في ظل تصاعد العمليات العسكرية، بين المقاومة اللبنانية والاحتلال الإسرائيلي، يبرز الانقسام اللبناني حول كيفية التعامل مع العدوان، حيث يسعى الرئيس اللبناني جوزيف عون لإقناع الجانب الإسرائيلي بإجراء مفاوضات مباشرة، ويقول "إن الحل الأفضل لإنهاء الحرب الحالية يكون عبر المفاوضات المباشرة، وأن تحقيق السلام لا يمكن أن يجري من طرف واحد، بل يتطلب خطوات مقابلة من إسرائيل"، كلمات عون جاءت بعد طرحه مبادرة نصت على أن يسيطر الجيش اللبناني على مناطق التوتر الأخيرة، ويصادر السلاح منها، وينزع سلاح «حزب الله» ومخازنه ومستودعاته، ثم يبدأ لبنان وإسرائيل، بالتزامن، مفاوضات مباشرة برعاية دولية، للتوصل إلى تنفيذ تفاصيل كل ما سبق، إلا أن هذه المبادرة قوبلت بصمت إسرائيلي وتجاهل أميركي، وتسريبات إسرائيلية تفيد بأنها لن توافق على المبادرة، وإصرار على مواجهة "حزب الله" بجيشها، كما لم يتبلغ لبنان من الولايات المتحدة أي رفض للمبادرة، بل وصلها ملاحظات أميركية على المبادرة من غير الدخول في تفاصيلها.
وأفادت وكالة "رويترز" أمس الجمعة، نقلاً عن الرئيس اللبناني بأنه لم يتلق ردا على عرض المفاوضات، وذكرت "رويترز" أن إسرائيل رفضت عرضاً تاريخياً من لبنان لإجراء محادثات مباشرة، واعتبرته متأخراً جداً وغير كاف من حكومة تشاركها هدف نزع سلاح جماعة "حزب الله" لكنها لا تستطيع التحرك ضد الجماعة اللبنانية المدججة بالسلاح دون المخاطرة باندلاع حرب أهلية، كما نقلت عن مسؤول لبناني قوله "أمريكا تقول إن فرصة لبنان لاتخاذ إجراءات فاتت".
ولم تشفع التصريحات اليومية لرئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، لدى واشنطن وإسرائيل، والتي يؤكد خلالها تصميم الدولة اللبنانية على استعادة سلطتها الكاملة على أراضيها، والالتزام بحصر السلاح بيد الدولة وحدها، وتقديم كشف إنتاج الدولة لتنفيذ مخططها الرامي إلى تعزيز سيطرة الدولة وبسط الأمن جنوب نهر الليطاني، بتمكن الجيش اللبناني من تفكيك أكثر من 500 موقع عسكري ومستودع أسلحة.
سلام لم يفوته خلال كلمة وجهها للشعب اللبناني مساء الخميس 12 مارس 2026، بالتزامن مع تهديدات إسرائيلية لقصف مبانٍ في قلب العاصمة بيروت، إحداها على مسافة قريبة من السراي الحكومي وسط العاصمة، التأكيد على استعادة قرار الحرب والسلم وإنهاء مغامرة الإسناد الجديدة التي لم نجن منها سوى المزيد من الضحايا والدمار والتهجير، التي يتعرض لها مئات الآلاف من أهالي الجنوب والبقاع والضاحية، الذين اضطروا إلى ترك منازلهم وأرضهم، بحثاً عن الأمان منذ عشرة أيام مرت على اندلاع هذه الحرب التي حذّرنا طويلاً من جر لبنان إليها. وسعينا بكل الوسائل لتجنّبها. هي حرب لم نردها، بل على العكس نعمل ليلاً ونهاراً من أجل وقفها.
** دفاع مشروع لأجل الوجود
وفات رئيس الوزراء ورئيس الدولة أن إسرائيل منذ عام ونصف العام، (أي منذ توقيع اتفاق وقف الحرب في 24 أكتوبر 2024) لم تتوقف عن استهداف لبنان، وذلك ما قاله الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم (في كلمته يوم الجمعة 13 مارس 2026، بمناسبة يوم القدس) "العدوان الإسرائيلي لم يتوقف بعد اتفاق وقف إطلاق النار"، موضحاً أن المقاومة في لبنان تخوض معركة الدفاع المشروع أمام العدوان الإسرائيلي الأمريكي الغاشم، بقوله "نواجه عدواناً وحشياً خطيراً يُشكّل تهديداً وجودياً بكل ما للكلمة من معنى، ولم نكن أمام وضع سليم، كنا أمام عمل همجي مستمر لمدة 15 شهراً".
وقال قاسم " أطلقنا الصرخة مرات عدة بأن الفرصة ستنتهي، وأنه يوجد حدّ لاستمرار العدوان، ويوجد حدّ لنفاذ الصبر"، موضحاً أنه في الشهر الأخير كان النقاش الإسرائيلي بضرورة القيام بعمل كبير ضدّ لبنان، لكن النقاش كان في التوقيت: هل يكون قبل العدوان على إيران، أو بعد العدوان على إيران، أو بالتزامن"؟" وجدنا ـ والحديث لقاسم نعيم ـ بعد العدوان على إيران، أن الظروف أصبحت ملائمة لأن نواجه هذا العدو: من ناحية هو يعتدي لمدة 15 شهراً ويبدو أنه لن يتوقف، وأنه عندما تكون المعركة بالتزامن مع ما يحصل في مواجهة إيران يمكن أن نُضعّف من قدرة العدو، ونجرّه إلى اتفاق أفضل".
وتساءل قاسم " يقول البعض: استفزيتم العدو بهذه الصلية.. ولم يستفزكم 15 شهراً"؟"، ولم يستفزكم 500 شهيد ومئات الجرحى والجرف والاحتلال والأسر"؟"، كل هذا لم يستفزكم"؟"، وتعتبرون أنّ هذه الردّة هي التي استفزت"؟"، على كل، نحن نعتبر حالنا في موقع الدفاع المشروع.
وأضاف قاسم "المعركة التي نخوضها، معركة العصف المأكول، هي معركة المقاومة وشعبها ضدّ العدوان الإسرائيلي الذي يعتدي على لبنان، وهي ليست من أجل أحد، وهي دفاع مشروع، يجب على الجميع أن يشارك فيها، خاصة بعد فشل الحراك الدبلوماسي في لبنان فشلاً ذريعاً. ولم تستطع الحكومة اللبنانية لا تحقيق السيادة ولا حماية مواطنيها، ولجأ العدو الإسرائيلي إلى قتل المدنيين، وتهديم البيوت بشكل بشع ومجرم وخطير جداً، وتهجير قرى بكاملها ومدن بكاملها تحت عنوان أنه يقاتل المقاومين. وهو لا يقاتل المقاومين، هو يقتل الناس، ويعدم الحياة.
** دعوة صهيونية لفرض أمر واقع
وفي الوقت الذي تتهم فيه الدولة والحكومة اللبنانية "حزب الله"، بزج لبنان إلى حرب لا شأن له بها، وجه "منتدى غفورا" (منتدى البطولة) الذي يضم مئات العائلات التي فقدت أبناءها في حرب "سيوف حديدية"، رسالة شديدة اللهجة يوم الخميس 12 مارس 2026) لرئيس الوزراء الإسرائيلي، وأعضاء المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت) يطالبونهم بمواصلة القتال حتى يتم القضاء على التهديد تماماً في كافة الجبهات؛ في الشمال والجنوب، وفي يهودا والسامرة (الضفة الغربية)، وحتى في الجبهات البعيدة، مؤكدين أن الجبهة الداخلية متحدة من أجل النصر.
"منتدى غفورا" طالب بإنشاء حزام أمني جديد، وصياغة واقع استراتيجي جديد على الحدود الشمالية، يتضمن إنشاء منطقة عازلة واسعة داخل الأراضي اللبنانية، تضمن أمن سكان الشمال ومواطني إسرائيل، ويجب فرض واقع لا يمكن فيه لأي منظمة إرهابية أن تشكل تهديداً على الحدود مرة أخرى، خاصة ونحن نعيش أياماً تاريخية تقوم فيها إسرائيل بإزالة تهديد وجودي استمر لعقود.
رسالة المنتدى الصهيوني، تتفق مع تحذيرات الأمين العام لحزب الله، بأن المقاومة هي الحل، وإلا اتجه لبنان إلى الزوال، علماً بأن العدوان على إيران ولبنان وكامل المنطقة يأتي ضمن تحقيق حلم إسرائيل الكبرى، وتساءل "لماذا تمنع أن يعرف الناس كم عدد القتلى في الكيان الإسرائيلي، وكم عدد الجرحى"؟" لماذا تمنع التصوير"؟" لماذا تمنع الأخبار أن يعرفوها"؟" لأنك تريد أن تضللهم، وتريد أن تجعلهم غير عارفين بالنتائج الحقيقية.. على كل حال، كل هذه الأمور ستنكشف إلى الأمام.
** أرقام لابد منها
ما بين ما يوصف بـ "نواف الاستسلام، وعون الهزيمة"، والإصرار على مقاومة الاحتلال، سجلت التقارير الرسمية والمنظمات الدولية منها قوات الأمم المتحدة "اليونيفيل" أرقاماً صادمة للخروقات الإسرائيلية، منذ اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024 وحتى نهاية فبراير 2026، وصلت أكثر من15,400 خرق، (حيث بلغت الخروقات الجوية نحو 3 آلاف خرق، شملت غارات تحذيرية، واغتيالات محددة والخروقات البرية تجاوزت 2200 خرق، تضمنت عمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة، قصف مدفعي، وتثبيت نقاط مراقبة داخل الأراضي اللبنانية) وقبل 2 مارس 2026 (بدء عملية العصف المأكول) احتلت إسرائيل 5 نقاط استراتيجية على طول الخط الأزرق، بحجة إزالة التهديدات، هي (الحمامص، العويضة، جبل بلاط، اللبونة، العزية) ولم ينسحب منها رغم انتهاء المهل المحددة، ثم قامت إسرائيل في شهر فبراير 2026، باحتلال نقطتين إضافيتين هما (تلال الخيام بالأطراف الجنوبية، ومرتفعات كفر كلا الوسطى)، وهذه النقاط بمثابة "رؤوس جسر" استُخدمت لاحقاً لتسهيل التوغل البري الشامل الذي بدأ في 3 مارس 2026. ولا يخفى أن إسرائيل تسعى لإنشاء منطقة عازلة بعمق يصل إلى 10 كيلومترات، مما يعني السيطرة الفعلية على حوالي 10% من مساحة لبنان، وكان الرئيس الأمريكي قد دعا لإنشاء منطقة ترامب الصناعية في تلك المساحة بعد طرد سكانها، وأصدر الاحتلال قبل العدوان على إيران، إنذارات لسكان أكثر من 50 قرية جنوبية بوجوب الإخلاء الفوري والتوجه شمال نهر الليطاني، وبعد الثاني من مارس 2026، أضاف الاحتلال 34 قرية أخرى ليصل إجمالي القرى إلى 84 قرية، مما أدى إلى موجة نزوح ضخمة شملت حوالي 822.600 من 80 قرية وبلدة جنوبية، وتذكر التقارير أنه رغم القصف، تمسك سكان قرى مثل (عين إبل، دبل، كوكبا) بالبقاء رغم النقص الحاد في الوقود والأدوية، في محاولة لرفض مخطط "التغيير الديمجرافي" الذي يهدف لإفراغ المنطقة الحدودية تماماً.
الخروقات الإسرائيلية خلال 15 شهراً، أدت لاستشهاد أكثر من 500 لبناني، ما بين أطفال ومزارعين وصحفيين، والمقاومين الذين تم اغتيالهم عبر المسيرات، ويتراوح عدد المصابين ما بين 2200 إلى 2500 مصاب، فيما أدى العدوان الشامل الذي بدأ في 2 مارس 2026 إلى سقوط 773 شهيداً إضافياً، بينهم أكثر من 100 طفل، وإصابة 1933 مصاباً، وفقاً لأرقام وزارة الصحة اللبنانية، مما يعكس الكثافة النارية الهائلة التي استُخدمت في الهجوم الأخير.
--------------------------------
تقرير ـ محمد الضبع













