لقد أسفرت المواجهات الأخيرة بين ايران وكل من أمريكا والكيان الصهيوني عن جملة من الحقائق التي لم يعد من الممكن اخفاؤها، مهما بلغت درجات التعتيم والتضليل التي ينتهجها الاعلام العربي والغربي، معا. حيث كان توالي اطلاق الصواريخ الإيرانية وتدرجها من استخدام صواريخ قديمة بهدف استنزاف الطاقات الدفاعية من صواريخ اعتراضية يمتلكها العدو، مرورا بصواريخ متطورة قادرة على إحداث نوع من الصدمة والرعب لدى العدو والإجهاز على ما تبقى من قدراته الدفاعية، وصولا إلى الصواريخ الفرط صوتية الفائقة التطور، والتي تقوم بنوع من التدمير الانتقائي والجراحي لمخازن السلاح والذخيرة ومقرات القيادة والملاجئ الحصينة لكبار القادة والمسؤولين.. الخ، كل ذلك يقول إلى أين تتجه مجريات الحرب. ويقول أيضا أن الإيرانيين أصبحوا يمتلكون زمام الأمور فيها، وهو ما يظهر من خلال القدرة على السيطرة على حركة ميدان المعركة. حيث يمكن القول بأنهم قد تمكنوا من الانتقال السريع من وضعية رد الفعل إلى وضعية المبادأة والمبادرة. وهي تلك الوضعية التي جعلت العدو يلهث وراء هجماتهم، ويبحث عن الردود الممكنة عليها.
وبصرف النظر عما يعنيه ذلك من ظهور نمط من القيادة العسكرية المتمرسة التي تقوم بإدارة العمليات الحربية وفق تخطيط ووعي عملياتي منهجي دقيق، وامتلاك رؤية شاملة للميدان ومكوناته، وقدرة فائقة على تحقيق الاستخدام الأمثل للإمكانات العسكرية المتاحة، في مواجهة أضعف نقاط القوة لدى العدو وتحييدها على الرغم من تفوقه الجوي والتكنولوجي، فلقد تمكن الإيرانيون من خلال استخدام صواريخ رخيصة الثمن ومسيرات مصنوعة من مواد بسيطة ومتاحة، (مثل الخشب والفايبر والبلاستيك)، وسهلة التعويض، وسريعة التصنيع، من تحييد أغلى الصواريخ وأعقد الرادارات. مما أدى إلى تحقيق الإغراق الصاروخي والإعماء الإلكتروني، من خلال ضرب الرادارات وبطاريات الباتريوت والثاد، واستنزاف ذخائرها. بينما تبقت الذخائر الإيرانية متدفقة وكأنها لا تنفد.
كل ذلك أدى إلى الانتقال من مرحلة استيعاب الضربة الأولي وإحلال وتماسك القيادة، إلى مرحلة الردع، وصولا إلى مرحلة "الجراحة الاستراتيجية"، وهي المرحلة القائمة الآن. وتفصيل ذلك في النقاط التالية:
- لم ترتبك القيادة الإيرانية كثيرا بعد الضربة الأولى، على الرغم من فداحة نتائجها. سواء على مستوى ضرب رأس القيادة الإيرانية من قتل للمرشد ومعه ما يقارب الأربعين من كبار قادة الجيش والحرس الثوري. فسرعان ما تمت الابدالات والإحلالات. وتحركت الآلة العسكرية بعد أقل من ساعة واحدة من نهاية الضربة الأولى.
- تمثلت مرحلة الردع في قيام القوة الايرانية بالبدء في عملية تطهير وتأمين المجال الحيوي، المتمثل في منطقة الخليج، بما فيها العراق، من الوجود العسكري الأمريكي المؤثر، مستهدفة قوس القواعد المتواجد في أربيل وعين الأسد بالعراق شمالا ثم إلى الجنوب في قاعدة على السالم بالكويت، ومقر الأسطول الخامس بالبحرين. ومن ثم قاعدة العديد بقطر ومنها إلى قاعدة الأمير سلطان بالسعودية، وصولا إلى قاعدة الجفير بالفجيرة في الإمارات. ومن بعدها قاعدة موفق السلطي في الأردن. وهو ما أدى الى ما يشبه التفكيك الشامل لهيكل الحماية الإقليمية بالخليج.
- تم ضرب مصفاة (بابيكو انرجيز) في البحرين، وهي أكبر مصفاة نفطية بمنطقة الخليج، فجاء ذلك بمثابة عملية خنق لوجيستي، لعمل القوات المعدات العسكرية والقطع البحرية الأمريكية. ومن هنا وصلنا إلى النتيجة المشهودة المتمثلة في السقوط المتزايد للصواريخ الاعتراضية الصهيونية دون أن تصيب أهدافها. وهو ما يعد دليلا على الانهيار الدفاعي الذي لايمكن إنكاره، ليس فقط في دفاعات الكيان، ولكن فيما سبقها من دفاعات أمريكية في الخليج والعراق والأردن، على النحو الذي تم ذكره.
- مكنت هذه المعالجة النارية الشاملة إيران من إنهاك القدرات القتالية للقواعد العسكرية الأمريكية، سواء أكانت منصات صاروخية أو مطارات أو مناطق خدمات لوجستية، بالكامل، وأدت إلى حرمانها من ميزة الدعم المتبادل. ولعل الأثر الفادح الذي حققه هذا التطور في العمل الاستراتيجي للقوة الإيرانية هو ما جعل العدو غير قادر على إخفاء ما حاق به من خسائر، خاصة مع دخول الصواريخ الفرط صوتية من طراز خورام شهر الانشطارية وفتاح، وهما الصاروخان اللذان يتمتعان بامكانيات تقنية ساهمت، مع عملية الإعماء وتدمير الدفاعات السابق ذكرها، في جعل عملية الاعتراض شبه مستحيلة.
- إذا استمرت وتيرة القصف والتدمير القائمة الآن على حالها (إن لم تتصاعد، حيث أنه من المرجح أن تقوم ايران بتنشيط سلاح تحت الماء عن طريق تفعيل طوربيدات "الحوت" وصواريخ كروز التي تنطلق من غواصات "فاتح" و"غدير" لاصطياد بارجة هنا أو فرقاطة هناك، ليكون ذلك بمثابة المسمار الأخير في نعش الوجود البحري الغربي في الخليج) فقد ندخل في الأيام أو الأسابيع القليلة المقبلة في نوع من الانهيار الهيكلي لقدرة العدو الصهيوني، قيادة وجمهورا، متمثل في العجز عن الاحتمال هذا الكم المتصاعد من الخسائر، وبالتالي، عدم القدرة على الاستمرار في الحرب. وعندئذ ربما نكون قد وصلنا إلى لحظة حرجة، في ما يتعلق بوجود الدولة الصهيونية بحد ذاتها.
خاصة أن الإيرانيين يمتلكون عدة أوراق أخرى ضاغطة بعنف على عنق العدو الصهيو أمريكي. وأبرزها ورقة الطاقة، سواء في ما يتعلق بالقدرة على منع الملاحة في مضيق هرمز، أو ما يتعلق بالقدرة على استهداف منصات الغاز في البحر المتوسط بعد أن تم بالفعل، ضرب محطة التكرير الكبرى في حيفا.
إن المعركة الآن لم تعد مجرد معركة تدمير أو قتل، بل أصبحت حربا على هوية القوة التي ستهيمن مستقبلا على منطقة الخليج، وبالتالي على سوق الطاقة والاقتصاد في العالم والنفوذ في الشرق الأوسط. فاذا خرجت ايران من هذه الحرب دون هزيمة فقد نكون بإزاء المراحل الأخيرة من تفكيك الهيمنة الغربية في منطقتنا. ولن يكون أمام الولايات المتحدة إلا موقف من اثنين: فإما الإقرار بالهزيمة الاستراتيجية والخروج من المنطقة، وإما مواصلة حرب استنزاف عبثية لا أهداف واضحة لها. كما أننا سنكون بإزاء وضعية نادرة من التراجع والضعف، وربما الانهيار التام، للكيان الصهيوني.
-------------------------------
بقلم: د. صلاح السروي






