يُظهر مقطع فيديو تحققت منه نيويورك تايمز إطلاق صواريخ باليستية من البحرين باتجاه ايران، في ما يبدو أنه أول حالة مؤكدة لهجوم على الجمهورية الإسلامية في ايران ينطلق من دولة في الخليج منذ اندلاع الحرب. وتستضيف البحرين مقر الاسطول الاميركي الخامس التابع للبحرية الاميركية ولا يتضح من الفيديو وحده ما إذا كانت القوات الأمريكية أم القوات البحرينية هي التي أطلقت الصواريخ.
ويقول خبراء دفاع راجعوا اللقطات إن صاروخًا واحدًا على الأقل أُطلق من معدات مصنّعة في الولايات المتحدة. وقد أطلقت إيران آلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة على دول الخليج خلال الأسبوعين الماضيين، متهمةً إياها بالسماح باستخدام أراضيها منصةً لشن الهجمات الأمريكية. ونفت معظم دول الخليج ذلك، وأعلنت علنًا أنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي لعمليات عسكرية ضد إيران، رغم أن معظمها يستضيف قواعد عسكرية أمريكية. ويرجع ذلك جزئيًا إلى خشية حكومات تلك الدول من الانجرار أكثر إلى حرب ألقت بالفعل بالمنطقة في حالة من الفوضى.
وقالت حكومة البحرين في بيان لصحيفة نيويورك تايمز إن قواتها المسلحة "لم تشارك في أي عمليات هجومية". والتزمت المملكة الصمت بشأن ما إذا كانت ستسمح للولايات المتحدة بشن هجمات على إيران انطلاقًا من أراضيها. كما لم تجب الحكومة عن سؤال أُرسل عبر البريد الإلكتروني حول ما إذا كان الفيديو يُظهر عمليات عسكرية أمريكية في البحرين. وعندما سُئل متحدث باسم البنتاغون يوم الخميس عن إطلاق صواريخ باليستية قصيرة المدى على إيران من البحرين، امتنع عن التعليق.
ونُشر مقطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي في السابع من مارس، وتحققت صحيفة نيويورك تايمز من أنه صُوِّر بالقرب من منطقة سكنية ومطار في شمال البحرين. ويُظهر المقطع إطلاق صاروخين في الهواء، تاركَين خلفهما مسارات من الدخان الأبيض في السماء، قبل أن يتجها شمالًا شرقيًا فوق البحر نحو إيران. ويحجب مبنى منصة إطلاق الصاروخ الأول، لكن مع ارتفاع الصاروخ الثاني في السماء يشير مسارُه إلى منصة إطلاق ثانية موضوعة في مكان قريب.
وتبيّن أن تلك المنصة عبارة عن شاحنة إطلاق من طراز إم-142 هيمارس (M142 HIMARS) أمريكية الصنع، بحسب ما ذكره وِس جاي براينت، وهو محلل في الأمن القومي خدم سابقًا في القوات الجوية الأمريكية، وفابيان هوفمان، المتخصص في شؤون الصواريخ في جامعة أوسلو. وكان الجيش الأمريكي قد أعلن أنه يستخدم منظومة هيمارس في حربه مع إيران.
كما تضمّن منشور على وسائل التواصل الاجتماعي هذا الأسبوع نشرته القيادة المركزية الأمريكية، التي تشرف على العمليات الأمريكية في الشرق الأوسط، صورًا لمنصة إطلاق من هذا الطراز تُستخدم في موقع صحراوي غير محدد. وذكر المنشور أن هذه المنصات "توفر قدرة ضربات عميقة لا مثيل لها في القتال ضد النظام الإيراني".
ومنذ أن بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا عسكريًا على إيران في وقت سابق من هذا الشهر، أطلقت إيران أكثر من 100 صاروخ و191 طائرة مسيّرة باتجاه البحرين، وفقًا لبيانات الحكومة البحرينية. وتقول الحكومة إن الغالبية العظمى من هذه الهجمات جرى اعتراضها، لكن قُتلت امرأة بحرينية تبلغ من العمر 29 عامًا في عاصمة البلاد يوم الثلاثاء، في حادث وصفته وزارة الداخلية البحرينية بأنه "عدوان إيراني سافر على مبنى سكني".
كما تسببت الهجمات في أضرار واسعة بالبنية التحتية المدنية في البحرين، بما في ذلك مصفاة نفط وفنادق ومحطة لتحلية المياه. وقالت الحكومة البحرينية في بيان لصحيفة نيويورك تايمز: "تعرضت البحرين لسلسلة غير مقبولة من الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة غير المبررة من جانب إيران"، وأضافت أن الجيش البحريني "لم يشارك في أي عمليات هجومية"، لكنه "يحتفظ بحقه في الرد".
وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد وافقت في أغسطس 2025 على بيع أربع منصات من طراز هيمارس، وهي المنصات التي تظهر في الفيديو، إلى البحرين، غير أن تسليم أنظمة الأسلحة المعقدة عادة ما يستغرق سنوات حتى يكتمل. ولم تظهر أي مؤشرات علنية حتى الآن على تسليم هذه المنظومات أو دمجها في ترسانة البلاد.
وتمتلك القوات الأمريكية والبريطانية وجودًا عسكريًا دائمًا في البحرين، كما أن الجيش البريطاني لا يشغّل منظومة هيمارس، ما يعني أن المنظومة الظاهرة في الفيديو يُرجح أنها كانت تُستخدم من قبل أفراد من الجيش الأمريكي. وقد قُتل ما لا يقل عن 12 مدنيًا في دول الخليج جراء الهجمات الإيرانية الانتقامية، إضافة إلى مقتل سبعة جنود أمريكيين وستة من العسكريين وحرس الحدود في دول الخليج.
وأدانت معظم حكومات الخليج إيران، إلا أنها جميعًا امتنعت عن الانضمام علنًا إلى الحرب، خشية أن يؤدي مشاركتها في عمليات هجومية ضد إيران إلى دفع طهران لشن مزيد من الهجمات على أراضيها.
وبدا أن المرشد الأعلى الإيراني المعيّن حديثًا، آية الله مجتبى خامنئي، يوجه تحذيرًا إلى جيران إيران في الشرق الأوسط بضرورة تقليص تعاونهم العسكري مع الولايات المتحدة بشكل حاد. وقال: "أنصحهم بإغلاق تلك القواعد في أقرب وقت ممكن، لأنهم أدركوا الآن أن ادعاء أمريكا بإرساء الأمن والسلام لم يكن سوى كذبة".
كما تدرك حكومات الخليج أيضًا تأثير الرأي العام الداخلي، الذي يتسم في معظمه بعداء شديد لإسرائيل، وفي كثير من الحالات بعدم الارتياح لوجود القوات العسكرية الأمريكية في بلدانهم. ويرى محللون أن حسابات البحرين بشأن السماح بشن هجمات من أراضيها قد تكون مختلفة، فغالبية سكان البحرين من الشيعة الاثني عشرية، وهي الفرع نفسه من الإسلام الذي يمثل دين الدولة في إيران، إلا أن البلاد يحكمها منذ زمن طويل أسرة ملكية سنية، اتهمت إيران مرارًا بالتدخل في شؤونها الداخلية وإثارة الاضطرابات.
وكان تهميش الشيعة في البحرين أحد العوامل التي أشعلت انتفاضة مؤيدة للديمقراطية في البلاد قبل نحو عقد من الزمن، وهي الانتفاضة التي قمعتها الحكومة بعنف. وقال جان-لوب سمان، الباحث الزميل الأول في معهد الشرق الأوسط التابع لـ الجامعة الوطنية في سنغافورة: "لطالما اعتبرت المملكة أن النظام الإيراني يمثل تهديدًا وجوديًا لها، حتى قبل اندلاع الحرب".
كما أقامت البحرين علاقات مع إسرائيل، العدو اللدود لإيران، ووافقت، إلى جانب الإمارات، على الاعتراف بإسرائيل ضمن اتفاقيات إبراهيم التي رعتها الولايات المتحدة عام 2020. ويعد جهاز الدفاع في البحرين يعد من أكثر الأجهزة تكاملًا مع الجيش الأمريكي على الرغم من أن جميع دول الخليج تعتمد بدرجة كبيرة على الدعم العسكري الأمريكي، وقال سمان: "هذا يعني درجة أعلى من التوافق مع سياسات الدفاع الأمريكية".
ويُعد الجيش البحريني صغيرًا نسبيًا؛ إذ يبلغ عدد سكان الجزيرة بأكملها نحو 1.6 مليون نسمة فقط، وغالبًا ما يصفه بعض الباحثين بأنه قوة تركز أساسًا على حماية الأسرة الحاكمة والأمن الداخلي، أكثر من تركيزها على التهديدات الخارجية.
وقد دعا بعض الساسة الأمريكيين، ومن بينهم السيناتور ليندسي غراهام، الجمهوري عن ولاية كارولاينا الجنوبية، دول الخليج إلى الانضمام مباشرة إلى الحرب، ولم تحقق تلك الدعوات تقدمًا يُذكر حتى الان.
وقال مسؤول في الإمارات التي تحملت، بين دول الخليج، القدر الأكبر من الرد الإيراني، إن حكومته تسعى إلى احتواء الحرب لا إلى توسيعها، وقد تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية المساعي الدبلوماسية.
وفي البحرين، قد يؤدي قرار السماح بإطلاق صواريخ أمريكية من أراضيها أيضًا إلى تفاقم السخط الداخلي. وقال محمد، وهو رجل في الأربعينيات من عمره شارك في مظاهرة الأسبوع الماضي في البحرين احتجاجًا على الحرب وحدادًا على مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في غارة جوية إسرائيلية: "إن وجود أمريكا على الأراضي البحرينية أمر غير مقبول". وأضاف محمد: "إن أمريكا مصدر للحروب والأزمات، وهي تدعم الأنظمة الإجرامية والديكتاتورية في المنطقة"، وطلب أن يُعرَّف باسمه الأول فقط خوفًا من انتقام حكومي.
وتُعد الدعوات إلى طرد الجيش الأمريكي من البحرين أمرًا شائعًا نسبيًا في الاحتجاجات التي تشهدها البلاد.
-------------------------------
نيويورك تايمز






