21 - 03 - 2026

قدرات مصر على الصمود تتحسن رغم خروج 7 مليارات دولار مع الحرب الحالية ضد ايران

قدرات مصر على الصمود تتحسن رغم خروج 7 مليارات دولار مع الحرب الحالية ضد ايران

تعرّضت الأصول المصرية لواحدة من أسوأ الضربات في الشرق الأوسط جرّاء الحرب مع إيران، في اختبار ضاغط للإصلاحات الشاقة المدعومة من صندوق النقد الدولي والمصممة لحماية البلاد من الأزمات المستقبلية.

فعلى الرغم من بُعدها عن الصواريخ التي تضرب الخليج، خرجت مليارات الدولارات من استثمارات المحافظ من مصر، وتراجعت السندات، وانخفضت العملة إلى مستوى قياسي، كما أن ارتفاع أسعار الطاقة يفاقم الضغوط على الموازنة ويهدد بزيادة الفواتير على سكان أنهكتهم سنوات من التضخم المرتفع.

وقد واجهت مصر مخاطر مشابهة من قبل، فقد كشف غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022 اعتماد القاهرة الطويل على الأموال الساخنة وأشعل أزمة عملة.

وتفاقمت الأزمة مع اندلاع حرب إسرائيل وحماس في غزة في أكتوبر 2023، التي أصابت إيرادات قناة السويس بالشلل ولم تتعافَ حتى الآن.

وقد وفّر برنامج إنقاذ عالمي بقيمة 57 مليار دولار، تقوده الإمارات وصندوق النقد الدولي، مخرجًا من تلك الأزمة، ويبدو السؤال المطروح اليوم هل كان التحضير لهذه الازمة كافيًا، مع امتلاك مصر احتياطيات قياسية من النقد الأجنبي وعزيمة واضحة على اتخاذ خطوات صعبة.

وقال فاروق سوسة، محلل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة غولدمان ساكس: "تضع الحرب التزام مصر بالسياسات الاقتصادية التقليدية على المحك"، وتصف غولدمان ساكس مصر بأنها "معرّضة للخطر ولكنها أكثر قدرة على الصمود" مقارنة بالسابق.

ظلّت مصر وسكانها البالغ عددهم 110 ملايين نسمة عرضة للاضطرابات الإقليمية الأوسع، باعتبارها دولة تعتمد على واردات الغذاء والطاقة، وتفتقر إلى الموارد الطبيعية، وتتحمل شبكة واسعة من الدعم الاجتماعي، الا ان موقع البلاد كركيزة أساسية في منطقة مضطربة ساعدها على تأمين الدعم المالي غير المسبوق قبل عامين.

وسارعت السلطات خلال الأسبوع الماضي إلى محاولة تهدئة المخاوف، مؤكدة أن السلع الأساسية مؤمّنة، ومتعهدة بزيادات في الأجور، كما اتخذت "إجراءات استثنائية" شملت كبح الإنفاق غير الضروري ورفع أسعار الوقود للمرة الأولى منذ أشهر.

وكان صندوق النقد الدولي، الذي ضاعف برنامج إقراضه لمصر إلى أكثر من ثمانية مليارات دولار في مطلع عام 2024، قد جعل من مرونة سعر الصرف وخفض الدعم شرطين أساسيين، قائلاً إنهما سيساعدان البلاد على مواجهة الصدمات الخارجية، وقد أدّى الجنيه الدور المطلوب منه في هذا السياق، فقد تراجع بنحو 9% منذ اندلاع الحرب مع إيران، وهو أسوأ أداء عالميًا، فيما يبدو أنه يعكس قوى العرض والطلب.

ويختلف ما يحصل حاليًا عن الأزمات السابقة حين كان البنك المركزي يدعم الجنيه ويستنزف الاحتياطيات.

وقال محمد أبو باشا، رئيس قسم التحليل الكلي في بنك الاستثمار إي إف جي هيرميس، إن سعر الصرف المرن كان بمثابة "ممتص للصدمات"، وأضاف: "إنه يحمي الاحتياطيات الأجنبية القائمة، ويضمن توافر السيولة بالعملات الأجنبية، ويوفّر نقاط دخول جديدة للمستثمرين في المستقبل".

وكان الدين المصري من الأصول المفضّلة لدى المستثمرين الأجانب في السنوات الأخيرة، بفضل واحد من أعلى أسعار الفائدة الحقيقية في العالم، ويقدر سيتي بنك حيازات الأجانب من أذون وسندات الخزانة بنحو 32 مليار دولار قبيل الأزمة مباشرة، ولا تتوافر أرقام حديثة معلنة للجمهور.

وتبدو التدفقات الخارجة حتى الان أقل بكثير من نحو 20 مليار دولار التي تسببت بها حرب روسيا وأوكرانيا.

وقال إي إف جي هيرميس إنه مع نهاية تداولات يوم الاثنين، خرج نحو 7 مليارات دولار منذ منتصف فبراير.

ويقدر سيتي بنك أن 1.5 مليار دولار عادت في اليوم التالي، بعدما لمح الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى احتمال انتهاء الصراع سريعًا، وقد سجّل الجنيه بعض المكاسب خلال اليومين الماضيين قبل أن يتراجع بنحو 0.9% إلى 52.4 جنيه للدولار يوم الخميس.

وتقول رزان ناصر، محللة الديون السيادية في تي. روو برايس، التي تدير نحو 1.8 تريليون دولار من الأصول العالمية: "نظرًا للتمركزات الثقيلة، فمن الطبيعي أن نشهد تدفقات خارجة في هذه الفترة الضبابية مع سعي المستثمرين إلى تقليل المخاطر"، وأضافت: "مصر تواجه هذه الصدمة من موقع أفضل بكثير مقارنة بالأزمات الإقليمية والعالمية السابقة".

وتراجعت السندات المصرية المقومة بالدولار بنسبة 2.6% منذ بدء الحرب، في حين بلغ متوسط التراجع في الأسواق الناشئة 1.3%، كما هبط مؤشر البورصة الرئيسي EGX30 بنسبة 4.9% حتى الآن هذا الشهر.

ومع ارتفاع أسعار النفط، متجاوزة 100 دولار للبرميل مجددًا صباح الخميس، لم تتردد الحكومة في تمرير التكاليف الإضافية إلى المستهلكين، فقد ارتفعت أسعار الوقود بما يصل إلى 17% يوم الثلاثاء، في أكبر زيادة منذ سنوات.

وقال فاروق سوسة من غولدمان ساكس إن المواقف الحالية بشأن الجنيه والوقود تُعدّ "دليلًا على الالتزام بالسياسات الاقتصادية التقليدية".

كما عززت مصر احتياطياتها المالية، مدعومة بصفقات السياحة الخليجية وشرائح قروض صندوق النقد الدولي، فقد بلغت صافي الاحتياطيات الأجنبية 52.7 مليار دولار الشهر الماضي، بزيادة تقارب 30% عمّا كانت عليه عند اندلاع حرب أوكرانيا، كما ارتفع صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك التجارية إلى 14.5 مليار دولار في يناير، وهو أعلى مستوى منذ عام 2012، ولكن لا يمكن تجاهل الأثر المحتمل على موازنة الدولة ومساعي إعادة تشغيل الاقتصاد عبر نموذج يقوده التصدير والاستثمار الخاص.

ويرى أبو باشا من إي إف جي هيرميس أن ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميًا سيزيد الضغوط على الموازنة ومسار التضخم والحساب الجاري في مصر، وسيعتمد حجم التأثير على تقلبات أسواق الطاقة ومدى استمرار الصراع، ما يجعل من الصعب قياسه بدقة.

وقال فاروق سوسة من غولدمان ساكس: "إذا كان التأثير كبيرًا ويهدد بفكّ ارتباط توقعات التضخم، فستتجه الأنظار إلى كيفية استجابة البنك المركزي لهذا الأمر من خلال أسعار الفائدة".

وقال وزير الخارجية بدر عبد العاطي يوم الثلاثاء إن السلطات على تواصل مع بعض المؤسسات الدولية التي سبق أن تعهّدت بتقديم دعم للموازنة، في محاولة لتسريع صرف القروض.