حتى وقت قريب جداً كان كثير من الكتاب والمحليين يرون أن الصراع الدائر بين اسرائيل وايران ما هو إلا مسرحية أو لعبة متفق عليها بين الطرفين، ومما زاد من أهمية ذلك الرأى أن وسائل الإعلام العربية و العالمية وبعض وسائل الإعلام الإسرائيلية، وكذلك اقلام كتاب كثيرين مشهود لهم بالكفاءة والموضوعية قد تناولته.
لكن ومع بداية الهجوم الأمريكى – الإسرائيلى على إيران 28 فبراير 2026 م تبين أن ما يدور بين الطرفين ليس مسرحية ولا لعبة متفق عليها، وإنما فصل جديد له جذور تاريخية قديمة يريد كل طرف فيه أن يصل إلى أهدافه.
والحقيقة التاريخية أن الصراع بين إسرائيل - ومعها بطبيعة الحال راعيتها الولايات المتحدة الامريكية- وإيران، والذى يعد من أكثر الصراعات العالمية تعقيداً، قد مر بمراحل وتطورات تاريخية عديدة ما بين المعارضة والإعتراف والصداقة والعلاقات السرية والعداء .... الخ .
ففى الوقت الذى عارض فيه النظام الإيرانى قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين عام عام 1947م، عاد واعترف بإسرائيل "سراً " في مارس عام 1950م نظراً لمعارضة بعض رجال الدين وبعض الساسة لذلك القرار، وأرسلت إيران الدبلوماسي رضا سافيني كــ "مبعوث خاص" إلى إسرائيل وليس سفيراً، كما كانت زيارات كبار المسؤولين الإسرائيليين إلى إيران تتم في أجواء سرية.
ومع تولى "محمد مصدق" رئاسة الوزراء الإيرانية عام 1951م وتأميمه لشركات النفط الغربية فى إيران أصيبت العلاقات الثنائية بين إيران واسرائيل بالفتور؛ فأُغلقت القنصلية الإيرانية في إسرائيل بحجة "توفير النفقات"، وإن ظل التعاون مستمراً بشكل أو بآخر. وبعد الإطاحة بمصدق في عام 1953م بمساعدة واشنطن ولندن عادت علاقات التقارب بين الطرفين، وذلك بعد أن أحكم "الشاه الإيرانى" قبضته على الحكم وزاد من تقاربه مع الولايات المتحدة وهو ما صاحبه تنامي العلاقات مع إسرائيل (مع ملاحظة أن ذلك التقارب كان موجهاً ضد الدول العربية – فى كثيراً من الحالات - والتى كانت فى ذروة عدائها مع اسرائيل فى إطار موجة الصراع العربى الإسرائيلى التى تنامت منذ حرب 1948م ).
ورغم أن ذلك التقارب لم يكن على طول الخط؛ إذ واكبه رفض شعبي من الجانب الإيرانى فى الستينيات من القرن العشرين، كما شهدت السبعينات حوادث عكرت صفو العلاقات (امتعضت إسرائيل عندما عقدت إيران اتفاقاً مع العراق عام 1975م ؛ ذلك أن الاتفاق المشار إليه أوقف الدعم الإيراني للمسلحين الأكراد الذي كانت إسرائيل تعتبرهم حلفاء لها) ، إلا أن علاقات التعاون لم تتأثر بين الطرفين، فنجد دعماً ايرانياً بــ "الاسلحة" لإسرائيل فى حرب أكتوبر 1973م (قدمت إيران بترولا إلى مصر)، وقدمت إسرائيل المساعدة لإيران في تدشين برنامجها الصاروخي، وفي النصف الثاني من السبعينيات زاد التعاون مع نظام الشاه إلى حد كبير دفع الرئيس الأمريكي جيمي كارتر إلى أن يصف إيران في خطاب شهير ألقاه في طهران أواخر عام 1977 بـــ"جزيرة الاستقرار" في المنطقة.
لكن الوضع تغير مع قيام النظام الجمهورى فى إيران بعد الثورة الإسلامية 1979م ؛ ذلك جميع العلاقات الدبلوماسية والتجارية بين إيران وإسرائيل قد قُطعت، ورفضت الحكومة الإسلامية فى إيران الإعتراف بإسرائيل كدولة وظل ذلك حتى أوائل التسعينيات من القرن العشرين، وذلك حسب الروايات الرسمية الإيرانية التى يكذبها البعض ويؤكدون استمرار العلاقات خاصة العسكرية بين إيران وإسرائيل بعد الثورة الإيرانية، إبان الحرب الإيرانية العراقية التى بدأت عام 1980م وأن إسرائيل أمدت إيران بقطع غيار للطائرات ومعدات عسكرية أمريكية بل يؤكدون – ايضاً – أن الولايات المتحدة باعت أسلحة إلى إيران عبر إسرائيل عام 1986 م.
ومع انهيار الاتحاد السوفيتي وبعض الأحداث فى الشرق الأوسط اوائل التسعينيات، دخلت العلاقات بين إيران وإسرائيل مرحلة جديدة، إذ بدأ مسؤولون إسرائيليون يتحدثون عن "التهديد الإيراني للأمن في الشرق الأوسط"، بينما أدانت طهران اتفاقية أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، و تحالفت مع الجماعات الفلسطينية المعارضة للإتفاقية مثل حركة الجهاد الإسلامى وحركة حماس وحزب الله اللبنانى، ومن هنا زادت حدة الخطابات بينهما. لكن تلك الحدة تراجعت بعض الشيئ خلال فترة حكم الرئيس الإيرانى محمد خاتمى (1997م – 2005 م) رغم أن تلك الفترة كانت مليئة بالاحداث المضادة لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية مثل" الإنتفاضة الفلسطينية الثانية"، وهجمات 11 سبتمبر وما تبعها من حربى افغانستان والعراق الملاصقتان حدودياً مع إيران.
ومع وصول الرئيس "محمود أحمدى نجاد " المتشدد للسياسة الإيرانية عام 2005م إلى الحكم، عاد التوتر بين إيران واسرائييل إلى الواجهة؛ خاصة مع قيام الحرب بين حزب الله وإسرائيل عام 2006 م اتهمت إسرائيل الحرس الثورى الإيرانى بأنه ساعد مقاتلى حزب الله بشكل مباشر.
وإبان ذلك عاد البرنامج النووي الإيراني والذى بدأت إيران التفكير فيه منذ خمسينيات القرن العشرين إلى الواجهة بشدة حاملاً معه التوتر بين إسرائيل وإيران؛ إذ رأت إسرائيل خطورة فى سعى إيران لتطوير ذلك البرنامج، وهو ما نفته طهران التي شددت على أن برنامجها النووي مخصص لأغراض سلمية .
وقد أدى ذلك التوتر إلى تبادل الاتهامات بين الطرفين؛ فاتهمت طهران إسرائيل – على سبيل المثال - بقتل علماء الطاقة الذرية الإيرانيين فى حين نفت إسرائيل ذلك، كما اتهمت إسرائيل إيران بدعم حكومة بشار الأسد خلال الحرب الأهلية في سوريا التى بدأت فى 2011م ، وردت على ذلك بعشرات الهجمات على مواقع وأهداف تابعة للحرس الثوري الإيراني ومسلحي حزب الله في سوريا. ثم جاءت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عقب هجمات السابع من أكتوبر 2023م التى شنتها حركة حماس الفلسطينية على إسرائيل، وما تبع ذلك من تطورات وصلت إلى جنوب لبنان (إسرائيل وحزب الله)، وتحدثت اسرائيل عن مشاركة إيرانية بشكل ما لصالح الفلسطينيين، وهو الأمر الذى نفاه مسئولون إيرانيون .
وفى ابريل 2024 م أُغتيل القيادى الإيرانى البارز "محمد رضا زاهدي" فى دمشق، واتهمت إيران إسرائيل باغتياله، وعلى آثر ذلك شنت هجوماً بالمسيرات والصواريخ على إسرائيل مباشرة فى تطور غير مسبوق، وردت إسرائيل باستهداف العديد من المواقع فى إيران مما نتج عنه مقتل علماء نوويين وقادة عسكريين .
فى يونيو 2025 م اشتدت حدة التصعيد بين الطرفين على آثر الهجوم الجوى الذى شنته اسرائيل على إيران، وهو الأمر الذى ردت عليه إيران بإطلاق صواريخ باليستية على إسرائيل، وكان أهم ما يميز هذين الهجمتين أنهما اعتبرا أخطر مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران منذ الثورة الإسلامية؛ إذ أصبح الصراع فيها بشكل مباشر وسط قلق عبرت عنه دول الخليج مع مواصلة إيران تطوير برنامجها النووى ودعمها للفصائل المسلحة التى تواجه اسرائيل، وكذلك مع مواصلة إسرائيل رفع استعدادتها العسكرية والاستخباراتية .
وعقب هجمات يونيو 2025 م وضرب الولايات المتحدة المنشآت النووية الإيرانية خلالها، ودعوتها طهران للتفاوض حول إنهاء مشروعها النووى وتقليص برنامجها الصاروخى ووقف دعم حلفائها في الشرق الأوسط فى مقابل رفع العقوبات الأميركية على إيران. لكن طهران لم تبد تجاوبا مع المطالب الأميركية. وفى ديسمبر 2025م استغلت الولايات المتحدة الاحتجاجات الشعبية التى اندلعت ضد النظام الإيرانى ووعدت المتظاهرين بالمساعدة فى تغيير النظام بالقوة، لكنها ما لبثت أن تراجعت لأسباب منها تدخل بعض الوساطات الإقليمية، وعدم جاهزية اسرائيل للمواجهة، ما سمح بالعودة التفاوض مع إيران، وفى فبراير 2026 م رفعت الولايات المتحدة حضورها العسكري في المنطقة، ووضعت مهلة مقدارها شهر للتوصل إلى اتفاق مع إيران. ورغم أن المفاوضات قد شهدت تقدماً ملحوظا – حسبما نشر عنها – إلا أن الهجوم بدأ على إيران صباح السبت 28 فبراير 2026م من ناحية الولايات المتحددة الأمريكية وإسرائيل التى ربما خافت من التوصل إلى تسوية مع إيران، وسط تطلعهما لتحقيق العديد من الأهداف ومنها :( منع إيران من امتلاك سلاح نووي - تدمير ترسانتها الصاروخية - إضعاف علاقاتها الإقليمية - القضاء على قدراتها البحرية - تغيير النظام من الداخل) .
هكذا مرت العلاقات الإسرائيلية الإيرانية بتاريخ طويل من الود والتعاون والصراع والاتهام.. وغيرها، وبالنظر إلى هذا التاريخ الطويل من العلاقات تحير المحللون والكتاب فيما إذا كانت الأحداث بين الطرفين لعبة أو مسرحية متفقا عليها من عدمه حتى وصلنا إلى نقطة الصدام المسلح التى "صعب التنبؤ بها"، وهو ما يضعنا ايضاً فى حيرة حول مستقبل ذلك الصراع وهل سيحمل المزيد أم سيتوقف عند حد ما؟ إذ أن حسابات الواقع التي تحكم المواجهات بين البلدين تتغير أحياناً بشكل درامي.
--------------------------------------
بقلم: د. مصطفى يونس احمد






