شارك السفير صالح موطلو شن سفير تركيا لدى القاهرة عبر صفحته بموقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" كلمات للمؤرخ التركي البارز إيلبر أورتيلي حول مصر، موجهًا إياها لعدد من الصحفيين والمهتمين بالشأن الثقافي، مؤكدًا أنها قد تكون «موضع اهتمام».
وتضمنت الكلمات مجموعة من الملاحظات والخواطر التي كتبها أورتيلي عن مصر وحضارتها الممتدة عبر آلاف السنين، حيث استهل حديثه بالإشارة إلى أنه لم يزر مصر منذ نحو خمس سنوات، مؤكدًا أن الشوق إليها لا يزال حاضرًا بقوة في قلبه، رغم ما يرافق السفر أحيانًا من تعب وإرهاق. ويقول إن هذا الشوق سيظل قائمًا حتى آخر العمر، مشددًا على أن مصر تستحق لقب «أم الدنيا»، ليس فقط بسبب تاريخها الطويل، بل لأنها أيضًا كانت منبعًا للحداثة الإنسانية.
ويشير المؤرخ التركي إلى أن المصريين القدماء طوروا أساطيرهم وطقوسهم المرتبطة بالحياة والموت قبل ظهور الديانات السماوية، كما برعوا في العديد من العلوم والابتكارات العملية، لافتًا إلى أنهم تمكنوا من إجراء عمليات جراحية وهندسية بأساليب أكثر بساطة وفعالية مقارنة بما عرفه الإغريق لاحقًا.
كما يلفت أورتيلي إلى أن علم الكيمياء ذاته يرتبط بمصر القديمة، موضحًا أن اسم هذا العلم مشتق من كلمة «كيميا»، المرتبطة باسم مصر القديم «كِمِت».
وفي حديثه عن الحياة اليومية في مصر القديمة، يؤكد المؤرخ التركي أن المصريين كانوا من أوائل الشعوب التي وضعت قواعد للنظافة والصحة العامة، بدءًا من العناية الشخصية مثل المانيكير والباديكير، وصولًا إلى تنظيم قوائم المشتريات المنزلية.
ويضيف أن معرفة تشريح جسم الإنسان لم تبدأ في الجامعات الأوروبية مثل بادوفا وبولونيا في العصور الوسطى، بل كانت معروفة لدى الكهنة المصريين الذين درسوا جسم الإنسان أثناء عملية التحنيط وصناعة المومياوات.
كما يشير إلى أن الرومان بعد دخولهم مصر أدركوا أهمية الخبرة المصرية في إدارة الدولة، فتعلموا من المصريين أساليب قياس الأراضي وتنظيم الضرائب وإدارة الموارد.
ويرى أورتيلي أن جذور الحضارة الإنسانية لا تبدأ باليونان وحدها كما يعتقد البعض، بل تعود إلى حضارات أقدم في بلاد ما بين النهرين ومصر، إلا أن ما يميز مصر هو استمرارية حضارتها عبر آلاف السنين، حيث ساهم نهر النيل ودلتاه الخصبة في خلق حضارة مستقرة ومزدهرة.
ويضيف: «شئت أم أبيت، فنحن جميعًا مصريون بطريقة ما، سواء أدركنا ذلك أم لا، لأن الأمر في النهاية قضية حضارة أثرت في الإنسانية كلها».
ويؤكد المؤرخ التركي أن مصر بلد يعرف كيف ينهض من جديد، قائلاً إن هذا البلد «لا يموت»، بل يبعث نفسه باستمرار، وغالبًا ما يحدث هذا الإحياء في أماكن غير متوقعة.
وفي سياق حديثه عن القاهرة التاريخية، يشير أورتيلي إلى أن الأحياء القديمة في العاصمة المصرية تضم كنوزًا معمارية هائلة، رغم أن بعض المباني التاريخية لا تحظى بالترميم الكافي. ويضرب مثالًا بمسجد مسجد أحمد بن طولون، أحد أقدم المساجد في القاهرة، والذي يمثل نموذجًا مهمًا للعمارة الإسلامية.
كما يشيد بجمال شارع المعز لدين الله الفاطمي، الذي يعد من أكثر شوارع القاهرة التاريخية روعة، إذ يمتد من باب الفتوح ويضم على جانبيه عددًا كبيرًا من الآثار التي تعود إلى العصور المملوكية والعثمانية، بما في ذلك الأسبلة والكتاتيب التي كانت توفر المياه والتعليم لأبناء الأحياء.
ويشير أورتيلي إلى أن هذه الأسبلة والكتاتيب كانت منتشرة بكثرة في القاهرة، حتى بلغ عددها نحو 700 منشأة في مطلع القرن التاسع عشر، عندما دخلت قوات نابليون بونابرت إلي مصر.
كما يتوقف عند مرحلة النهضة الحديثة في مصر، مؤكدًا أن الدور الذي لعبه محمد علي باشا كان نقطة تحول رئيسية في تاريخ البلاد، حيث شهدت مصر في عهده بداية مشروع تحديث واسع شمل إنشاء المدارس وتعليم الأطفال العربية والتركية إلى جانب الرياضيات والتاريخ والجغرافيا، بل وحتى اللغة الإنجليزية.
ويخلص المؤرخ التركي في خواطره إلى أن مصر تظل نموذجًا حضاريًا فريدًا، بلدًا يمتلك قدرة استثنائية على التجدد، ويستمر تأثيره في تشكيل مسار الحضارة الإنسانية عبر العصور.






