمراريته يستوجب ضمان استمرارية الأنظمة الحاكمة.
هذه الشراكة كانت صريحة: نفط رخيص وقواعد عسكرية وأسواق مفتوحة للسلاح مقابل حماية العروش وغض الطرف عن القمع الداخلي. الأمر لا يتعلق بالقيم الديمقراطية ولا حقوق الإنسان، بل بضمان تدفق النفط وضمان اقتناء السلاح الغربي بمئات المليارات سنوياً.
وفي هذا الإطار، كانت القواعد الأمريكية والفرنسية والبريطانية في الخليج ليست حمايةً للمنطقة، بل كانت حمايةً للمصالح الغربية والإسرائيلية معاً، وأداةً لإضفاء الشرعية على أنظمة لا تملك شرعية شعبية حقيقية. أما التواجد الإسرائيلي الاستخباراتي والتقني المتنامي في دول الخليج من برامج التجسس إلى الشركات الأمنية فقد أضاف بُعداً جديداً لهذه الشراكة الثلاثية: واشنطن تحمي، تل أبيب تُراقب، والرياض وأبوظبي تُموّلان.
دوامة لن تنتهي ما لم تتغير المعادلة
كل ما جرى في الشرق الأوسط منذ اكتشاف البترول يمكن ردّه إلى معادلة واحدة: أنظمة تفتقر إلى الشرعية الشعبية تستعيض عنها بالثروة، وللحفاظ على الثروة تتحالف مع القوى الكبرى، ولضمان هذا التحالف تُقدّم المنطقة كلها قرباناً.
فلسطين لم تُخسر في ميدان القتال فحسب، بل خُسرت في دهاليز التفاوض الخليجي الغربي الإسرائيلي. وإيران لم تنتهج العدائية من العدم، بل صُنعت عدائيتها في وقود حرب ممولة خليجياً. ولبنان الذي أُريد له أن ينفجر من الداخل لم يُنقذه إلا تماسك شعبي هش. وسوريا التي تفككت دولتها لم تكن ضحية أيديولوجيا محلية بقدر ما كانت ضحية مشروع إقليمي دولي مُحكم. واليمن وليبيا والسودان ليست أزمات طارئة، بل نتائج منطقية لسياسات ممنهجة. وإيران اليوم، المُدمَّرة والمُنهَكة، ليست نتاج عدائها الذاتي، بل نتاج عقود من الحصار الممول خليجياً والمُخطَّط غربياً والمُنفَّذ صهيونياً — وقد وصلنا أخيراً إلى فصله الأخير.
الخروج من هذه الدوامة لن يأتي من إصلاح نظام هنا أو هناك، بل من إعادة بناء مفهوم المصلحة العربية المشتركة على أساس مختلف تماماً: لا الثروة وحدها معياراً، ولا القوة الأجنبية حكماً، ولا العروش الوراثية مرجعاً، ولا التطبيع مع الاحتلال طريقاً. وهذا — للأسف — هو الاحتمال الأبعد في أفق يغيم يوماً بعد يوم.
-------------------------------
بقلم: عز الدين الهواري






