في واحد من أهم الإصدارات اللافتة التي يقدمها المركز القومي للترجمة، يفتح كتاب مهم نافذة نادرة على لحظة تاريخية ظلت طويلًا حبيسة الأرشيفات الأوروبية، حين جاء الرحالة والمبشرون والدارسون من الغرب إلى الشرق محمّلين بصور مسبقة، ليجدوا أنفسهم أمام واقعٍ أكثر تعقيدًا وثراءً مما تخيّلوا.
وفي كتابه "القبط والغرب (1439–1822م): الأوروبيون واكتشاف الكنيسة القبطية"، ترجمة مجدي جرجس، يقدّم الباحث البريطاني أليستر هاميلتون عملًا لا يكتفي بتناول تاريخ الأقباط أو الكنيسة القبطية فحسب، بل يقدّم مراجعة معمّقة لتراث التصورات الأوروبية عن الشرق عمومًا، وعن الكنائس الأرثوذكسية الشرقية على وجه الخصوص، واضعًا هذه التصورات في مواجهة الواقع التاريخي.
ومن هذه الزاوية، يتحول الكتاب إلى دراسة شديدة الأهمية في تاريخ الاستشراق المبكر؛ إذ يتتبع المؤلف رحلة الأفكار قبل أن تكون رحلة أشخاص. كيف حمل الأوروبيون تصوراتهم المسبقة عن الكنيسة القبطية، ثم جاؤوا إلى مصر لاختبارها، ليكتشفوا أن الواقع مختلف عمّا صاغته المخيلة والكتابات القديمة. وبين التوقعات والدهشة، دوّن هؤلاء القادمون ملاحظات ثمينة عن مصر والكنيسة القبطية في فترة يكتنفها الغموض وتندر فيها المصادر، تمتد من منتصف القرن الخامس عشر حتى بدايات القرن التاسع عشر.
وخلال هذا المسار التاريخي، يرصد الكتاب موجات الإرساليات التبشيرية الكاثوليكية التي قدمت إلى الشرق وهي تحمل أحكامًا مسبقة وصورًا عدائية، قبل أن تضطر بعض هذه التصورات إلى التعديل، بينما أعيدت صياغة أخرى وفق سرديةٍ رائجة في الفكر الأوروبي آنذاك، تقوم على فكرة تفوق الغرب وانحطاط الشرق. ومن هنا يكتسب الكتاب قيمته بوصفه إضافة محورية لمراجعة تاريخ الاستشراق وإعادة قراءة جذوره الأولى.
كما يتتبع المؤلف في فصوله المختلفة تطور هذا الاهتمام الأوروبي بالشرق وصولًا إلى ميلاد علم القبطيات، ولا سيما الدراسات المتعلقة باللغة القبطية، معتمدًا في ذلك على كم هائل من المصادر الأولية التي جمعها من أرشيفات الإرساليات والجامعات الأوروبية العريقة، بعد رحلة بحث طويلة بين الوثائق والرسائل والمخطوطات.
إن أخطر الرحلات ليست تلك التي نقطع فيها المسافات، بل تلك التي نحاول فيها التحقق من أوهامنا؛ فالحقيقة تظل كامنة في قلب التاريخ، تنظر في صمت إلى العابرين، بانتظار من يقرأ جوهرها.. لا من يُلبسها رداء تصوّراته.






