أكدت إحدى أبرز الدبلوماسيين في دولة الإمارات، في مقابلة أجريت يوم الجمعة، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيتوصل إلى خاتمة دبلوماسية للحرب مع إيران "في وقته المناسب"، مشددة على ضرورة توقف طهران عن مهاجمة جيرانها قبل الحديث عن أي وساطة.
وأعربت لانا نسيبة، المندوبة الدائمة السابقة للإمارات لدى الأمم المتحدة والتي تشغل حالياً منصب وزيرة دولة في وزارة الخارجية، عن ثقتها بأن الحرب ستنتهي بتسوية تفاوضية، وأشارت إلى حالة الصدمة التي انتابت دول الجوار جراء الهجمات الإيرانية، قائلة: "في نهاية المطاف، سيكون الحل دبلوماسياً، لكن لا بد من الوصول إلى لحظة 'نقطة التحول'، وأعتقد أن الرئيس ترامب سيقودنا جميعاً إلى تلك اللحظة في الوقت الذي يراه".
وحين سُئلت عن جهود الوساطة، أوضحت نسيبة أن على إيران وقف هجماتها أولاً، مضيفة: "من الصعب الحديث عن الوساطة ونحن تحت الهجوم... فالوساطة لا يمكن أن تحدث إلا حين تصمت المدافع".
استهداف النموذج الاقتصادي
وكشفت الوزيرة أن المسؤولين الإيرانيين لم يعطوا أي مؤشر على أن الإمارات ستكون هدفاً خلال زيارتها لطهران لإجراء محادثات دبلوماسية قبل أسبوعين من اندلاع النزاع، وهو ما جعل الهجمات الإيرانية اللاحقة "صادمة وفجة للغاية".
وبينما تزعم إيران أن ضرباتها تستهدف الوجود الأمريكي في المنطقة، تستضيف الإمارات، إلى جانب دول خليجية أخرى والعراق والأردن وتركيا، منشآت عسكرية أمريكية.
يُذكر أن طائرات مسيرة وصواريخ قد استهدفت بنية تحتية مدنية في الإمارات، شملت مطار دبي، وفنادق معالم بارزة، والمركز المالي.
وشددت نسيبة على أن الإمارات في تواصل مستمر مع إدارة ترامب، مشيدة بها كشريك استراتيجي قوي. ولم توجه الوزيرة أي انتقاد للولايات المتحدة أو إسرائيل لشن الهجوم على إيران، مؤكدة ضرورة عرض حملتهم العسكرية بشكل منفصل عما وصفته بـ "هجمات إيران الفجة وغير القانونية وغير المشروعة على دول الخليج والأردن".
وترى نسيبة أنه سيكون من الصعب استعادة العلاقات مع إيران إلى الوضع الذي كانت عليه قبل الحرب، "بالنظر إلى حجم الدمار والفوضى التي تسببت فيها إيران في المنطقة". وأشارت إلى أن طهران تحاول ضرب النموذج الاقتصادي الإماراتي، الذي جذب 700 ألف إيراني للعيش هناك، مؤكدة أن الضربات أثبتت قوة واقتصاد الدولة: "لقد عاد الناس إلى أعمالهم، ومطاراتنا مفتوحة، والرحلات الجوية تقلع بانتظام. إن الاقتصاد الإيراني، المخنوق أصلاً بالعقوبات والضغوط، هو الذي يواجه الانهيار الحر، وعملتهم هي التي تتهاوى".
وفي وقت تواجه فيه دولة الإمارات عدداً غير متكافئ من الهجمات المنطلقة من إيران، يبدو أن الدولة الخليجية الصغيرة القابعة إلى الجنوب من إيران قد اتجهت نحو تقليص حجم المعلومات المشتركة حول مدى نجاح دفاعاتها الجوية في الأيام الأخيرة.
فخلال الأيام العشرة الأولى من الحرب، برزت الإمارات بوضوح من خلال مشاركة أرقام تفصيلية عن الصواريخ والطائرات المسيرة التي استهدفت أجواءها، فضلاً عن عمليات الاعتراض الناجحة، فقد ذكرت وزارة الدفاع أنه حتى الثامن من مارس، تم رصد ما مجموعه 1,422 طائرة مسيرة، جرى اعتراض 1,342 منها، كما تم إسقاط جميع صواريخ الكروز الثمانية التي شكلت تهديداً. إلا أنه خلال اليومين الماضيين، يبدو أن الحكومة الإماراتية قد غيرت نهجها؛ حيث اكتفت بنشر عدد الصواريخ والمسيرات التي "تعاملت" معها في ذلك اليوم، وأفادت وزارة الدفاع بأن الهجمات أسفرت عن ست وفيات، ولم تستجب الوزارة على الفور لطلب التعليق اليوم بشأن هذا التغيير في السياسة الإعلامية.
وقال جان لوب سمعان، الباحث الأول في معهد الشرق الأوسط بجامعة سنغافورة الوطنية، في تصريح لموقع "بريكينغ ديفينس"، إنه من الصعب التكهن بأسباب تقليص الإمارات للتفاصيل المنشورة، وأضاف سمعان، وهو أيضاً زميل أول غير مقيم في المجلس الأطلسي: "لكنني أتخيل أننا مع اقترابنا من الأسبوع الثاني لهذه الحرب، فإن قدرات الدفاع الجوي لمعظم دول الخليج تعاني من استنزاف في المخزون".
من جانبه، كتب برايان كارتر، مدير الأبحاث والزميل في معهد المشاريع الأمريكي (AEI)، عبر منصة "إكس" أن الإمارات "توقفت على الأرجح عن التمييز بين الذخائر 'المرصودة' و'المعترضة' لأن الإعلان عن هذه المعلومات علناً يؤثر على الأمن العملياتي؛ فكل ذخيرة 'معترضة' تعني نقصاً في عدد الصواريخ الاعتراضية، وهو أمر يصب في مصلحة الحسابات الإيرانية".
وتعتمد الإمارات في منظومتها الدفاعية على نظام "ثاد" (THAAD) الأمريكي، ونظام "باتريوت"، بالإضافة إلى نظام "تشونغونغ-2" (Cheongung-II) الكوري الجنوبي متوسط المدى. وقد وُضعت هذه الأنظمة قيد الاختبار الفعلي خلال الضربات الإيرانية على الإمارات، التي تبعد في أقرب نقاطها نحو 60 ميلاً عن الساحل الجنوبي لإيران.
ووفقاً للأرقام الصادرة عن مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD) والحكومة السعودية، فقد استهدفت الإمارات بأكثر من نصف عدد المسيرات التي استخدمتها إيران لمهاجمة بقية الدول العربية مجتمعة؛ حيث وُجهت 1,514 مسيرة نحو الإمارات، مقابل 2,491 مسيرة استهدفت السعودية والكويت وقطر والأردن والبحرين مجتمعة حتى يوم الخميس.
كما سجلت الإمارات أكبر عدد من الصواريخ المتجهة نحو أجوائها بواقع 283 صاروخاً، مقارنة بـ 831 صاروخاً توزعت على الكويت والبحرين وقطر والأردن، ومن بين جميع المقذوفات التي أطلقت من إيران، استهدفت الإمارات نحو 48% منها.
وتفسر مروة مازياد، الأستاذة المساعدة في العلاقات الدولية بجامعة ميريلاند، هذا الاستهداف المكثف لـ "بريكينغ ديفينس" قائلة: "تتعرض الإمارات للضرب بشكل متكرر لأن إيران تراها الدولة الخليجية الأكثر تحالفاً استراتيجياً مع إسرائيل، فالتنسيق الأمني العميق يخلق تصوراً بالضلوع في الصراع، حتى وإن لم تكن الإمارات تشن هجمات بنفسها".
أما الخبير الأمني ديفيد دي روش، فيرى أن أحد أسباب كثافة الهجمات يعود لبساطة الجغرافيا؛ "فهم الأقرب، وبما أن مخزون إيران من الصواريخ قصيرة المدى لم يمس خلال حرب الـ 12 يوماً، فقد قرروا إطلاق هذا المخزون الذي لا يمكنه الوصول إلى إسرائيل باتجاه الإمارات".
وفي سياق متصل، يرى محمد سليمان، الباحث الأول في معهد الشرق الأوسط، أن دبي تمثل نموذجاً يراه النظام الإيراني تهديداً؛ فهي "اقتصاد مفتوح ومتصل عالمياً يزدهر عبر الخليج العربي. الأمر لا يتعلق بالقواعد الأمريكية فحسب، بل بالنموذج الذي بنته الإمارات القائم على السياحة والتمويل والتكنولوجيا، وضرب هذا النموذج يهدف لزعزعة سمعة دبي كمركز عالمي آمن".
تشير التقارير والأرقام الصادرة عن الدول العربية إلى أن الطائرات المسيرة كانت أكثر نجاحاً في اختراق الدفاعات الجوية مقارنة بالصواريخ، وهو ما يعزوه المحللون إلى طبيعتها "المتسللة" أو إلى أولويات الأنظمة الدفاعية. ويوضح سمعان قائلاً: "المشكلة في المسيرات تتعلق بالرصد؛ فهي تحلق على ارتفاعات منخفضة ويمكن لمسارها أن يتغير بسهولة، مما يصعب المهمة على الرادارات. كما أن اعتراضها معقد لأن معظم الأنظمة الدفاعية في الخليج مصممة لمواجهة تهديدات الصواريخ، بينما تظل المسيرات صعبة الاعتراض بسبب قدرتها العالية على المناورة".
من جهته، أشار أندرياس كريج، المحاضر في كينجز كوليدج لندن، إلى أن بعض الهجمات الإيرانية المبكرة استهدفت رادارات الإنذار المبكر، مما سهل عبور بعض المسيرات، وأضاف أن هناك "توجهًا حاليًا لترشيد استخدام الصواريخ الاعتراضية، حيث تُعطى الأولوية لمواجهة الصواريخ الباليستية، مع تفضيل استخدام صواريخ (جو-جو) لاعتراض المسيرات".






