في كل مرة تُفتح فيها صناديق اقتراع حقيقية في مصر، تظهر حقيقة بسيطة لكنها شديدة الدلالة: مرشح الحكومة ليس بالضرورة مرشح الناس. هذه ليست مجرد ملاحظة عابرة، بل تجربة تكررت أكثر من مرة، وفي ساحات مختلفة، لتقول شيئًا واحدًا بوضوح لا يقبل التأويل: حين تُترك المساحة للاختيار الحر، يميل المصريون إلى اختيار من يرونه أقرب إليهم، لا من يُقال لهم إنه الأقرب إلى السلطة.
ما حدث في انتخابات نقابة المهندسين مؤخرًا يعيد التأكيد على هذه القاعدة. فقد تمكن المرشح المستقل المهندس محمد عبدالغني من الفوز في جولة الإعادة على منافسه المهندس هاني ضاحي، وزير النقل السابق، والذي حظي بدعم واضح من حزب مستقبل وطن، وبدعم وزير النقل الحالي الفريق مهندس كامل الوزير. ورغم كل ما يملكه مرشح السلطة عادةً من إمكانات وشبكات نفوذ، جاءت النتيجة لتقول إن المزاج العام داخل النقابات المهنية يسير في اتجاه مختلف.
ولعل هذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك. فقد شاهدنا المشهد ذاته في انتخابات نقابة الصحفيين خلال الدورتين السابقتين، حين اختار الصحفيون مرشحًا لا يحظى برضا السلطة — خالد البلشي — على حساب مرشحيها المفضلين. وقبل ذلك، وفي محطات أخرى داخل النقابات المهنية، تكررت الرسالة ذاتها: حين تتوافر مساحة من الحرية، ولو محدودة، فإن النتيجة غالبًا ما تعكس إرادة القاعدة المهنية، لا رغبة السلطة.
المفارقة هنا ليست في خسارة مرشح أو فوز آخر، فهذه طبيعة أي عملية انتخابية. المفارقة الحقيقية تكمن في الرسالة التي تحملها هذه النتائج. فالمصريون، حين يُمنحون فرصة الاختيار الحقيقي، يبدون قدرًا لافتًا من الوعي والاستقلال في قرارهم. لا يصوتون دائمًا وفق ما يُتوقع منهم، ولا ينحازون بالضرورة إلى من يملك الدعم الرسمي أو الحضور الإعلامي الأكبر.
وهنا تظهر حقيقة ربما يتجاهلها كثيرون: المشكلة في مصر ليست في الناس. المصريون، في فطرتهم السياسية والاجتماعية، قادرون على التمييز بين المرشحين، وقادرون على اختيار من يمثلهم بشكل أفضل. المشكلة الحقيقية تكمن في البيئة العامة التي تُدار فيها الحياة السياسية، وفي المساحة الضيقة التي تُتاح أحيانًا للتنافس الحقيقي.
فحين تتسع هذه المساحة، ولو قليلًا، تتغير النتائج. وحين تُفتح نافذة صغيرة للديمقراطية، يطل منها المجتمع بكل تنوعه ورؤاه المختلفة. عندها فقط نرى الصورة كما هي، لا كما يُراد لها أن تكون.
ولذلك فإن ما حدث في انتخابات نقابة المهندسين ليس مجرد خبر نقابي عابر. إنه مؤشر سياسي واجتماعي مهم، ودليل إضافي على أن المجتمع المصري ما زال يحتفظ بقدر كبير من الحيوية والاستقلال في قراره. صحيح أن المشهد العام قد يبدو أحيانًا مثقلًا بالقيود، لكن تحت هذا السطح الصلب ما زالت هناك طاقة كامنة تنتظر الفرصة لتعبّر عن نفسها.
لهذا يمكن القول ببساطة: المصريون بخير في توجهاتهم وفطرتهم. لكن السؤال الأكبر يظل معلقًا: هل البيئة السياسية المحيطة بهم بخير أيضًا؟
الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد شكل المستقبل في مصر.
-----------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد






