06 - 04 - 2026

مصر وطن كل المصريين

مصر وطن كل المصريين

قال الرئيس فى إفطار الأكاديمية العسكرية: (إسلام الدولة محدش اتكلم فيه كتير الدولة فيها ناس مسلمة ومش مسلمة وناس مؤمنة ومش مؤمنة هل الدولة معمولة لحد لوحده؟ الدولة معمولة لكل الناس حتى اللى مش مؤمنين ده ربنا سايبهم وبيرزقهم ومعملهمش حاجة. عايز تعمل ممارسة دينية تقدم فهمك للدين بشكل كويس . الدولة مش معمولة للمسلمين بس معمولة لكل الناس) .

كلام جميل يؤكد المقاصد العليا الإلهية للأديان، ويتوافق مع الدستور ويلتزم بحقوق المواطنة الحقيقية، ويعلن أن الدين لله والوطن للجميع.

بداية الوطن ليس شخصية طبيعية يمكن أن يعتنق أى دين من الاديان. والأوطان ليست لها أديان. وهذا غير توصيف وطن يدين أغلبية مواطنية العددية بديانة بذاتها، فتنسحب هذه الديانة على الوطن. فلا نقول إن أمريكا مثلا مسيحية لأن أغلبية الشعب يدين بالمسيحية. ولكن هناك فرق بين الدولة الدينية مثل إسرائيل وإيران وهما يعلنان أنهما دولتان دينيتان كنظام سياسى دينى. وهذا غير الدولة المدنية التى هى ليست دولة دينية أو دولة عسكرية.

وهذا يعنى أن الدولة ليست هى التى تدين باليهودية أو الإسلامية الشيعية، ولكن هذا يعنى أن النظام السياسى لهذه الدولة هو نظام الدولة الدينية. كما أن الدولة الدينية هذه كانت ترتبط اسما فى عصور تاريخية معينة بالدين نتيجة لنظام حكم كان يتوافق مع الزمان والمكان الذى لم يكن يعرف فيه أى نظم سياسية، فكان الحكم الدينى المسيحى وسيطرة الكنيسة على الحكم والحكام والسياسة فى الغرب، وكان الحكم الدينى الاسلامى فى المنطقة العربية والدول التى انتشر فيها الاسلام . ولكن بعد التطور السياسى والاجتماعى والثقافى والاقتصادى أصبحت تلك النظم الدينية هى حالة استغلالية واستبدادية من جانب الحاكم المستبد والمستغل الذى يحكم بأسم الدين وهو لا علاقة له بالدين ولا قيمه ولا مقاصده من قريب أو من بعيد!  كما أنه هو الأهم أن الدين هو معتقد أيمانى شخصى وذاتى تحدده العلاقة الخاصة بين الله وبين الإنسان . ولا يتدخل أي أحد أيا كان فى هذه العلاقة الخاصة. (الايمان هو ما وقر فى القلب وصدقه العمل) (لايعرف الإنسان غير روح الإنسان الساكن فيه). وهذا يعنى أن الإيمان فردى ذاتى وليس جماعيا. مفهوم شعب مسلم أو شعب مسيحى أو هندوسى. فهذه تسمية تخضع لمفاهيم اجتماعية وقبلية ومناطقية وليس لمفهوم دينى إيمانى. حيث أن المجموع المسيحى مثلا الذى يطلق عليهم باعتبار انهم يدينون بالمسيحية، فهذا مفهوم اجتماعى وثقافى وليس دينيا وهذا ينطبق على كل الأديان وذلك لأنه لا يوجد مفهوم إيمانى واحد لأى مجموعة، بل هناك رؤى ومفهوم وإيمان خاص بكل شخص مؤمن بدين. ولذا نجد الخلاف والتباين ليس بين الأديان ولكن داخل الدين الواحد، ولذا نرى تلك التعددية الدينية التى هى إرادة الله تحقيقا لحرية التدين التى أعطاها الله للإنسان حتى يكون هناك حساب لكل شخص وليس حسابا للمجموع. هنا إذا كان الأمر كذلك فلا يصح أن نخلط المجال الخاص الدينى والعقيدى والشخصى لكى نفرضه على المجموع ليس الدينى فقط ولكن على الاخر غير الدينى. هنا يصبح المجال العام الوطنى الذى يضم كل المواطنين تحت لواء الوطن غير المجال الخاص الذى هو ملك الشخص بذاته، بعلاقته بالله وحسب مفهومه للنص الدينى فهما وتفسيرا وتأويلا. والذى يختلف عن تفسير وتأويل من يشاركه فى العقيدة . هنا الوطن هو المجال العام الذى يجمع كل المواطنين بكل دياناتهم ومعتقداتهم. فالوطن لا يتعامل مع المواطن على أرضية دينه أو عقيدته أو إيمانه فهو حر فى أن يؤمن أو لا يؤمن (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) ولكن يتعامل الوطن مع المواطن على أرضية وطنية مواطنية متساوية بين الجميع بلا استثناء، وبالقانون الذى شرعه الشعب وليس لمفهوم كل واحد حسب فهمه للعقيدة!

هنا كيف نحقق هذا حيث لا يحدث هذا التداخل بين المجال الخاص والمجال العام؟ هو دور الدولة المهم والأهم فى أن يتم تعزيز هذا المفهوم التصحيحي لتحقيق المواطنة الحقيقية المطلوبة التى هى فى صالح الوطن قولا واحدا. فى مجال التعليم الذى يعمل على إعمال العقل وقبول الآخر المواطنى. فى الإعلام خاصة الدينى الذى يقوم هنا وهناك بدور سلبى خطير يهدد سلامة الوطن. العمل الأهلى الذى أصبح عملا طائفيا بامتياز يكرس الطائفية بين جمعيات أهلية إسلامية وأخرى مسيحية وتعليم دينى إسلامى وآخر مسيحى. الأهم تلك المؤسسات الدينية التى تتصور أن تواجدها ينصب على تحفيز وتسويق الطائفية وتأكيد الصراع الطائفى، وكأن وجود طائفة هى إلغاء وعلى حساب الطوائف الأخرى.  حمى مصر وطنا لكل المصريين وحمى شعبها الصابر الصامد مدى التاريخ فى وجه الطائفية.
------------------------------
بقلم: جمال أسعد


مقالات اخرى للكاتب

ما علاقة المسيحي باليهودية الآن؟