عندما تتسع الرؤية وتتنوع الخبرات الحياتية تتعدد الأفكار وتسبح في أنهار التنوع الفكري، فيأتي المنتج الأدبي متنوع الرؤى والأبعاد بلا حدود، فيجد القارئ خطوطا إبداعية متوازية أو متجاورة يتذوق من خلالها وجبات أدبية فكرية تثري ذائقته الوجدانية، هذا ما يجده قارئ ديوان الشاعر علي فاروق "وكأن السما مافيهاش غيركٍ" الصادر عن دار الرضا عام 2022، تسيطر على قصائد الديوان أمواج الوفاء وإن تعددت بين الرومانسي والوطني والزجل المجتمعي الناقد والروحي، تتعانق هذه الأمواج لتشكل مجموعة الرؤى العامة للديوان.
تنويعات الأطروحات/ أمواج الوفاء
1 - الموج الوطني
من الأشياء التي تتضح للقارئ سطوة الوفاء جوانب مختلفة، ففي جانبها الوطني لدى الشاعر في قصائد عدة يختص بها مصر مثل (يا قاهرة - بأحبك يابلدي - عيونكْ النيلي – ميدان التحرير - علشانكْ)، ويختص فلسطين بنص (نفس المشهد) فالشاعر يتغنى بحبه للقاهرة ساردا أماكنها التاريخية ومساجدها وأجواءها الروحانية لقلبه في (يا قاهرة) ويعلن أن بلده حبيبية له ولقلبه في (باحبك يا بلدي) ويتغزل في عيونها وجمالها في (عيونك النيلي) ويؤكد حبه لبلده مهما حدث له فيها من معاناة فهو سيظل حاميا لها ضد كل عدو خاصة اليهود في (علشانكْ)، ولا تغيب ذاكرة ميدان التحرير وما شهده في يناير 2011 فيؤرخ ويرصد بعين الشاعر المتفاعل مع قضايا بلده وعصره، خروج الملايين سعيا للتغيير وشهداء تلك الثورة لدى الشاعر في نص ميدان التحرير، ولم تغب قضية فلسطين وما تشهده من أحداث متتابعة ومتكررة من قتل وتشريد للشعب وسقوط شهداء بالتتابع على مدار تاريخها، فالمشهد نفسه يتكرر حسب رؤية الشاعر في (نفس المشهد) سواء الشهيد الطفل محمد الدرة أم شيرين.
يقول في قصيدة بأحبك يا بلدي ص 62 معبرا عن الوحدة الوطنية والتمسك في الدفاع عنها والسعي للتغير في ثورة يناير.
(مسيحي مسلم/ ومسلم مسيحي/ دا هما يا بلدي/ حبايبك ولادك/ ومينا وبطرس/ محمد وشادي/ في ثورة يناير/ صليبك هلالك/ باحبك يا بلدي وبأعشق ترابك ومهما خدوني ها أنام تحت بابك).
2 - الموج الذاتي
يأتي الموج الذاتي ضمن أطروحات الديوان من تجارب الشاعر الذاتية منذ الإهداء الذي يختص به أمه التي يحبها ويعلن ذلك منذ البداية ويستمر وفاؤه لأمه في نص (أمي وحبيبتي)، وبالتوازي في الوفاء لا ينسى أباه ويعلن تربية أبيه له على الأخلاق والأمانة واحترام الكبير والوفاء للجميع في نص(أبويا علمني)، ويعبر الشاعر عن عدم اكتراثه بمن تركه ولم يكن على المستوى المشاعري له كما يريد في نصي (مانيش خسران- وكأنك هوا)، بينما على النقيض يطلب من الشخص الوفي أن يرسمه بإحساس وبالقلم الشفاف ليظهر وفاء الصديق وشفافية الصداقة الحقيقية في نص (ارسمني)،
يقول في نص أمي وحبيبتي ص 88
(أمي وحبيبتي ونور عنيا/ هي دايما بتخاف عليا/ في عز فرحي هي بتفرح/ ولما بأحزن بتحسي بيا/ أنتٍ يا أمي) .
وفي نص ارسمني ص 24 و 25يقول:-
(ارسم تقاطيعي وما تبانشي/ فيها التجاعيد/ بقلم شفاف ما بيرسمشي/ كرمشة الإيد/ وعيوني بميتَها الصافية/ والقلب حديد/ بشبابي المنقوع في العافية/ وخطاوي خفاف/ ارسم موالي اللي أنا عشته من أحزان/ ولا صاحب بيداري في غيرته/ ولا قلب جبان/ امسح لي الصفحة المغشوشة من غير عنوان).
3- الموج الرومانسي
يلقي الموج الرومانسي بحضوره الكثيف في الديوان في كثير من القصائد، فهو الملبوس بحبها فكأنه لا يوجد سواها في قصيدة (وكأن السما مافيهاش غيرك)، وتطلب المحبوبة من الحبيب ألا يتكلم ولا يقول لها أي شيء لأن عينيه قالتا كل شيء في (يوم الرحيل)، وتتفرد المحبوبة عن غيرها فهي مختلفة عنهن في نص (با اسألك) ويطلب الحبيب من محبوبته أن تأخذه بعيدا في (وأنا معاكٍ) ويستمر حبه لها وقصة حبه الطويلة في نصي ( وحشتيني- قصة طويلة) ويعتذر المحب للحبيبة ويطلب منها أن تكرهه لأنه ليس ملكا لنفسه، كما يطلب منها ألا تظلمه مؤكدا أنه ليس ملك لنفسه في نص (ابقي اكرهيني)، وتصر المحبوبة ألا ترى بغير عيون المحب لأنها تحبه وتغار عليه من أي أحد في (علشان ب أحبكْ)، ورغم مايُشاع عن قسوة شهريار إلا انه الحبيب الذي لم يعشق سوى عينيها وأنه أحبها بكل مافيها من صفات وقسمات الوجه والصوت وكل ما تملك في نص
( شهريار) الذي بدأه بقوله ص 37:-
(شهريار ما حب غيرك/ حب فيكٍ نور عينيكٍ/ حب قلبك..حب صوتك/ حب لمسة من ايديكٍ/ شهريار حبكْ بقلبه/ روحه دايما بتناديكٍ/ حِبْ حتى حبه ليكٍ/ شهريار ما قدرش يبعد/ وإن بعد هيروح لفين/ شهريار ما قدرش يعند/ وإن عند يعند في مين؟!)
في نص (وكان السما ما فيهاش غيرك) يقول:-
وكأن السما ما فيهاش غيركٍ/ وكانك جنية لبستيني/ في نومي وصحياني تجيني/ والاقيكٍ محاوطاني بقلبك/ وشفايفك مية بترويني/ إن كنت أنا ممكن أنساكٍ / يبقى انتٍ ممكن تنسيني وأنا كل ما أحاول مرة أهرب/ ألاقيكٍ تيجي تاخديني).
4 - الموج الاجتماعي/ موج انساني
يحظى النقد المجتمعي بحضور في بعض قصائد الديوان، فالشاعر انسان يعيش بمجتمع يسعى ويتمنى أن يكون مثاليا، لذا يتنقد بعض السلوكيات السلبية ويوجه هذا النقد للأباء فيطلب من كل أب أن يربي ابنه على مكارم الأخلاق والضمير الراقي والخلق القويم في نص (ابنك)، وينتقد سلوكيات العديد من البشر الذين يركزون سعيهم لاكتساب المال الكثير وتمتليء بطونه بالمال الحرام ولا فرق لديهم بين الحلال والحرام في نص (وشوش)، ويعطينا لقطات عن نموذج من النساء تركز كل اهتمامها على النكد طوال حياتها في (يوميات زوجة نكدية)، ويصب الشاعر غضبه على الراقصة الشهيرة صافيناز منتقدا ملابسها وخلاعة رقصها من وجهة نظره في نص (صافيناز)، ويؤكد الشاعر أن الجميع يعرفون الصواب والخطأ ومنهم من لا يلقي بالا للضمير في نص (الحياة مسرح كبير)، ويرثي الشاعر لحال الدنيا ويتملكه اليأس من الحياة ومرارتها، فألأبناء يتخلون عن الأباء في سن الكبر والحياة ليس بها سعادة في نص (الحياة)، الذي يقول فيه ص43:-
(طعم الحياة بقى مر/ ما بقاش فيه حاجة تسر/ والعمر راح في الشقا/ أيامه خيط بيكر/ طعم الحياة بقى مر/ طعم الفرح بقى سادة/ مابين شقا ووسادة/ حتى الحياة متعادة/ ولا عادش فيها سعادة)
يقول في نص ( ابنك) ص14
(ابني جوا ابنك ضميره/ علمه إن السرقة عار/ وإن دا يحدد مصيره/ إما جنة وإما نار/ اسقي جواه المحبة/ والتواضع للصغار/ والمعاملة حبة حبة/ يبقى مستد للكبار/ قوله ما يخافش الكبير/ يحترم بس بوقار/ لوغفير او كان وزير/ الاحترام مافيهوش هزار) .
5- الموج الروحي
في سياق التنوعات المطروحة في الديوان لا يغيب الجو الروحي والصفاء النفسي للشاعر عن المشهد الحياتي، فيناجي السيدة زينب حفيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعبر عن حبه لها وسموه في نص (يا ستنا)، ويعيش أجواء شهر رمضان المبارك وما له من نفحات في نص (روايح رمضان)، وعندما يتعب الانسان مما يلاقيه في الحياة يعود ويلجأ إلى الله ويفوض له أمره ففي الرجوع لله نجاة لذا يعلن الشاعر رجوعه وعودته الروحية لله في نص (ورب الكون)، الذي يقول فيه ص 96:-
ورب الكون أنا راجع/ انا راجع/ بقلبي وروحي/ أنا راجع لرب الكون/ ناداني: قلت أنا أصونه لقيت الراحة مضمونة/ وليه أعصاه أنا وأخونه؟! وحبي له من الواجب/ دا رب الكون/ تملي بخيره يأسرني/ وحبه في عيني والنني).
التقنية
- 2- البناء والشكل
يحوي الديوان اثنتين وثلاثين قصيدة تتنوع بين الوطني والوجداني الذاتي والوطني والروحي والرومانسي، تسير كل هذه النصوص في سياق بنائي واحد بلا تنوع، فالنصوص تخضع لبناء فني واحد فكل نص يأتي متتابعا متصلا ببعضه دون أي فواصل بأي شكل فالنص كله وحدة بنائية واحدة وإن تعددت أفكار النص،
2-2- اللغة والموسيقى
تعكس اللغة ثقافة ورؤية الكاتب بشكل عام وتُعد مؤشرا هاما لقناعة الشاعر بما يحب توصيله للقارئ، والشاعر علي فاروق في هذا الديوان يستخدم لغة سهلة متداولة بين الناس فلا توجد مفردات ذات خصوصية، إذن فاللغة لها الخصوصية العامة كما يفهمها عامة الناس فلا توجد مفردات خاصة ببيئة معينة، كما اعتمد الشاعر على تراكيب لغوية سهلة ومتصلة تلقائيا تجنح إلى الغناء في أغلب النصوص مثل (وانا معاك - باستناكٍ - قصة طويلة - وحشتيني - عشان با أحبكْ) وبحضور النقد الاجتماعي في النصوص الزجلية في نصوص (ابنك- وشو- الحياة مسرح كبير - أبويا علمني - صافيناز - يوميات زوجة نكدية) ، من خلال سطوة الرومانسية والروحية والنقد تأتي سطوة الموسيقى فالموسيقى لها حضورها الطاغي في كل النصوص بكل توجهاتها الفكرية والمشاعرية، وتتضافر الموسيقى مع المفردات في تكوين الصورة الشعرية فالصورة الشعرية صورة كلية ولا توجد صورة جزئية فالمشهد الشعري هو في ذاته صورة كلية ومن الصور الكلية يتكون النص كله.
في نص عتاب ص 79 يقول:-
(آه نسيتكٍ لسه فاكراني با أحبكٍ/ لأ.. نسيتكٍ/ انا اللي ياما عشقت فيكٍ/ ولا عمري مرة يوم رميتكٍ/ وانا اللي دايما كنت ليكٍ/ وياما بدموعي رويتك).
وفي نص صافيناز ص 39 يقول:-
( ولعة بجاز على صافيناز/ كل حتة فيها بترقص/ والراجل في مراته بينغص/ شابفة يا بت الرقص ازاي/ وسطها ملبن رايح جاي/ ولا البشرة تكونش قزاز/ ولعة بجاز على صافيناز/ بصي يا زوبة دا طالع نازل/ شكلي كدا عنكٍ هتنازل/ حتى الجسم مافيش ولا غلطة/ ولا المشية فشر البطة/ وعيونها دي زي الألماظ/ ولعة بجاز على صافيناز).
3 -2- السرد والمخاطب
يعتمد الشاعر في نصوصه على السرد التلقائي المتتابع الذي يسرد فيه السارد العليم ببواطن النصوص لتتحقق الرؤية من الداخل ينطبق هذا في نصوص مثل ( يوميات زوجة نكدية - الحياة مسرح كبير - نفس المشهد - ابنك - وشوش)، لكنه يستخدم السرد بأسلوب الأنا في نصوص (امي وحبيبتي - ورب الكون - ياستنا - أبويا علمني - با أحبك يابلدي - ارسمني - كانك هوا - ابقي اكرهيني - عتاب - ياقاهرة - عيونك النيلي......الخ)، بينما يستخدم السرد على لسان الأنثى بلغة الأنا في نصي (يوم الرحيل - علشان با أحبكْ) فالمتحدثة في هذين النصين أنثى تبث مشاعرها وتأثرها الرومانسي للحبيب .
وفيما يتعلق بالمخاطب فهناك تنوع في المخاطبين في النصوص، فيخاطب الشاعر الأم في (امي وحبيبتي - يا حتة القلب)، وتخاطب الأنثى الحبيب في ( يوم الرحيل – علشان با أحبك) وتوجه الخطاب الشعري إلى المجتمع الانساني في نصوص (نفس المشهد - ابنك - وشوش - الحياة مسرح كبير )، ويحضر الوطن ضمن المخاطبين في نصوص (ميدان التحرير- با أحبك يا بلدي- يا قاهرة- عيونك النيلي) وتحضرالسيدة زينب في المخاطب في ( ياستنا) ثم وتحظى المحبوبة بالحضور ضمن المخاطب في نصوص (وأنا معاكٍ - وكأن الدنيا ما فيهاش غيركْ - هتمشي الدنيا - قصة طويلة - شهريار - علشانك - وحشتيني - بوسة خد الورد)، ويخاطب الشخص الذي لم يكن على مستوى الصداقة القوية في نصوص( كأنك هوا- ما نيش خسران) ثم يخاطب شخصا غير مُحدد يطلب منه أن يرسمه بشكل شفاف في (ارسمني). كل مخاطب قصده الشاعر وفق كل نص يدل أن الشاعر وجه خطابه الشعري لفئات مختلفة متنوعة تحظى باهتمامه الفكري مما يدل على التنوع في الرؤى الفنية والتنوع الفكري في الديوان.
النص والمجتمع/ فلسفة النص
نعم للأدب غاية إنسانية فليست غاية الأدب هو البوح والفضفضة في حد ذاتهما بل يتعداهما إلى غايات انسانية أسمى، فتتعانق فلسفة النص مع الواقع ولا تعمل منعزلة عنه فلابد أن يظهر الجانب الأخلاقي في النصوص سعيا لتغيير المجتمع للأفضل ضمن ما يسمى السياق الاجتماعي للنص الأدبي أو ما يسميه النقاد والعلماء بوظيفة النص أو الوظيفة الاجتماعية للأدب، بإعتبار الأديب يعيش في مجتمع بكل قضاياه ومعاناته وثقافته مما ينعكس على رؤية الشاعر ويساهم في فلسفة النص فالأديب قلما انعزل عن المجتمع البشري عامة ومجتمع بلده خاصة، كما أنه قلما يستطيع أن يغض طرفه عما يحدث ويعزل نفسه وينعزل عن السياق المجتمعي حتى أولئك الأدباء الوجوديون والأدباء الذين يزعمون أن قضايا المجتمعات لاتهمهم ولا يلقون لها بالا في إبداعاتهم من القليل جدا أن تبعد نصوصهم ولا تتفاعل مع الأحداث الجارية بالمجتمعات البشرية، وهو ما يعكس كما سلف الوظيفة الاجتماعية للأدب، فالأدب لا يعمل في انعزالية خاصة به لانه منتج بشري انساني بالمقام الأول، فله وظيفة اجتماعية ولو كان منعزلا عن المجتمع لجلس الادباء في غرف مغلقة خاصة بهم يقرأون نصوصهم فيما بينهم ولا تتحقق لذة النص أو متعته سوى لهم، وهذا اجحاف لدور الأدب لأنه إذا توجه النص للمجتمع وقضاياه تتجقق الغاية الاجتماعية له.
من منطلق الوظيفة الاجتماعية للأدب ينطلق الشاعر على فاروق منوها ومنبها لبعض القضايا الاجتماعية، ولا يضع حلا لها لكنه ينبه لبعض التوجهات السلبية للمجتمع في النصوص التي حملت الطابع الزجلي فالزجل من ضمن مكنوناته الممتعة النقد الاجتماعي نجد تحقق الوظيفة الإنسانية والمجتمعية في نصوص ( وشوش - ابنك - أبويا علمني - أمي وحبيتي - ارسمني - صافيناز - يوميات زوجة نكدية - نفس المشهد)، فهذه النصوص ترسخ للنقد المجتمعي سعيا لنموذج راق من الأخلاق لدى البشر، وفي النصوص ذات الطابع الوطني مثل (يا قاهرة- با أحبك يا بلدي- عيونك النيلي – ميدان التحرير) وهذه النصوص ترسخ للانتماء الوطني. وفي النصوص ذات الطابع الروحي مثل (يا ستنا) ترسخ لاحترام آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي (روايح رمضان) تترسخ المشاعر تجاه شهر الخيرات وفي نص (ورب الكون)، تتأكد حتمية عودة الإنسان لله واللجوء إليه في نهاية مطاف حياته.
قدم الشاعر علي فاروق في ديوانه تنوعا في الأفكار والرؤى معتمدا على الجانب الإنساني والرومانسي والوطني كانت اليد الطولى للموسيقى بالإضافة إلى بساطة المفردات وبساطة التراكيب اللغوية.
---------------------------------
دراسة: رمضان أحمد عبد الله






