في لحظات الأزمات الاقتصادية تصبح التفاصيل الصغيرة في الخطاب العام كاشفة بقدر القرارات الكبرى، فحين تتزايد الضغوط المعيشية على ملايين الأسر وتتآكل القوة الشرائية للأجور بفعل موجات الغلاء المتلاحقة يصبح كل ما يُقال عن الاقتصاد ـ في الإعلام أو السياسة ـ جزءا من نقاشات أوسع تتعلق بكيف يفهم المجتمع ما يجري حوله وفي مثل هذه اللحظات لا تُقاس حساسية الخطاب العام فقط بما يقوله، بل بالتوقيت الذي يُقال فيه أيضا.
ففي اللحظة التي يجري فيها الحديث رسمياً عن الحاجة إلى دعم اجتماعي لمواجهة آثار الأزمة الاقتصادية، يظهر على شاشات التلفزيون خطاب مختلف تمامًا. خطاب يحتفي بالمليارات وبقصص تكوين الثروات الضخمة ويقدمها بوصفها السردية الأكثر إثارة عن الاقتصاد ويأتي برنامج "رحلة المليار" ليجسد هذه المفارقة بوضوح حيث يقوم على استضافة رجال أعمال للحديث عن رحلاتهم في عالم الاستثمار، وكيف تمكنوا من بناء ثروات بمليارات الجنيهات, السؤال الحقيقي هنا يتعلق بالسياق أي ماذا يعني أن يحتفي الخطاب الإعلامي برحلات تكوين المليارات في لحظة تطالب فيها الدولة نفسها المجتمع بالصبر على آثار أزمة اقتصادية قاسية؟ وكيف يمكن لهذا النوع من البرامج أن يُستقبل اجتماعيا، في وقت يشعر فيه قطاع واسع من المواطنين بأنهم يكافحون فقط للحفاظ على مستوى معيشتهم الأساسي؟
من هذه الزاوية يبدو برنامج "رحلة المليار" مؤشر على فجوة آخذة في الاتساع بين روايتين مختلفتين للاقتصاد في مصر، رواية رسمية تتحدث عن ضغوط اقتصادية تستدعي حزم دعم اجتماعي، ورواية إعلامية تحتفي بالمليارات وتقدمها بوصفها الحلم الأكبر الممكن تحقيقه، وبين هاتين الروايتين يقف المواطن العادي محاولًا أن يفهم موقعه الحقيقي في هذه الصورة المعقدة للاقتصاد.
إذا كانت هذه المفارقة تفتح باب التساؤل حول حساسية الخطاب الإعلامي للسياق الاقتصادي والاجتماعي، فإن التوقف قليلًا عند فكرة البرنامج نفسها يكشف جانبا آخر من المشكلة، فبرنامج "رحلة المليار" الذي يقوم في جوهره على فكرة بسيطة لكنها ذات دلالة، وهي استعادة مسارات الصعود الاقتصادي لعدد من كبار رجال الأعمال والبحث في اللحظات الفارقة التي انتقلوا فيها من البدايات الأولى إلى تكوين ثروات ضخمة واستثمارات بمليارات الجنيهات، وتُقدَّم هذه القصص في إطار سردي يعتمد على عناصر مألوفة في خطاب النجاح الاقتصادي، الجرأة في اتخاذ القرار والقدرة على اقتناص الفرص، والاستعداد للمخاطرة والقدرة على التعلم من الفشل، لا شك أن هذه العناصر تمثل جزءًا من الحكاية الحقيقية لعالم الأعمال، وهي سردية تُستخدم في كثير من وسائل الإعلام حول العالم لتشجيع ريادة الأعمال وإبراز نماذج النجاح الاقتصادي، غير أن المشكلة تظهر حين تُقدَّم هذه السردية بوصفها الصورة الكاملة للاقتصاد أو حين تتحول إلى الرواية الأكثر حضورا في المجال العام، بينما تتراجع في الخلفية الأسئلة الأكثر إلحاحا التي تشغل المجتمع: ماذا يحدث للأجور؟ كيف تتغير تكلفة المعيشة؟ ولماذا تتسع الفجوة بين الدخول والثروات؟
في هذا السياق تبدو قصص المليارات التي يحتفي بها البرنامج أقرب إلى صورة انتقائية للاقتصاد، تركز على قمته اللامعة بينما تترك ما يجري في قاعدته الاجتماعية الواسعة خارج إطار السرد، فبينما يستمع المشاهد إلى حكايات عن صفقات بمليارات الجنيهات واستثمارات ضخمة ونمو سريع للثروات، وهو يعيش في واقع اقتصادي مختلف، واقع تدور فيه الحسابات اليومية حول أسعار السلع الأساسية وفواتير الخدمات وتكاليف التعليم والعلاج.
غير أن هذه المفارقة لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق الاقتصادي الأوسع الذي تمر به مصر اليوم، وهو السياق الذي دفع الحكومة نفسها إلى الإعلان عن حزمة اجتماعية جديدة للتخفيف من آثار الأزمة الاقتصادية، في اعتراف ضمني بأن الضغوط المعيشية باتت تمس قطاعات واسعة من المجتمع، ومن هنا يصبح من الضروري النظر إلى البرنامج ليس فقط كمنتج إعلامي مستقل بل كجزء من مشهد اقتصادي واجتماعي أكثر تعقيدًا تتجاور فيه روايات مختلفة عن الواقع نفسه.
وبين هاتين الصورتين المتناقضتين يبرز سؤال أعمق يتعلق بوظيفة الإعلام نفسه, فالإعلام لا يكتفي بعرض الوقائع بل يساهم أيضا في تشكيل الطريقة التي يفهم بها المجتمع اقتصاده، ويحدد أي القصص تُروى، وأيها تُهمَّش، ويعيد ترتيب أولويات النقاش العام حول ما يعتبره المجتمع نجاحا اقتصاديا، وما يعده مشكلة تستحق الانتباه.
----------------------------
بقلم: حسن البربري






