19 - 03 - 2026

صراع المحاور وانهيار الردع: نظام إقليمي جديد من رحم الحرب

صراع المحاور وانهيار الردع: نظام إقليمي جديد من رحم الحرب

في خضم مشهد الانهيار المتسارع الذي يعيشه الشرق الأوسط، مع حلول الربيع الدامي لعام 2026، لم تعد الحرب مجرد صراع عسكري تقليدي، بل تحولت إلى زلزال جيوبوليتيكي شامل أعاد تشكيل مفهوم "الردع" و"الاستقرار" في المنطقة، فمنذ فجر 28 فبراير، عندما شنت واشنطن وتل أبيب هجومهما الجوي الواسع الذي أودى بحياة المرشد الأعلى علي خامنئي وقيادات الصف الأول في الحرس الثوري، دخلت المنطقة مرحلة من الفوضى المحكومة بقواعد اشتباك جديدة وغير مكتوبة، لكن الأخطر من الضربة نفسها، هو ما كشفته تقديرات "مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي" بعد أسبوعين من بدء العمليات: فرغم اغتيال رأس الهرم، تبقى مؤسسات النظام الإيراني "متماسكة إلى حد كبير"، وقادرة على إدارة الدولة وآليات انتقال السلطة، مما ينفي السيناريو الساذج الذي روجت له بعض الأوساط في واشنطن حول الانهيار الوشيك، وهذه المفارقة الاستخباراتية تضع صانع القرار أمام معضلة وجودية: كيف يمكن إدارة صراع مع عدو يمتلك قدرة مذهلة على استيعاب الصدمات، ويملك ترسانة من الوكلاء القادرين على تحويل أراضي دول الجوار، من الخليج إلى البحر المتوسط، إلى ساحات مفتوحة للانتقام؟

هذا التصعيد غير المسبوق لم يعد مجرد حرب بالوكالة، بل تحول إلى حرب إقليمية مفتوحة الأبعاد، تتقاطع فيها المصالح العالمية بشكل غير مسبوق، فالمعلومات الاستخباراتية المسربة تشير إلى أن موسكو، ورغم انشغالها بالحرب الأوكرانية، زودت طهران ببيانات حساسة عن تحركات القوات الأميركية وأنظمة الرادار، مما مكّن إيران من توجيه ضرباتها بدقة متزايدة ضد القواعد في المنطقة، وفي المقابل، تعتمد واشنطن على ثورة تكنولوجية في ساحة المعركة، حيث يستخدم "مشروع مافن" (Project Maven) وأنظمة الذكاء الاصطناعي مثل "كلود" (Claude) لتحليل كم هائل من البيانات الاستخباراتية وتحديد الأولويات، في مشهد يعيد تعريف طبيعة الحرب السيبرانية والعسكرية، ولكن هذا التفوق التكنولوجي يواجه تحدياً جيوبوليتيكاً يتمثل في غياب استراتيجية خروج واضحة؛ إذ تعيش الإدارة الأميركية حالة من "التخبط الاستراتيجي" بين نفي نية تغيير النظام تارة، والتماهي مع الموقف الإسرائيلي الداعم لتقويضه تارة أخرى، في سيناريو ينذر بفراغ سياسي يذكرنا بمرحلة ما بعد حرب العراق 2003، حيث الفوضى هي السمة الوحيدة المؤكدة.

واقتصادياً، بدأت الفاتورة الباهظة تفرض نفسها على جميع الأطراف، فخلال المئة ساعة الأولى من المواجهة، بلغت الكلفة العسكرية الأمريكية وحدها نحو 3.7 مليارات دولار، أي ما يقارب 890 مليون دولار يومياً، مما يهدد بطلب مخصصات إضافية من الكونجرس إذا استمرت الحرب بهذا الوتيرة، وعلى الجانب الآخر، لم تعد التهديدات مقتصرة على القواعد العسكرية، بل طالت البنى التحتية المدنية الحيوية؛ فالهجمات المتبادلة تهدد بتعطيل محطات تحلية المياه في الخليج، حيث توفر هذه المحطات نحو 90% من مياه الشرب في دول مثل الكويت، مما قد يولد أزمة إنسانية وصحية كارثية في منطقة تعاني أصلاً من شح الموارد، وكما أن أي استهداف لمضيق هرمز، الذي يعبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، سيرفع أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 130 دولاراً للبرميل، محدثاً صدمة تضخمية تعيد رسم ملامح الاقتصاد العالمي.

إذاً، فإن السؤال الأكثر إلحاحاً على المستوى الإقليمي لم يعد متعلقاً بمن سيربح المعركة القادمة، بل بصيغة أكثر تعقيداً: كيف يمكن احتواء التداعيات الكارثية لهذه الحرب التي تتغذى على مثيلاتها، في ظل غياب استراتيجية خروج واضحة، وسط سباق تسلح تكنولوجي غير مسبوق، وانهيار محتمل للأمن المائي والغذائي، وانزلاق المنطقة نحو صراع مفتوح بين القوى الكبرى؟ والإجابة على هذا السؤال ستحدد ليس فقط مصير طهران أو تل أبيب، بل مستقبل النظام الإقليمي برمته؛ فإما الخروج بتسوية تفرض واقعاً جديداً للتوازنات، أو الانجراف نحو هاوية "حرب المحاور" التي ستعيد هندسة الخرائط السياسية بالقوة، وتجعل من فكرة "الاستقرار" مجرد ذكرى عابرة في تاريخ منطقة لم تعرف السلام طويلاً.

ومن هذا السؤال الجامع، الذي يُشكّل بؤرة القلق الاستراتيجي الراهن وحجر الزاوية في أي سيناريو مستقبلي للمنطقة، تتشعب تساؤلات فرعية أكثر تحديداً وخطورة، وهذه التساؤلات لا تمثل مجرد استفسارات أكاديمية، بل هي الأولويات القصوى التي تتصدر غرف العمليات السياسية والعسكرية، وتُؤرق صناع القرار في عواصم الإقليم والعالم، وتحدد تحركات الجيوش والتحالفات على الأرض، وهي في مجملها، تشكل خريطة طريق لفهم تعقيدات المرحلة، وتستدعي إجابات حاسمة تُعيد رسم ملامح المشهد الإقليمي في هذه اللحظة التاريخية الفاصلة.

سؤال النهاية: معادلة الهدف المجهض واستراتيجية الخروج المفقودة

في صميم العاصفة التي تجتاح الشرق الأوسط، يبرز سؤال وجودي يعيد إلى الأذهان أهوال الحروب التي لا نهاية لها: كيف يمكن وضع حد لهذه الحرب؟ المشهد الاستخباراتي الراهن يرسم صورة بالغة التعقيد، حيث تشير أحدث تقييمات وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) ومجلس الاستخبارات الوطنية، الصادرة قبل اندلاع العمليات العسكرية في 28 فبراير، إلى أن احتمال إسقاط النظام الإيراني عبر الضربات الجوية يظل "ضئيلاً"، حتى مع اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وقيادات الصف الأول، وهذه المفارقة الاستخباراتية تضع صناع القرار أمام معضلة تاريخية: كيف تدير صراعاً مع نظام أثبتت مؤسساته، من الحرس الثوري إلى مجلس الخبراء، قدرتها على لملمة صفوفها وانتخاب خليفة (مجتبى خامنئي) في وقت قياسي، فيما تبقى سيطرتها على مقاليد الأمور والرأي العام "متماسكة إلى حد كبير"؟

والقلق الأكبر الذي يسيطر على غرف العمليات في واشنطن وتل أبيب لا يتعلق فقط بصمود الخصم، بل بالغموض القاتل حول "استراتيجية الخروج"، فمنذ اللحظة الأولى، قدمت إدارة ترامب تبريرات متباينة للحرب؛ فبينما حث الرئيس الأمريكي الإيرانيين على "تولي زمام حكومتكم" في خطاب افتتاحي يحمل نبرة تغيير النظام، سارع كبار مساعديه إلى نفي ذلك، مؤكدين أن الهدف ليس الإطاحة بالقيادة، وهذا التخبط الاستراتيجي يعكس انقساماً حاداً في الرؤية بين الجناحين العسكري والسياسي، ويُدخل المنطقة في نفق مظلم من الاحتمالات غير المحسوبة، وفي المقابل، تبدو الرؤية الإسرائيلية أكثر تشدداً ولكنها ليست أقل غموضاً؛ فقد أقر مسؤولون إسرائيليون كبار في مناقشات مغلقة بعدم وجود ما يؤكد أن الحرب ستفضي إلى انهيار "حكم رجال الدين"، مما يضع علامات استفهام كبرى حول الجدوى النهائية لهذه المغامرة العسكرية.

واقتصادياً، تبدأ الفاتورة الباهظة للحرب بلا نهاية واضحة في فرض نفسها كعامل حاسم في المعادلة، فخلال أول يومين فقط من الغارات، استنزفت الولايات المتحدة ذخائر بقيمة 5.6 مليار دولار، لترتفع التكلفة الإجمالية للأسبوع الأول إلى 11.3 مليار دولار، وهو رقم غير مسبوق يهدد بطلب مخصصات إضافية من الكونغرس قد تصل إلى 50 مليار دولار إذا استمرت العمليات، وهذه الأرقام تثير قلق المشرعين الديمقراطيين الذين يطالبون بشهادة علنية تحت القسم لشرح خطة الرئيس للحرب، بما في ذلك المدة المتوقعة والترتيبات السياسية لما بعد وقف القتال، وفي هذا السياق، يتساءل المراقبون: هل الهدف الحقيقي هو "استسلام إيران غير المشروط" كما يروج البيت الأبيض أحياناً، أم هو مجرد عملية محدودة لتقويض القدرات النووية والصاروخية، أم أنه "تغيير النظام" الذي يتطلب حتماً غزواً برياً لا تملك واشنطن شهية له بعد تجربة العراق وأفغانستان؟.

والتجارب السابقة، خاصة حرب العراق عام 2003، تلوح في الأفق كشبح يطارد صانع القرار الأميركي، فالإصرار على تحقيق "تغيير النظام" عبر القصف الجوي فقط أثبت عدم جدواه، بل وأدى إلى نتائج عكسية تمثلت في فراغ سياسي هائل وفوضى عارمة أنتجت تنظيمات إرهابية وطائفية وحروباً أهلية مستعصية، واليوم، مع بقاء هيكل السلطة في إيران متماسكاً، وغياب أي "ائتلاف معارض قوي أو موحد" قادر على تولي السلطة، فإن أي سيناريو يؤدي إلى زعزعة الاستقرار دون بديل واضح قد يحول إيران إلى "صوملة" جديدة أو ساحة لحرب أهلية مدمرة، تكون تداعياتها أكثر كارثية على المنطقة من استمرار النظام الحالي، والسؤال الذي يبقى بلا إجابة حتى الآن: هل تملك واشنطن خطة بديلة لمجرد "إدارة الفوضى" إذا تحققت السيناريوهات الأسوأ، أم أن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من "الاستنزاف الاستراتيجي" المتبادل الذي سيعيد رسم حدودها على نحو لا يمكن التنبؤ به؟ 

سؤال المصير: الحرب كصدمة وجودية متعددة الأبعاد وإعادة تعريف الأمن الإنساني

في تحول جذري لمفهوم الصراع، لم تعد الحرب الحالية مجرد مواجهة عسكرية تقليدية تُحسم في ساحات القتال، بل تحولت إلى زلزال إنساني واقتصادي شامل يعيد تشكيل حياة الملايين ويعيد تعريف مفهوم "الأمن القومي" ليشمل الأمن الغذائي والمائي والصحي، فبعد مرور أسبوعين فقط على اندلاع العمليات العسكرية، بدأت التداعيات الكارثية تظهر بشكل ملموس، محولة المنطقة إلى مختبر حي لأشد السيناريوهات الاستخباراتيةقتامة.

فبالنسبة للبعد الإنساني: تكشف التقديرات الميدانية عن حجم مأساوي للخسائر البشرية والبنية التحتية؛ حيث أعلن الهلال الأحمر الإيراني تضرر نحو 19,734 مبنى مدنياً، من بينها 77 مركزاً طبياً و65 مركزاً تعليمياً و16 منشأة تابعة للهلال الأحمر، وهذه الأرقام تعكس تحولاً خطيراً في طبيعة الاستهداف، حيث لم تعد المنشآت العسكرية وحدها في مرمى النيران، بل امتدت الضربات لتطال صميم البنية التحتية المدنية، والأكثر إثارة للقلق هو ما أوردته وكالات الأنباء عن استهداف صواريخ أمريكية إسرائيلية "لمنشآت سكنية ورياضية" في محافظة فارس جنوبي إيران، ما أسفر عن مقتل 21 مدنياً بينهم تلميذات في مدرسة ابتدائية، وهي انتهاكات صارخة للقانون الدولي الإنساني سارع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش إلى التنديد بها، مؤكداً في اتصال مع وزير الخارجية الإيراني "أنه مما لا شك فيه أن لإيران الحق في الدفاع عن نفسها".

والخطر البيئي يلوح في الأفق كقنبلة موقوتة؛ فالتقارير الأولى تتحدث عن ظاهرة "الأمطار السوداء" في طهران نتيجة احتراق المنشآت النفطية والصناعية، وهي كارثة بيئية قد تؤدي إلى تلوث واسع النطاق للتربة والمياه الجوفية، وتتسبب في أضرار صحية طويلة الأمد للسكان، وهذا التلوث يأتي في منطقة تعاني أصلاً من شح مائي حاد، حيث تمتلك نحو 2% فقط من الموارد المتجددة للمياه العذبة في العالم.

أما عن البعد الاقتصادي؛ فعلى الجبهة الاقتصادية، حيث صدمة تضخمية تعيد رسم خريطة الفقر في المنطقة، بدأت المعادلات الكلاسيكية تنهار؛ فبعد أن قفز سعر النفط إلى 120 دولاراً للبرميل في الأيام الأولى للحرب قبل أن يستقر حول 90 دولاراً، يتوقعخبراء "جيه بي مورجان" حدوث "عجز كبير" في إمدادات الطاقة لآسيا وأوروبا في غضون أسبوع واحد فقط، في ما وصفه هانتر كورنفيند من مؤسسة "رابيد إنيرجي جروب" بأنه "أكبر صدمة إمدادات في التاريخ الحديث يمر بها سوق النفط العالمي"، والصدمة الأعمق تكمن في توقف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الممر المائي الذي ينقل عادة نحو 20% من إمدادات النفط العالمية وتجارة الغاز الطبيعي المسال، حيث فرض الحرس الثوري الإيراني حصاراً فعلياً معلناً أن أي سفينة تمر عبر المضيق "سيتعرض للاستهداف".

والبيانات الاستخباراتية البحرية ترسم صورة مرعبة للاضطراب التجاري؛ فخلال الأيام العشرة الأولى فقط من الحرب، تم تسجيل أكثر من 12 هجوماً على سفن تجارية في مياه الخليج وبحر العرب، شملت ناقلات نفط وسفن حاويات ترفع أعلام جزر مارشال وبنما ومالطا وتايلاند واليابان، وهذه الهجمات، التي تبنى بعضها الحرس الثوري الإيراني، أدت إلى مقتل بحارة وإجلاء طواقم كاملة وإحراق سفن، مما دفع كبرى خطوط الشحن العالمية إلى تعليق عملياتها في المضيق وتحويل مسار سفنها، مع ما يعنيه ذلك من ارتفاع جنوني في تكاليف التأمينوالشحن.

وأصبح الركود التضخمي؛ شبح يطارد الاقتصادات الهشة والمستقرة على السواء، والتحذيرات الأكثر قتامة تأتي من "كريستالينا جورجيفا"، مديرة صندوق النقد الدولي، التي نصحت صناع السياسات العالميين بالتفكير في أسوأ الاحتمالات والاستعداد لها، محذرة من أن ارتفاعاً مستمراً في أسعار النفط بنسبة 10% سيرفع التضخم العالمي بنحو 40 نقطة أساس ويخفض الناتج العالمي بنسبة تتراوح بين 0.1% و0.2%، وفي مصر، التي تعتبر من أكثر الدول عرضة للخطر، انهار الجنيه إلى مستوى قياسي بلغ 53 جنيهاً مقابل الدولار، وأعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي "حالة طوارئ اقتصادية" بعد أن كان التضخم قد انخفض إلى 11.9% في يناير/كانون الثاني، وفي تركيا، اضطر البنك المركزي إلى بيع نحو 12 مليار دولار من احتياطاته لإنقاذ الليرة، أي ما يعادل 15% من احتياطياته.

وحتى اقتصادات الخليج المصدرة للنفط، التي يفترض أن تستفيد من ارتفاع الأسعار، تواجه معضلة معقدة؛ فإيراداتها النفطية مهددة بتعطل الصادرات، بينما ترتفع تكاليف استيراد الغذاء الذي تشكل مستورداته نحو 90% من احتياجاتها، وقد خفض بنك "جيه بي مورجان" بالفعل توقعاته للنمو الاقتصادي غير النفطي في الخليج بنسبة 0.3 نقطة مئوية، متوقعاً أن تكون البحرين والإمارات الأكثر تضرراً.

وجرَّاء ذلك أمسى الأمن المائي والغذائي؛ خط الدفاع الأخير الذي قد يسقط، هو الخطر الوجودي الأكبر الذي يكمن في تهديد البنية التحتية للمياه، فوفقاً لتحليل "أطلس مخاطر المياه" الصادر عن معهد الموارد العالمية، تعتبر دول الخليج من بين الأكثر معاناة من ندرة المياه في العالم، وتعتمد الكويت على تحلية مياه البحر في نحو 90% من مياه الشرب، بينما تلبي السعودية  70%من احتياجاتها عبر التحلية، وأي استهداف لهذه المحطات العملاقة، التي يصل إنتاج بعضها إلى 2 مليون متر مكعب يومياً، قد يؤدي إلى كارثة إنسانية تطال الملايين، وقد حذرت برقية دبلوماسية أمريكية مسربة عام 2008 من أن تدمير محطات التحلية السعودية قد يضطر العاصمة الرياض إلى الإخلاء خلال أسبوع، بينما قدر تحليل لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية عام 2010 أن انقطاع المياه قد يستمر لشهور.

وسلسلة الغذاء أيضاً في مرمى النيران؛ فشركة "كيبلر" لأبحاث السوق حذرت من تعطل شحنات الحبوب في جميع أنحاء الخليج، مع كون إيران الأكثر تضرراً، وهذا يعني أن أسعار الغذاء، التي كانت قد بدأت في الاستقرار، مقبلة على موجة تضخمية جديدة تهدد الأمن الغذائي لملايين البشر، خاصة في الدول المستوردة التي تعيش على حافة الهاوية الاقتصادية.

سؤال الاستقرار: احتواء الصاعقة في حقل ألغام إقليمي

وإذا كانت الجبهة الإيرانية-الإسرائيلية تمثل بؤرة الصراع المشتعلة، فإن الخطر الوجودي الأكبر يكمن في قدرة هذه النيران على التمدد أفقيًا لتشمل ساحات أخرى بالوكالة كانت حتىالأمس القريب تخضع لمعادلات ردع هشة، فالمنطقة اليوم تشبه "حقل ألغام جيوبوليتيكي" حيث أي خطأ في الحسابات قد يفجر جبهات متعددة في آن واحد، مما يحول الحرب المحدودة إلى حرب إقليمية شاملة تعيد رسم حدود النفوذ بالقوة.

فعلى الجبهة السورية؛ حيث عودة "الفتيل المقدس" واستنبات الإرهاب من جديد، فالتقارير الميدانية الواردة من عمق البادية السورية ترسم صورة بالغة القتامة؛ فخلال الأيام الأولى فقط من التصعيد، تحركت قافلة عسكرية ضخمة تضم مئات العناصر من الميليشيات الموالية لإيران، مدعومة بغطاء جوي روسي، باتجاه منطقة تدمر الاستراتيجية، وهذا التحرك، وفق تحليلات استخباراتية غربية، يهدف إلى تأمين خطوط الإمداد الإيرانية التي تضررت بشدة نتيجة الضربات الإسرائيلية الأخيرة، والتي كان منسقها في سوريا اللواء حسن مهدوي الذي قضى في التفجيرات، والأخطر هو ما كشفته صور الأقمار الصناعية من استعدادات مكثفة في مطار "تي 4" العسكري (مطار الضبعة) لاستقبال طائرات إيرانية محملة بصواريخ باليستية، في محاولة لتعويض النقص الحاد في الترسانة الصاروخية الإيرانية بعد استهدافها في الداخل .

وفي المقابل، يستغل تنظيم "داعش" حالة الارباك الأمني ليعاود نشاطه بشكل غير مسبوق؛ فقد أعلن التنظيم عبر وكالة "أعماق" التابعة له مسؤوليته عن هجوم مباغت على موقع للجيش السوري في ريف دير الزور، أوقع 23 قتيلاً على الأقل، وهذه التحركات تؤكد مخاوف البنتاجون القديمة-الجديدة من أن الفراغ الذي قد يخلفه انشغال إيران بساحتها الداخلية سيكون بيئة حاضنة لتنظيمات إرهابية أكثر تطرفاً، خاصة في منطقة البادية الممتدة التي تحولت إلى ثقب أسود أمني.

وعلى الجبهة اللبنانية؛ حيث الهدنة على صفيح ساخن والسلاح يبحث عن معادلة ردع جديدة، فتبدو معادلة الاستقرار أكثر هشاشة من أي وقت مضى، واتفاق وقف إطلاق النار الموقع بين إسرائيل ولبنان في 27 نوفمبر 2024، والذي نص على انسحاب إسرائيل تدريجياً من الجنوب خلال 60 يوماً وانتشار الجيش اللبناني هناك، بات معلقاً على حبل رفيع، ومصادر مطلعة تحدثت لوكالة "رويترز" عن أن إسرائيل طلبت من الولايات المتحدة السماح لها بالاحتفاظ بقوات في خمس نقاط استراتيجية داخل الأراضي اللبنانية "لفترة مؤقتة"، وهو ما يعتبره "حزب الله" خرقاً فاضحاً للاتفاق وتهديداً مباشراً لسيادة لبنان.

والأكثر تعقيداً هو معضلة سلاح الحزب في مرحلة ما بعد الحرب، فالتقديرات الاستخباراتية الإسرائيلية تشير إلى أن "حزب الله"، رغم فقدانه قائده الرمز حسن نصر الله وآلاف المقاتلين، لايزال يمتلك ترسانة صاروخية ضخمة تقدر بنحو 130 ألف صاروخ، بعضها دقيق التوجيه، وفي ظل الانشغال الإيراني بجراحها الداخلية، يواجه الحزب اختباراً وجودياً مزدوجاً: من جهة، عليه إثبات جدارته كورقة ردع إيرانية في مواجهة إسرائيل، ومن جهة أخرى، عليه إدارة سخط داخلي متزايد ضده لجرِّه لبنان إلى حرب مكلفة دون غطاء سياسي جامع، وأي تحرك من الحزب لفتح جبهة جديدة قد يكون بمثابة "انتحار سياسي" له في الداخل، بينما أي تقاعس قد يقرأه الإسرائيليون كضعف يستحق الاستغلال.

وكذلك على الجبهة اليمنية؛ حيث يبحث الحوثي عن دور في الحرب الكبرى، تتجه الأنظار نحو جماعة أنصار الله (الحوثيين) التي تمتلك سجلاً حافلاً باستهداف المصالح الإماراتية والسعودية، وتقارير استخباراتية حديثة تشير إلى أن الحوثيين كثفوا من نشاطهم الاستخبارتي في مضيق باب المندب، ونشروا زوارق مفخخة وألغاماً بحرية في محيط الممر الملحي، كما أنهم أعلنوا مسؤوليتهم عن استهداف حاملة الطائرات الأمريكية "يو إس إس ترومان" بصواريخ وطائرات مسيرة، في رسالة واضحة بأنهم جزء من معادلة الردع الإيرانية.

والتهديد الأكبر يكمن في قدرة الحوثيين على استهداف البنية التحتية النفطية في السعودية والإمارات، كما فعلوا في 2019 عندما استهدفوا منشأتي بقيق وخريص، وأي هجوم ناجح من هذا النوع اليوم، في ظل حرب إقليمية مفتوحة، قد يكون كافياً لإشعال جبهة خليجية ثالثة ترهق التحالف الغربي وتشتت جهوده العسكرية بين أكثر من ساحة.

بينما على الجبهة السودانية؛ حيث المستنقع الجديد للصراع بالوكالة، فلا يمكن إغفال السودان في معادلة التوسع الإقليمي؛ فالتقارير الميدانية تتحدث عن تورط إماراتي متزايد في دعم قوات الدعم السريع، مقابل دعم إيراني-تركي متبادل للجيش السوداني عبر طائرات مسيرة "مهاجر" و"بيرقدار"، وفي ظل انشغال المجتمع الدولي بالحرب في غزة وإيران، تتحول السودان إلى ساحة بديلة لتصفية حسابات إقليمية، قد تؤدي إلى تقسيم البلاد فعلياً إذا استمرت الحرب بهذه الوتيرة، مما يخلق بؤرة توتر جديدة في منطقة القرن الأفريقي الحساسة.

والتحدي الأكبر هو إدارة صاعقة متعددة الرؤوس، حيث أن الخلاصة الاستخباراتية التي ترتسم في أذهان المحللين هي أن ما يواجه صناع القرار اليوم ليس منع توسع الصراع إلى جبهة واحدة، بل احتواء احتمالية اشتعال أكثر من جبهة في وقت واحد، فانفجار الوضع في سوريا بالتزامن مع تصعيد حوثي في اليمن وخرق لاتفاق الهدنة في لبنان، قد يخلق "تسونامي أزمات" مترابطة يصعب على أي قوة عظمى، حتى الولايات المتحدة، احتواؤه، والمطلوب اليوم هو "هندسة أمنية إقليمية جديدة" قادرة على تثبيت خطوط تماس واضحة بين هذه الجبهات، وإعادة تفعيل آليات الإنذار المبكر والدبلوماسية الوقائية التي أثبتت فشلها الذريع في المرحلة الماضية.

سؤال التحالفات: اختبار العصب الإقليمي وإعادة تشكيل النظام في مرحلة ما بعد الحرب

في خضم الحرب الأكثر دموية وتعقيداً التي يشهدها الشرق الأوسط منذ عقود، لا تقتصر المعركة على الجبهات العسكرية فحسب، بل تمتد لتشمل ساحة أوسع وأكثر خطورة: ساحة إعادة تشكيل التحالفات واختبار متانتها في مواجهة الزلزال الجيوبوليتيكي الراهن، فالحرب الحالية، ضع علامات استفهام كبرى حول مستقبل النظام الإقليمي برمته، وتعيد طرح أسئلة وجودية حول طبيعة العلاقات بين دول المنطقة والقوى الكبرى، في لحظة تاريخية فاصلة قد تعيد رسم خريطة النفوذ لعقود قادمة.

فمن حيث مستقبل التطبيع؛ فهل تدفن الحرب أحلام "الشرق الأوسط الجديد"؟ فعلى وقع صافرات الإنذاروصور الدمار التي تملأ الشاشات العربية، يبرز هذا السؤال المصيري حول مستقبل مسار التطبيع بين إسرائيل والدول العربية، الذي كان يشكل حجر الزاوية في الاستراتيجية الأمريكية بالمنطقة قبل الحرب، والتحليلات الأولية تشير إلى أن "طوفان الأقصى" وما تلاه من حرب إبادة في غزة، ثم التصعيد الإقليمي الراهن، أحدث شرخاً عميقاً في الصورة الذهنية لإسرائيل داخل الشارع العربي، وأعاد إحياء العداء الشعبي لها بقوة غير مسبوقة، وهذا التحول في الرأي العام يضع الحكومات العربية، وخاصة الخليجية منها، في مأزق استراتيجي حقيقي؛ فمن جهة، لديها مصالح أمنية واقتصادية مع واشنطن ورغبة في بناء تحالفات استراتيجية معها، ومن جهة أخرى، تجد نفسها مضطرة لاستيعاب غضب شعبي عارم قد يقوض شرعيتها الداخلية إذا ما استمرت في مسار التطبيع في ظل استمرار العدوان.

والسيناريوهات المطروحة تشير إلى احتمالية تجميد أي تقدم في مسار التطبيع، على الأقل على المدى القصير والمتوسط، حيث تدرك العواصم العربية أن أي خطوة علنية نحو تل أبيب في هذه المرحلة ستحمل ثمناً سياسياً باهظاً، وبعض المحللين يذهبون إلى أن الحرب قد تكون بمثابة "شهادة وفاة" لصفقة القرن وللرؤية الأمريكية لشرق أوسط جديد قائم على التطبيع مع إسرائيل وتهميش القضية الفلسطينية، التي عادت لتتصدر المشهد الإقليمي بقوة.

أما من حيث التساؤل حول اختبار الثقة بين الخليج وواشنطن، فعلى الجبهة الخليجية، تشهد العلاقة الاستراتيجية بين دول الخليج والولايات المتحدة اختباراً وجودياً غير مسبوق، فالشعور المتزايد في العواصم الخليجية بأن واشنطن قد تفضل مصالح إسرائيل على أمنها الوطني، تغذيه وقائع ميدانية مؤلمة؛ فمنذ اللحظات الأولى للهجمات الإيرانيةالانتقامية، التي استهدفت البنى التحتية المدنية في الإمارات والسعودية والبحرين والكويت وقطر وعمان، وجدت هذه الدول نفسها في مرمى النيران رغم سياسة الحياد التي أعلنتها، فقد أطلقت إيران مئات الصواريخ والمسيّرات على مطارات الكويت وأبو ظبي الدولية وفنادق في دبي ومبان سكنية في البحرين، ما أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين وأضرار مادية جسيمة، في تحدٍ صارخ لسيادة هذه الدول.

والرسالة الإيرانية كانت واضحة؛ عدم السماح لدول الخليج بالبقاء على الحياد، واستغلال موقعها الاستراتيجيكورقة ضغط على واشنطن لوقف حملتها العسكرية، ولكن النتيجة كانت عكسية تماماً؛ فبدلاً من دفع الخليج للضغط على أمريكا، أدت الهجمات الإيرانية إلى تعزيز احتمالية الاصطفاف الخليجي إلى جانب واشنطن لمواجهة ما تعتبره هذه الدول "عدواناً إيرانياً غاشماً"، وقد أجرى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مشاورات عاجلة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في إشارة واضحة لتصاعد مستوى التنسيق العسكري بين الجانبين، كما أصدرت دول مجلس التعاون بيانات منسقة تدين الهجمات، وأكدت على حقها في الدفاع عن نفسها، مع طرح سيناريوهات للرد العسكري المباشر على إيران، تشمل استهداف مواقع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة داخل الأراضي الإيرانية

وهذا التحول الدراماتيكي في الموقف الخليجي، من سياسة الحياد والوساطة إلى التهديد بالرد العسكري، يعكس حالة "اليأس الاستراتيجي" التي وصلت إليها طهران، والتي قد تؤدي إلى نتائج عكسية تماماً على أهدافها المعلنة، فبدلاً من تحقيق "عزلة أمريكية" في المنطقة، تدفع إيران بنفسها إلى عزلة إقليمية أوسع وتفقد ما تبقى لديها من حلفاء محتملين.

وفي خضم هذه التحولات، تواجه دول الخليج معضلة استراتيجية معقدة في علاقاتها مع القوى الكبرى، من حيث التوازن مع الغرب ومعضلة العلاقات مع روسيا والصين، فمن جهة، لاتزال الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة تشكل العمود الفقري لمنظومة الدفاع الخليجية، وأي تورط في مواجهة مباشرة مع إيران سيتطلب دعماً أمريكياً واسع النطاق، ومن جهة أخرى، فإن الحرب الحالية، التي تُضعف إيران كحليف استراتيجي لروسيا والصين، قد تفيد موسكو وبكين على المدى البعيد عبر استنزاف الولايات المتحدة في مستنقع إقليمي جديد، وإعادةتوجيه أنظار واشنطن بعيداً عن آسيا وأوروبا.

وبعض التحليلات تشير إلى احتمالية تدخل روسي أو صيني غير مباشر لصالح إيران، سواء عبر توفير الدعم الاستخباراتي أو العسكري، أو عبر استغلال حالة الفوضى لتعزيز نفوذهما في المنطقة على حساب النفوذ الأمريكي، وهذا السيناريو يضع دول الخليج في موقف بالغ الدقة، إذ قد تجد نفسها مضطرة لإعادة موازنة علاقاتها بين الغرب من جهة، وقوى صاعدة مثل الصين التي تُعد الشريك التجاري الأكبر لها، وبين روسيا التي تتمتع بنفوذ متزايد في سوريا وليبيا، والخلاصة أن الحرب الحالية لا تعيد رسم التحالفات الإقليمية فحسب، بل تختبر أيضاً مرونة العلاقات الدولية في واحدة من أكثر المناطق حيوية واستراتيجية في العالم، وقد تفرز نظاماً إقليمياً جديداً تقوده دول الخليج كقوة مستقرة قادرة على حماية مصالحها عبر منظومات دفاعية متكاملة ودبلوماسية شفافة، في مواجهة مشروع إيراني يبدو أنه يخرج من هذه الحرب أكثر عزلة وضعفاً.

والخلاصة الاستراتيجية؛ هي أن ملامح الشرق الأوسط في مفترق الطرق ففي زخم الحرب الوجودية الراهنة، لم يعد السؤال عن تفاصيل المعارك، بل عن طبيعة النظام الإقليمي الذي سيولد من رحم هذه الأزمة: هل سيكون شرق أوسط مُعاد تشكيله وفق رؤية واشنطن وحلفائها، أم منطقة تغرق في فوضى ممتدة تطيل أمد الصراعات وتخلق أزمات أكثر تعقيداً؟

ففي خضم إعادة تشكيل توازن القوى الإقليمي، تقف إيران اليوم عند مفترق طرق استراتيجي لم يسبق له مثيل، حيث تواجه معضلة وجودية تتأرجح بين خيارين مصيريين: إما الانخراط في مسار دبلوماسي قد يمنح نظامها فرصة للبقاء وإعادة الاندماج في المحيط الدولي، أو التصعيد باتجاه التسليح النووي وإعادة بناء شبكة وكلائها الإقليميين، وهو الخيار الذي سيدفع حتماً إلى ضربات إسرائيلية-أمريكية جديدة ويُجهض أي أمل في انتقال المنطقة نحو الاستقرار

وفي هذا السياق، تتبلور ثلاث سيناريوهات كبرى لمستقبل الصراع؛ أبرزها سيناريو "الحروب بعد الحرب" الذي ترجحه التقديرات الاستخباراتية الغربية، حيث يتحول الصراع إلى حالة من الجمود المسلح منخفض الشدة يمتد لسنوات، ويشمل هجمات سيبرانية متبادلة، وعمليات تخريب، واغتيالات، مع بقاء جبهات متعددة مشتعلة بالوكالة، بينما يظل سيناريو "إعادة التشكيل الجذري"، القائم على انهيار النظام الإيراني، حلماً بعيد المنال في غياب بديل واضح أو معارضة موحدة قادرة على تولي السلطة، وفي المقابل، يلوح سيناريو "الفوضى الممتدة" في الأفق ككابوس حقيقي، حيث يؤدي الفراغ الجيوبوليتيكي إلى انفلات أمني شامل يعيد إنتاج تجربة العراق عام 2003 على نطاق إقليمي أوسع، مع كل ما يعنيه ذلك من استنبات للتنظيمات الإرهابية وحروب أهلية طائفية

وبالتزامن مع هذه السيناريوهات، تبرز ثلاثة متغيرات حاسمة ستشكل ملامح النظام الإقليمي الجديد؛ أولها مستقبل التحالفات الدولية في ظل توتر العلاقة بين دول الخليج وواشنطن، وتزايد النفوذ الصيني-الروسي الذي قد يستغل حالة الفوضى لتعزيز موقعه على حساب الغرب، وثانيها مصير مسار التطبيع مع إسرائيل، الذي يبدو مهدداً بالاندثار تحت وطأة الغضب الشعبي العربي المتصاعد، مما يضع الحكومات العربية في مأزق بين استراتيجياتها الأمنية وشرعيتها الداخلية، وأخيراً، يشكل أمن الطاقة العالمي المتغير الأكثر إلحاحاً، مع تعطل الملاحة في مضيق هرمز وتهديد البنية التحتية النفطية، مما يعيد رسم خريطة أسواقالطاقة ويدفع القوى الكبرى، خاصة الصين المستوردة الرئيسية، إلى إعادة حساباتها في المنطقة.

وفي ظل هذا المشهد الإقليمي المتأزم، تبرز مجموعة من التوصيات الاستراتيجية التي باتت تشكل ضرورة ملحة للخروج من دائرة العنف وإعادة رسم ملامح الاستقرار في المنطقة، وأولى هذه التوصيات تقتضي انتقالاً فورياً من منطق الحرب إلى منطق الدبلوماسية، حيث لا مخرج من الأزمة الراهنة دون تسوية شاملة تفرض واقعاً جديداً للتوازنات، تقوم على تفكيك القدرات العسكرية الإيرانية مقابل رفع العقوبات ودمج طهران في نظام إقليمي جديد يعيد توزيع الأدوار ويحقق مصالح جميع الأطراف

وفي هذا الإطار، يبرز دور محوري للقوى الإقليمية الصاعدة، وعلى رأسها السعودية والإمارات وتركيا، التي يتعين عليها الاضطلاع بدور ريادي في صياغة هندسة أمنية إقليمية متعددة الأطراف، قادرة على احتواء الصدمات وإدارة الصراعات قبل أن تتحول المنطقة إلى "صوملة" كبرى تمتد من الخليج إلى المتوسط، تعيد إنتاج الفوضى والانهيار على نطاق واسع، وإلى جانب ذلك، تفرض المتغيرات الدولية المتسارعة على دول الخليجضرورة إعادة تقييم تحالفاتها الاستراتيجية، من خلال موازنة علاقاتها التاريخية مع الغرب من جهة، وانفتاحها المتزايد على القوى الآسيوية الصاعدة، وفي مقدمتها الصين، من جهة أخرى، مع العمل بشكل موازٍ على تسريع خطط التحول الطاقوي لمواجهة سيناريوهات الانهيار المحتمل لأسواق النفط، التي باتت رهينة لصدمات جيوبوليتيكية قد تعيد رسم خريطة الطاقة العالمية لعقود قادمة.

والخلاصة أن المنطقة مقبلة على مرحلة "استنزاف استراتيجي" متبادل، حيث لا غالب ولا مغلوب، بل شرق أوسط جديد تتشكل ملامحه على وقع صراعات بالوكالة وأزمات إنسانية واقتصادية متفاقمة، فإما تسوية سياسية تعيد تعريف قواعد الاشتباك، أو انزلاق نحو هاوية "حرب المحاور" التي ستعيد رسم الخرائط بالقوة.
------------------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش

مقالات اخرى للكاتب

صراع المحاور وانهيار الردع: نظام إقليمي جديد من رحم الحرب